إسلاميّات شوقي

كتب بواسطة: عبير العقاد | في علمتني الحياة . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 2548

إسلاميّات شوقي

نسخة للطباعة
لا خلاف في أن الشاعر أحمد شوقي من ألمع شعرائنا في العصر الحديث.. فهو واحد من كبار الشعراء الذين تعددت نواحيهم الفنية، وتشعبت آثارهم الأدبية.
فقد ملأ العصر بقصائده الغنائية، ووصلها بمسرحياته التمثيلية، وذهب الناس من أجله أحزاباً، لذلك كله ولغيره اختلف الناس حوله وحول شاعريته، وانقسموا فريقين: فريق طار به وباسمه؛ فأغرقه ثناء، ورآه الشاعر الذي لا يدانيه شاعر، أو القمة التي لا تعلوها قمة. وفريق آخر تعصّب عليه، ودخل من أجله، ومن أجل شاعريته أغنى وأعنف المعارك في الأدب والنقد المعاصر. 
      إن الاحتفال بالنوابغ في ذاته حق واجب؛ لأنه مظهر من مظاهر الوفاء، وكما معروف أن شوقي من أبناء الطبقة الارستقراطية؛ فقد عاش حياته الأولى كلها بين جدران القصر، حتى أيام الخديوي عباس حلمي الذي لقّبه في أيام ولايته بلقب "شاعر الأمير".
وعلى الرغم من أنني أنتمي إلى عائلة العقاد اسماً ونسباً، وكما يعلم القارئ أيضاً أن العقاد  خاض مع  شوقي أعنف معارك عرفتها الحياة الادبية، إلاّ أنني أعتبر أن أخلد أشعار شوقي هي الإسلاميات، وأذكر قصيدة شوقي:
إلى عرفاتِ اللهِ يا خيرَ زائـرٍ
عليكَ سلامُ اللهِ فـــي عرفاتِ
  إذا زرت يا مولاي قــبرَ محمدٍ
وقبّلتَ مثوى الأعظمِ العطراتِ
 وفاضت من الدمعِ العيونُ مهابةً
لأحمدَ بين السترِ والحُــجُراتِ
 فقلْ لرسولِ اللهِ يا خيرَ مرســلٍ
أبثُّك ما تـــدري من الحسراتِ
أو همزيّته الشهيرة التي يقول فيها:
وُلد الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمـــــانِ تبسّمٌ وثناءُ
الروحُ والملأُ الملائكُ  حوله
للــــدين والدنيـا به بشراءُ
والعرشُ يزهو والحظيرةُ تزدهي
والمنتــهى والسدرةُ العصماءُ
لقد استطاع شوقي بعبقريته الشعرية أن يكون واحداً من شعراء الإسلام الكبار دون منازع؛ فقد كان صاحب عاطفة إسلامية، وكثيراً ما اتجهت عاطفته الشعرية الوهّاجة صوب مكة مسقط رأس الرسول -عليه الصلاة والسلام- وكعبة المسلمين وقبلة أنظارهم؛ فحين تغنى بعظمة الإسلام، وبذكر سيرة نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- لم يكن يصدر في ذلك كله عن غاية سياسية  -كما زعم بعض شانئيه- وإنما لإيمانه الصادق بكل تلك المعاني الإسلامية التي تجلت في العديد من قصائده.
فالقارئ المدقق لهمزية شوقي أو نهج البردة يرى أن تلك القصائد قد أملتها عليه قوة الإيمان.
إن الخلاف بين العقاد وشوقي كان خلافاً بين مذهبين في الشعر؛ فالعقاد يؤمن بأن القصيدة هي وحدة الشعر، وأنها خليقة أن تكون بنية حية متماسكة تصلح للتسمية، وتتميز بالموضوع والعنوان. أما عن اللهجة التي خاطب بها شوقي فقد أشار إليها العقاد حين بعث رسالة إلى أحد أصدقائه، وقد نشرها في كتابه "الفصول" وفي بعض سطورها يقول: "إن الناقد قد يجوز له من الصرامة ما يجوز للقاضي"، وسوف نفرد للقارئ في المرات القادمة معركة العقاد وشوقي.