(الحاجة إلى شافعي جديد)

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 2094

(الحاجة إلى شافعي جديد)

نسخة للطباعة
كلما درج الناس في سلم الحضارة توقعوا من بعضهم لطفاً ونبلاً أعظم، وصارت حساسيّتهم للتلميحات السلبية أشدّ، وهذا في الحقيقة مشتق من تنامي درجة  الاحترام الذي يتبادله الناس فيما بينهم، وإن المسؤولين عن صناعة الثقافة مطالبون دائماً بدفع استحقاقات الريادة الأدبية والعلمية التي يتمتعون بها، وإن من جملة تلك الاستحقاقات المحافظة على القواسم الثقافية المشتركة، و حماية المزاج الثقافي العام من الميل إلى الغلوّ و الانقسام.
وإن من الملاحظ في الآونة الأخيرة خروج العديد من المثقفين الذين يُشار إليهم بالبنان عما عُرف عنهم من رصانة في إبداء الرأي والتأنق في التعبير، إلى استخدام الألفاظ الخشنة بل الجارحة فيمن يخالفهم الرأي، وقد قرأت في عدد من المقالات اتهامات من كتابها لمثقفين آخرين بالجهل والبداوة والأمية والتطرّف.. وهذه الاتهامات لا يليق النبز بها لو كانت صحيحة، فكيف إذا كانت غير صحيحة، وأود أن أشير في هذا السياق إلى الأمور الآتية: 
١-إن الله ـ عز وجل ـ نهانا عن الاستخفاف بما لدى الآخرين، من أشياء حيث قال: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) (1) وأمرنا بأن نحكم بالعدل مع من نبغضهم ونختلف معهم؛ إذ يقول: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (2) وإن آراء الإنسان وتقييماته للأمور من أكثر ما يعتز به، ولهذا فلا بد من أن نفكر ملياً قبل أن ننسب أحد المتخصصين أو الباحثين إلى الجهالة أو إلى عدم المعرفة. 
٢- إن مشكلة الاتهامات الخشنة أنها تولِّد لدى المتهمين درجة عالية من الحساسية النفسية، والتي تصل إلى حد العداوة لأولئك الذين اتهموهم بما ليس فيهم ـ في تقديرهم على الأقل ـ وهذه العداوة تنقل الخلاف بين المثقفين من خلاف في الرؤى والأفكار إلى خلاف شخصي، وحين يصبح الخلاف شخصياً ينتهي شيء اسمه (التسوية الثقافية) أو (التلاقح الذهني) ويبدأ الصراع على حماية المصلحة والسمعة، وهذا خطِر جداً لأنه يولّد الكثير من اللبس والتشويش لدى الجمهور العام.
٣- حين لا نتحفظ في استخدام تعبيراتنا تجاه بعضنا بعضاً، فإننا في الحقيقة نكون قد هيأنا الساحة الثقافية للانشقاق، واشتعال روح التحازب والمناكفة، وهذا يستهلك طاقات المثقفين، ويوغر الصدور، ويحرم الناس من التمتع برؤية قياداتهم الثقافية، وهي تقدم النموذج في قبول الرأي الآخر، وفي التسامح والتكيّف مع الخلاف، ورحم الله الإمام الشافعي؛ إذ يقول  في تقديم دستور لإدارة الخلاف وتلطيفه: (مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب) نعم هذه هي البصيرة التي يتمتع بها العظماء من أئمة الهدى وأعلام الملّة، وقد كان الدور الثقافي الذي قام به الشافعي ـ رحمه الله ـ في تأطير خلافات الفقهاء قائماً على مقولته الذهبية التي أشرنا إليها، وقد عبر عن ذلك الدور تلميذه النجيب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حين قال: (كنا نسبُّ أهل الرأي، ويسبوننا إلى أن جاء الشافعي، فجمع بيننا). 
نحن اليوم إذن في حاجة إلى شافعي جديد يدلنا على إمكانات التلاقي واكتساب المساحات المشتركة، وإن فينا -بحمد الله- كثيرين مؤهلين لممارسة هذه المهمة النبيلة.

١- سورة الأعراف: 85
٢- سورة المائدة: 8