وليد الأعظمي.. توحيد العرب بالشعر

كتب بواسطة: بلقيس عبدالعزيز | في أوراق ثقافية . بتاريخ : May 13 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 3527

وليد الأعظمي.. توحيد العرب بالشعر

نسخة للطباعة
شريعةُ اللهِ للإصلاحِ عنوانُ
وكلُّ شيءٍ سوى الإسلامِ خسرانُ
لمَّا تركنا الهدى حلّت بنا محنٌ
وهاج للظلمِ والإفسادِ طوفانُ
لا تبعثوها لنا رجعيةً فترى
باسم الحضارةِ والتاريخِ أوثانُ
لا حمرابي ولا خوفو يعيدُ لنا
مجداً بنــاه لنا بالعزّ قرآنُ
تاريخُنا من رسولِ الله مبدؤُه
وما عـداه فلا عزٌّ ولا شانُ
محمدٌ أنقذ الدنيا بدعــوتِهِ
ومن هداه لنا روحٌ وريحانُ
أبيات صاغها شاعرنا الإسلامي وليد الاعظمي الذي سخّر موهبته الشعرية للدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين؛ فرنّت كلماته التي صاغها أشعاراً يرددها المسلمون من المغرب العربي إلى أقصى اندونيسيا، ما بين قصائد وأناشيد مغناة.
     فشاعرنا الأعظمي تربّى على نهج الإسلام وحفظ القرآن في بيت أعظمي محافظ، كان يمثل فيهم الابن البكر لعائلة عبد الكريم بن إبراهيم بن مهدي الأعظمي العبيدي؛ فهو من مواليد 1930 ميلادية تعلم القرآن الكريم، وحفظه على يد الملا حميد الكردي المندلاوي, وانتسب إلى مدرسة "الأعظمية" الابتدائية الأولى، وأكمل الدراسة الابتدائية سنة 1943.
دأب منذ صباه على حضور مجالس العلم، فكان يحضر مجلس العلامة "محمد القزلحي الكردي" في مسجد بشر الحنفي بالأعظمية، ومجلس العلامة الشيخ "عبد القادر الخطيب" في جامع الإمام الأعظم، ومجلس العلامة الحاج "حمدي ألأعظمي" في منزله عصر يوم الجمعة من كل أسبوع، وكذلك دروس العلامة الشيخ "أمجد الزهاوي" في جامع الإمام الأعظم ومسجد الدهان في الأعظمية.
بدأت موهبته الشعرية تتفجر وهو في الحادية عشرة من عمره، وما ساعده في ذلك هو رعاية خاله الشاعر والأديب البغدادي المعروف مولود أحمد الصالح له، فكان خاله يعدل له ما يصوغ من الأشعار، ويوجهه إلى الصحيح من الأوزان والقوافي، ويساعده في إعداد النشرة المدرسية التي أعدها وليد الأعظمي والتي سمّاها "المشكاة" وهو ابن الحادية عشرة؛ فقد بدأ شاعرنا الأعظمي بنظم الشعر وهو ابن خمس عشرة سنة، وكانت أولى قصائده في رثاء الشاعر العراقي البارز(معروف الرصافي) في سنة1945.
في سنة 1946 افتتحت جمعية الآداب الإسلامية فرعاً لها في الأعظمية، وكان يتبارى فيها الشعراء بإلقاء قصائدهم بعد أن يقوم المدرس المصري بدار المعلمين في الأعظمية الأستاذ محمود يوسف بتعديل تلك القصائد وتشذيبها، وكان شاعرنا الأعظمي من بين الشباب الذين يلقون قصائدهم في تلك الجمعية.
لم تكن الحياة السياسة في العراق آنذاك بمعزل عن أشعار الأعظمي؛ فقد شهدت بغداد أواخر أربعينيات القرن الماضي مظاهرات كبيرة قادها الشيخ محمد محمود الصواف – رحمه الله تعالى – لإلغاء معاهدة "بورتسموث" مع الاحتلال البريطاني ووزارة صالح جبر، وأسفرت تلك المظاهرات عن إلغاء المعاهدة وإسقاط حكومة جبر، وكان الأعظمي خلال تلك المظاهرات يصدح بقصائده في تأجيج الروح الوطنية والمطالبة بإلغاء الاتفاقيات والمعاهدات مع المحتل البريطاني.
    سنة 1950 شكّلت منعطفاً مهماً في حياة الأعظمي عندما تأسست جمعية الأخوة الإسلامية التي أنشأها المرحوم الشيخ محمد محمود الصوّاف في العراق، والذي ساهم أسهاماً كبيراً في صقل موهبة وليد الأعظمي وتشجيعه على نَظم الشعر، فكان يقدمه لإلقاء شعره على أسماع الحاضرين، وكان ينشر له قصائده في مجلة (الأخوة الإسلامية)، بعد أن يهذِّبَها، ويجعَلها صالحةً للنشر، وكان يصطحبه معه عند زيارة بعض المدن العراقية، ويشجِّعه على إنشاد الشعر الإسلامي في مساجدها. يقول وليد الأعظمي عن رعاية الصواف له: كان الصوّاف -رحمه الله- السبب الرئيس الذي جعلني أقف على قدميّ، وأصبحت بفضله أمتلك القدرة على نظم قصائد إسلامية طويلة.
وليس ذلك فحسب، بل كان للصواف وخطه الدعوي أبلغ الأثر في نفوس الشباب آنذاك حيث يقول الأعظمي عن ذلك: إن خطب الشيخ الصواف- رحمه الله - قد دخلت قلوب الشباب، وأدّت إلى جذب قلوبهم و عقولهم إليه وإلى تطلّعاته.
    وقد ساهم ذلك بنشأة جيل في العراق متمسك بشريعة الله تعالى ومنهجه، الذي لم يحد عنه شباب منطقة الأعظمية خاصة.

