مواجهة الانتحار بالإيمان

كتب بواسطة: البراء العوهلي | في الملف . بتاريخ : May 24 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 4910

 مواجهة الانتحار بالإيمان

نسخة للطباعة
من المعتقدات التي كانت سائدة قديمًا عند الشّعوب هو أنّه لا ينبغي الحديث عن الانتحار خوفًا من أن يكون الحديث عنه تنبيهًا للنّاس وتشجيعًا بشكل غير مباشر، فتزيد نسبة الانتحار نتيجةً لذلك! ولكنّ المنهج القرآنيّ مختلف في التّعاطي مع الظّواهر السّلبيّة في المجتمع؛ إذ يطرحها ويحذّر منها، ويبحث في أسبابها ويعالجها؛ ففي الوقت الذي كان القدماء يرفضون الحديث عن الانتحار جاء القرآن وتحدّث عنه بكلّ وضوح فقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، وتحدّث عنه النّبيّ الكريم -عليه الصّلاة والسّلام- وحذّر بشدّة من عقوبته الأخرويّة في عدد من الأحاديث النّبويّة الكريمة.  
الانتحار هو انعكاس لأشدّ وأقسى أنواع الشّعور بالعدميّة واللاجدوى والضّياع وانعدام الأمل وخواء الرّوح، هو إعلان من المنتحر بأنّ الحياة قد صارت ثقلاً لا يمكن أن يحتمله، فيختار أن يستقيل منها، ويضع حدًّا لمأساتها وقسوتها!
في كلّ سنة هناك ما يقارب المليون إنسان يختارون أن ينهوا حياتهم بأنفسهم! بما يعني أنّ هناك حالة انتحار تحدث كلّ (40) ثانية في هذا العالم، وتثبت الدّراسات أنّ الانتحار هو أحد أسباب الوفاة الرّئيسة الثّلاثة لدى من تترواح أعمارهم بين (15 – 44) عامًا! مع ملاحظة أنّ هذه الإحصائيّات لا تشمل محاولات الانتحار غير النّاجحة، والتي تزيد عن عشرين ضعفًا عن المحاولات النّاجحة!
على الرّغم من أنّ الإحصاءات تشير إلى أنّ نسبة الانتحار في الدّول العربيّة والإسلاميّة عمومًا أقلّ من الدّول الأخرى - ولعلّ هذا عائد لتحذير الإسلام الشّديد من الانتحار ومن عقوبته- إلاّ أنّ نسبة الانتحار فيها باتت تزيد بشكل مرعب ومخيف خلال السّنوات الأخيرة، وهذا يتطلّب من المختصّين دراسات مفصّلة للبحث في أسباب معالجة هذه الآفة.
دراسة أسباب الانتحار ليست بالأمر السّهل؛ لأنّها تتطلب بحثًا عميقًا في الأسباب النّفسيّة والبيولوجيّة والاجتماعيّة والبيئيّة..الخ، ولكنّي سأشير إلى ثلاثة أسباب أعتقد أنّ لها تأثيرًا كبيرًا على مجتمعنا السعوديّ خصوصًا وعلى المجتمعات العربيّة والإسلاميّة بشكل أوسع.
1-تثبت الدّراسات أنّ الغالبيّة العظمى ممّن يقدمون على الانتحار هم ممّن يعانون من اضطرابات نفسيّة أو ذهنيّة كالاكتئاب أو الفصام الذهانيّ أو الشّيزوفرينيا...الخ، والمؤسف هو أنّ مستوى الوعي ومستوى الاهتمام بمعالجة هذه الاضطرابات ضعيف جدًا في مجتمعنا. هناك تقصير كبير في الاهتمام الحكوميّ الصحيّ، وهناك خلل في الوعي لدى النّاس يتّضح من نظرتهم السّلبيّة للأمراض النّفسيّة، بل إنّ الكثيرين لا يزالون يعدّون زيارة العيادات النفسيّة أمرًا مخجلاً ويتجنّبونه! الاضطّرابات النّفسيّة ليست عيبًا، فهي في كثير من الأحيان تكون نتيجة إشكالات عضويّة أو ظروف بيئيّة خارجة عن إرادة الإنسان، ولذا يجب أن يتقبّلها الإنسان والمجتمع، ويتعاطى معها بأريحية وتفهّم كما يتعاطى مع أيّ مرض عضويّ، بل إنّ أهميّة علاجها قد تفوق أهميّة علاج كثير من الأمراض العضويّة. هذه الأمراض منتشرة بنسب ليست بالقليلة وعلاجها ليس صعبًا، لكن المشكلة في التّقصير في الاهتمام بها، على الرغم  من الفوائد الكبيرة التي يجنيها المريض غالبًا بعد العلاج، وتظهر في تحسّن حياته وارتفاع مستوى طمأنينته وراحته وصحّته النّفسيّة.
2-البطالة وسوء الأحوال المعيشيّة هي من أهم أسباب الانتحار في مجتمعاتنا، ولهذا السّبب نجد أنّ نسبة الانتحار لدى الذّكور تفوق نسبته لدى الإناث بشكل كبير، ولذا فإنّ على الحكومات دورًا كبيرًا في توفير العيش الكريم وتهيئة أسبابه ومحاربة الفقر والبطالة، والذي سيكون له تأثير بإذن الله في التّخفيف من نسبة الانتحار.
3-اليأس من الحياة وضعف الوازع الدّينيّ، وهنا يأتي دور المجتمع والمحيطين في محاولة غرس معاني الأمل والتّفاؤل برحمة الله، ولعلّي  أشير هنا إلى المعالجة القرآنيّة اللّطيفة في قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)؛ لأنّ المنتحر غالبًا ما يكون شخصًا قد فقد الأمل في الحياة ويئس منها، فعندما يستحضر أنّ له ربًّا رحيمًا يعلم بحاله ويختار له ما يتوافق مع رحمته سبحانه تهدأ نفسه وتطمئن، وتستبشر وتتفاءل برحمة الله سبحانه. نحن بحاجة لأن نبثّ معاني الأمل والتّفاؤل والإيمان برحمة الله، خصوصًا لدى الأشخاص السّوداويّين أو الذين سبق أن حاولوا الانتحار، أو صرحوا بالرّغبة فيه؛ فالدّراسات تشير إلى أنّ غالب من ينتحرون هم ممّن سبق أن حاولوا الانتحار أو صرّحوا لأشخاص قريبين منهم برغبتهم في الانتحار، ولذا لا ينبغي تجاهل مثل هذه التّصريحات، بل يجب أخذها بجدّيّة ومحاولة مساعدة هؤلاء الأشخاص وبثّ روح الأمل في نفوسهم أو إرشادهم للعلاج النّفسيّ إن كانوا بحاجة إليه.
ختامًا، لا توجد فكرة يمكن أن تبعث على الطّمأنينة وتعالج الانتحار مثل عمق الإيمان بالله سبحانه؛ فالشّعور الرّاسخ بأنّ كلّ ما يحصل في هذه الدّنيا هو بتقدير حكيم عليم، يسيّر الأمور برحمته ويقدّرها لحكمة قد تكون مخفيّة عنّا في كثير من الأحيان، هو من أعظم ما يمنح القلب الطّمأنينة والرّضا ويملؤه بالأمل والتّفاؤل بأنّ ما أعدّه الله للإنسان في الآخرة هو خيرٌ وأبقى.
اللهمّ املأ قلوبنا بالرّضا والأمل، وأسبغْ على أرواحنا الطّمأنينة والسّكينة، وأحيِنا حياةً سعيدة مديدة فيما يرضيك سبحانك