وقفات حول الحج

كتب بواسطة: د. عبدالعزيز الفوزان | في اجتهادات . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 2502

وقفات حول الحج

نسخة للطباعة
لقد جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس، ومهوى لأفئدة المسلمين، ومحطاً لأنظارهم، ومحلاً لشروقهم، وحنينهم، وقبلة في حياتهم وبعد مماتهم. وفي هذه الأيام تتجه الأنظار، وترنو الأبصار، وتنجذب الأفئدة، وتشتاق النفوس المؤمنة إلى هذه البقعة المباركة، التي رفع الله شأنها، وأعلى مكانها، وفرض على المسلمين زيارتها، والوقوف في مشاعرها وعرصاتها، وضاعف أجر العمل فيها، وميزها على سائر بقاع الأرض، وجعلها مقصداً للمسلمين في كل أنحاء العالم. وها هي قوافل الحجيج، وطلائع وفود الرحمن تتقاطر على البيت العتيق من كل فج عميق، وتفد إليه من أصقاع الأرض البعيدة والقريبة، مئات الألوف من المسلمين تؤم هذه البيت الحرام، ترفعهم النجاد، وتحطم الوهاد، وتحملهم السيارات والطائرات، والسفن والباخرات، وتزدحم بهم الموانئ والمطارات. يدفعهم الإيمان، ويحدوهم الشوق والحنين، ويحفزهم الأمل للفوز بالمغفرة والرضوان.. جاءوا تلبية لدعوة الله التي أذّن بها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام منذ آلاف الأعوام، كما قال تعالى: “وأذِّن في الناس بالحج يأتوك وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات". ومنذ انطلقت تلك الدعوة المباركة وحجاج بيت الله الحرام يتوافدون عليه كل عام. فلله در تلك الجموع المباركة وقد جاءت مهرولة إلى طاعة الله، راغبة في ثوابه، خائفة من عقابه، تعاهد الله على الالتزام بدينه، والبعد عن معصيته ومخالفته. لله درها وقد تجردت من ثيابها، ولبست ثياب الإحرام وكأنها تخلع عنها ثياب العصيان والإجرام، وتعلن الاستجابة لله تعالى، وترفع عقيرتها بتوحيده وطاعته وإخلاص العبادة له، وتجأر إليه بالتلبية: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وقد جعل الله تعالى بيته الحرام قياماً للناس، به تقوم أحوالهم الدينية والدنيوية، فلولا وجود بيته في الأرض، وعمارته بالحج والعمرة، والذكر والصلاة، وأنواع التعبدات، لآذن هذا العالم بالخراب، ولهذا كان من أمارات الساعة وأشراطها هدمه بعد عمارته، وهجره بعد صلته وزيارته، لأن الحج والعمرة، والركوع والسجود، مبناها على التوحيد الذي هو أساس الدين، وقاعدة الشريعة، فإذا نسي التوحيد هجر البيت، وتركت الصلاة والحج وسائر التعبدات. ويدلك على أن هذا البيت أقيم على التوحيد ومن أجله: أنه ما إن يدخل الحاج والمعتمر في النسك حتى يرفع صوته بالتوحيد، ويعلن الانقياد لله تعالى والاستجابة له وحده، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو يحكي حجة النبي صلى الله عليه وسلم: “فأهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد" رواه مسلم. ويعني بذلك التلبية، لأن قول الملبي: “لبيك اللهم لبيك" معناه: أفعل هذا تلبية لدعوتك، وانقياداً لأمرك، وإجابة لك بعد إجابة في جميع الأحكام، وعلى مر الليالي والأيام. فهذا التزام بالعبودية والتوحيد، وتكرير لهذا الالتزام بطمأنينة نفس وانشراح صدر، ثم يليه نفي الشريك عن الله تعالى، وإثبات جميع المحامد له. وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بني من أجله هذا البيت، قال الله تعالى: “وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئاً وطهرِّ بيتي للطائفين والقائمين والركِّع السجود". فللتوحيد أقيم هذا البيت، وعليه أسس منذ أول لحظة "ألا تشرك بي شيئاً" فهو بيت الله وحده دون سواه، وهو محل عبادة الموحدين من الطائفين والقائمين والركع السجود. فهؤلاء هم الذين أنشئ لهم هذا البيت، لا لمن يشركون بالله، ويتوجهون بالعبادة إلى من سواه. ولهذا كان من أوجب الواجبات على الحاج والمعتمر: أن يحقق التوحيد لرب العالمين، وأن يخلِّص عبادته من شوائب الشرك والرياء والسمعة. وقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- حين أحرم بالحج أنه قال: “اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة" رواه الضياء بسند صحيح. ومما يؤسف له حقا أن بعضاً من الحجاج –هداهم الله، ورزقهم البصيرة في الدين- يقعون في الشرك الأكبر وهم لا يشعرون، فتجدهم يستغيثون بأصحاب القبور، ويدعون الأموات، ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، سواء أكانوا من الأنبياء أم الصالحين أم غيرهم ممن اتخذت قبورهم مزارات ومشاهد يطاف بها، وينذر لها، ويتبرك بها، وتقدم لها القرابين والذبائح، ويحلف بها تعظيماً لها، ويعتقد فيها القدرة على الضر والنفع، والعطاء والمنع، والدفع والرفع، وتخاف وترجى.. والعجب من هؤلاء أنهم يبررون شركهم، بالله وعبادتهم لأصحاب القبور بقولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. وهذا هو نفس ما كان يدعيه المشركون في الجاهلية الأولى. فالشرك: هو صرف شيء من العبادة لغير الله، ومن أعظم العبادات وأحبها إلى الله: الدعاء والاستغاثة والاستعانة، فلا يجوز أن يدعى غير الله، ولا أن يستغاث ويستعان بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، كما قال عز وجل: “إياك نعبد وإياك نستعين" أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. وأمر عباده بسؤاله مباشرة من دون شفيع ولا واسطة، فقال سبحانه: “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يسجد لغير الله، فإنه لا يجوز له كذلك أن يدعو غيره، أو يستغيث به، أو ينذر أو يذبح له، أو يرجوه، أو يخاف منه، فكل هذا من الشرك الأكبر المخرج من الإسلام، المحبط لصالح الأعمال، الذي لا يغفر لصاحبه، ولا يدخل الجنة بسببه، كما قال تعالى: “إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" وقال أيضاً: “ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين". وبين سبحانه في آيات كثيرة من كتابه أن هؤلاء الأموات مهما بلغوا من الصلاح والاستقامة فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وبين أنه لا أحد أضل ولا أخسر ممن يدعوهم من دونه فقال: "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين". إن الحج عبادة من أجل العبادات، وهو أحد أركان الإسلام، وقواعده العظام، قال الله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين". وقد أجمع المسلمون على وجوب الحج، وأن من تركه جاحداً لوجوبه فإنه كافر مرتد، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: "ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" أي: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه. والحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بالنص والإجماع. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: لو قلتها لوجبت ولما استطعم، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع" رواه أحمد، وأصحاب السنن، وروى مسلم نحوه. والحج لا يجب إلا على المسلم البالغ العاقل المستطيع. فهذه أربعة شروط لوجوب الحج. أما الكافر فلا يجب عليه الحج، بمعنى أنه لا يطالب به حال كفره، وإن كان سيحاسب على تركه يوم القيامة كما يحاسب على أصل الكفر. ولو حجَّ وهو كافر فحجه باطل، لأنه لابد فيه من نية التقرب إلى الله تعالى، وهي لا تصح إلا بالإسلام، وكذلك المجنون لا يجب عليه الحج، ولا يصح منه، لأنه لا تتأتى منه هذه النية، وأما الصغير الذي لم يبلغ فإنه لا يجب عليه الحج، ولكنه إذا حجَّ فحجه صحيح، ويثاب عليه، كما يثاب وليه الذي تسبب في حجه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمرأة التي رفعت إليه صبياً في حجه الوداع فقالت: “ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر". ولكن هذا لا يجزيه عن الفريضة بعد أن يبلغ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى" رواه أحمد، والبيهقي، وصححه الألباني. ولأنه حج قبل أن يكون مخاطباً بالحج، فيكون كمن صلى الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها، فلابد له من أدائها بعد أن يكون مطالباً بأدائها. وأما الاستطاعة، فقد دل عليها قوله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" والمستطيع هو القادر على الحج ببدنه وماله، فإن كان فقيراً لم يجب عليه الحج، ولا يشرع له أن يستدين ليحج، وسؤال الناس لا يعد استطاعة. ومن مات فقيراً ولم يحج فلا إثم عليه ولا حرج، ولا يقال: إنه ترك ركناً من أركان الإسلام، لأن هذا الركن في الواقع لم يجب عليه، لعدم توفر شروطه فيه، كمن مات ولم يزك لكونه لم يملك مالاً تجب فيه الزكاة. أما من كان عاجزاً عن الحج ببدنه وهو قادر بماله، فإن كان عجزه مستمراً لا يرجى زواله، كالكبير الذي لا يستطيع