موهبة الخط العربي 
لم تكن موهبة الشعر هي الموهبة الوحيدة لوليد الأعظمي؛ فقد حباه الله تعالى موهبة أخرى وهي الزخرفة والخط العربي، وبسببهما انتسب إلى معهد "الفنون الجميلة" ببغداد- قسم الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وتتلمذ على يد الخطَّاط التركي الشهير "ماجد بك الزهدي"، ورافق الخطَّاط النابغة "هاشم محمد البغدادي" ـ رحمه الله- وتعلم منه الكثير، وكانت هذه الموهبة سبباً في أن ينال إجازةً في الخط العربي من العلاَّمة الشيخ "محمد طاهر الكردي المكي"- خطّاط مصحف مكة المكرمة- ونال إجازةً في فنِّ الخط العربي من الخطَّاط المصري الشهير "محمد إبراهيم البرنس"- خطّاط المسجد الحرام بمكة المكرمة- ونال إجازةً في الخط العربي من الشيخ "أمين البخاري"- خطّاط كسوة الكعبة المشرفة.

نتاجه الشعر
صدر له أول ديوان، وكان يحمل اسم الشعاع عام 1959، وتبع ذلك في عام 1962 ديوانه الثاني الزوابع، وقد أثار هذا ضجة في الأوساط الأدبية ببغداد؛ لأن الرقابة على النشر قامت بحذف  العديد من قصائد هذا الديوان, وفي سنة 1965 أصدر ديوانه الثالث الذي حمل اسم "أغاني المعركة", وفي عام 1998 أصدر آخر ديوان له بعنوان "نفحات قلب".
أما المؤلفات التي قام الأعظمي بتحقيقها فهي: "شاعر الإسلام.. حسان بن ثابت"، "المعجزات المحمدية"، "الرسول في قلوب أصحابه" و"العشاري عام 1977"، "مدرسة الإمام أبي حنيفة"، "ديوان الأخرس"، "السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني"، "الخمينية وريثة الحركات الحاقدة والأفكار الفاسدة"، "جمهرة الخطّاطين البغداديين"، "شعراء الرسول"، "تاريخ الأعظمية" و"أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران".

الأعظمي والاحتلال الأمريكي للعراق
تأثر كثيراً شاعرنا الأعظمي بما لحق بالعراق من جرّاء الاحتلال الأمريكي الغاشم، وانعكس ذلك على قلمه، فكتب في ذلك قصيدة قال فيها:
في كلِّ مؤتمرٍ تبدو مبادرةٌ
فيها لشباننا الأبطالِ تخذيلُ
يقرّرون ويحتجّون لاهيةً
قلوبُهم فهي أدوارٌ وتمثيلُ
لاينبسون بحرفٍ فيه بارقةٌ
من الصمودِ ليستقوي بها الجيلُ
يهرولون ليرضى (بوش)سيّدُهم
عنهم ويشكرُهم موشي ورابيلُ
ولاتردُّ أذى أعدائنا صورٌ
ولاتردُّ الصواريخَ التماثيلُ
هم الأسودُ على أبناءِ أمتهم
وعند شارونَ أقزامٌ مهازيلُ
     أما آخر قصائده فكانت في احتفالية البردة النبوية التي أُقيمت في مدينة الموصل شمال العراق في شهر تموز من عام 2003، وأُلقيت بالنيابة عنه بسبب مرضه جاء فيها:

أعاهدُ ربي أن أظلَّ مجاهداً
أشدو بميلادِ النبيِّ قصائدا
أدعو الأنامَ بها إلى سبلِ الهدى
مستنهضاً منهم شعوراً خامدا
وأبثُّ في روحِ الشبابِ عزيمةً
تذكي بأعماقِ القلوبِ مواقدا
لتقومَ تجتثُّ الفسادَ بهمةٍ
تبقي لهيبَ ضرامِها متصاعدا

يوم وفاته
كان يوماً مشهوداً في تاريخ البغداديين بشكل عام وأبناء الأعظمية بشكل خاص الذي شاركوا بتشييعه في موكب مهيب حضرهُ العلماء والأدباء، وصُلّيت صلاة الجنازة عليه في جامع الإمام الأعظم، ثم دُفن في مقبرة الخيزران في الأعظمية في 1425 هجرية الموافق شهر شباط 2004م عن عمر تجاوز الثالثة والسبعين، بعد صراع مع المرض وجلطة أصابته، مخلفاً أربع بنات وثلاثة أولاد من أصل أربعة، استشهد أكبرهم وهو الملازم خالد في الحرب مع إيران في الثمانينيات من القرن الماضي.