الحج بنفسه، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يجب عليه أن يوكل من يحج عنه، وإن كان عجزه يرجى زواله، كالمرض الطارئ، فإنه ينتظر حتى يزول العجز ويشفى من المرض، ثم يحج بنفسه. فإن مات قبل تمكنه حُجَّ عنه من تركته. ويشترط فيمن يحج عن غيره: أن يكون قد حجَّ عن نفسه، ويجوز حج الرجل عن المرأة، وحج المرأة عن الرجل. وينبغي أن يحرص المستنيب على اختيار من يعرف أحكام الحج، وأن يكون من أهل الصلاح، لأن هذا أقرب إلى القبول. ويجب على الوكيل أن يخلص النية لله تعالى، وأن يقصد بذلك التعبد في تلك المشاعر المقدسة، وأن يظفر بفضيلة الزمان والمكان والحال، كما يقصد نفع أخيه المسلم، وأن يأخذ المال ليحج، لا أن يحج ليأخذ المال. وعليه أن يؤدي المناسك على أكمل وجه قدر استطاعته، لأنه أمين على ذلك. ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم يسافر معها إلى الحج، وهو زوجها، وكل ذكر يحرم عليه الزواج بها تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، فإن لم يتيسر لها محرم، فلا يجب عليها الحج بنفسها، ولا يجوز لها أن تسافر بلا محرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك" متفق عليه. ولم يستفصله النبي –صلى الله عليه وسلم- هل كان معها نساء أم لا؟ وهل كانت شابة جميلة أم لا؟ وهل كانت آمنة أم لا؟ ولهذا فلا فرق في اشتراط المحرم بين المرأة الشابة والعجوز، والسفر الطويل والقصير، وسفر الحج وغيره، لعموم الأدلة. ولا تقوم النسوة الثقاة مقام المحرم، فإن هذا وإن قال به بعض أهل العلم، فإنه ضعيف مخالف للأدلة الصحيحة الصريحة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحق وأوثق، وحكمته ظاهرة، فإن النساء لحم على وضم، إلا ما ذبَّ عنه. والمرأة معرضة في السفر للصعود والنزول والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّم يقوم عليهن، وغير المحرم لا يؤمن ولو كان أتقى الناس، فإن القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما". وإذا توفرت الشروط السابقة، وجب على المكلف أن يبادر إلى الحج، ولا يجوز له التسويف والتأخير، فإن أخَّر لغير عذر كان آثماً. وعلى المستطيع من الآباء والأولياء: أن يحرصوا على تحجيج من تحت أيديهم من الأهل والذرية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم. وصحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “من أطاق الحج فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً" وهو وإن كان موقوفاً على عمر فإن له حكم المرفوع، لأن عمر لا يمكن أن يجزم بمثل هذا من قبل نفسه. وقال أيضاً: “لقد همت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة –أي غني- فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين" رواه سعيد بن منصور في سننه. ثم إنك لا تدري ما يعرض لك من موت، أو مرض، أو شغل، أو عارض يمنعك من أداء ما افترض الله عليك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" حديث حسن رواه أحمد وغيره. ومن فضل الله علينا في هذا الزمان أن يسَّر لنا ما لم يتيسر لمن سبقنا من سهولة الوصول إلى مكة وسرعته، فقد تيسرت الأسباب، وتذللت الصعاب، نفقات يسيرة، ومراكب فارهة مريحة، وأمن وارف، وعيش رغيد، وأيام قلائل قد لا تزيد عن بضعة أيام، فاشكروا الله على هذه النعمة واغتنموها، وانتهزوا فرص الخيرات وابتدروها، فإن الحج من أكبر أسباب تكفير السيئات، ورفعة الدرجات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه البخاري ومسلم. ويقول أيضاً: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" رواه البخاري ومسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: “تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" حديث صحيح رواه الترمذي والنسائي. وينبغي لمن أراد الحج أن يكتب وصيته، ويبين فيها ما له وما عليه من الحقوق، وأن يختار رفقة صالحة تعينه على الخير وتحثه عليه، وأن يحرص غاية الحرص على اغتنام فضيلة المكان والزمان والحال. ويجب عليه أن يتوب إلى الله من جميع الذنوب، وأن يعرف ما يتوقف عليه صحة حجه من أركان وشروط وواجبات ومحظورات، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان موافقاً لشرعه، خالصاً لوجهه، كما قال تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً".