الانتحار في السعودية .. بين «عيب» المجتمع.. وقسوة الحياة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : May 26 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 5717

الانتحار في السعودية .. بين «عيب» المجتمع.. وقسوة الحياة

نسخة للطباعة
يعيش مجتمع المملكة العربية السعودية في هذه الفترة على وقع أخبار الانتحار التي وفرت لها المواقع الإخبارية الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للانتشار لتؤكد بذلك الإحصائيات الآخذة بالتزايد عاما بعد عام.
وارتبطت بعض حالات الانتحار في الفترة الأخيرة بالبطالة وقضاياها، إذ أن قصة انتحار شاب عرعر الذي كان خريجا من إحدى الكليات الصحية، أخذت بعدا واسعا من الانتشار سيما وأنه في الأيام التي سبقت انتحاره حاول مقابلة أحد مسؤولي وزارة الصحة لكنه لم ينجح في ذلك ليقرر بعدها الانتحار.
ظاهرة أخرى يمكن استشفافها، تتلخص في ارتباط بعض حالات الانتحار بالاحتجاج في محاولة للفت الانتباه وإبداء الجدية في التحرك من بعض الجهات الرسمية.

إحصائيات وأرقام
وكان مسؤول في مركز الطب الشرعي قد كشف في تقرير تناقلته العديد من الصحف في عام "2008م" عن تزايد أعداد المنتحرين في السعودية، حيث بلغت نحو 266 حالة كان بينهم 100 حالة لسعوديين من الذكور والإناث بنسبة بلغت 37.6 في المائة من إجمالي حالات الانتحار.
وأكد المصدر المسؤول في مركز الطب الشرعي، زيادة نسبة حالات الانتحار في السعودية بشكل عام وبين الجنسين عاما بعد عام.
مؤكدا أن آخر إحصائية لعام 2006، صدرت أخيرا من مركز الطب الشرعي  تشير إلى أنه بلغت 266 حالة ناجمة عن الانتحار أو يشتبه بكونها ناجمة عنه، حيث بلغ عدد المنتحرين من الذكور 212 ذكرا، أي بنسبة 79.7 في المائة وتشكل الإناث ما نسبته 20.3 في المائة
وتأتي الإحصائية بشيء من التفصيل لتضيف "بأنه بلغ عدد حالات الوفيات الناجمة عن الانتحار بين السعوديين 100 حالة، بما يعادل37.6 في المائة، كان منها 82 ذكرا و18 أنثى، بينما بلغ عدد حالات الوفيات الناجمة من الانتحار لغير السعوديين 160 حالة، وهو ما يعادل 60.2 في المائة، كان منها 124 ذكرا و36 أنثى، في حين بلغ عدد المنتحرين مجهولي الهوية 6 حالات من الذكور.
في المقابل، كشف التقرير الصادر عن مركز الطب الشرعي أنه بلغ عدد الوفيات الناجمة عن القتل أو المشتبه بكونها ناتجة عنه 295 حالة وفاة، منها 259 من الذكور و36 من الإناث، بحيث بلغ عدد السعوديين 134 ذكرا أي ما يعادل 52.5 في المائة، و21 سعودية توفيت نتيجة القتل، أي ما يعادل 13.5 في المائة.
وأوضح التقرير الإحصائي "انه بلغ عدد حالات الوفاة الناتجة عن حادث عرضي 303 حالات، بينما بلغ عدد حالات الوفاة غير المعروف سببها 93 حالة.
أما في عام 2010م فقد أفادت إحصائية رسمية صادرة من وزارة الداخلية بأن عام 2009م شهد 787 حالة انتحار في السعودية بمعدل حالتين يوميًّا، وأن عدد الحالات زاد عن العام 2008م بتسع وثلاثين حالة، كما أن المقارنة بالسنوات العشر الماضية تؤكد زيادة عدد الحالات بالأضعاف، فبين عام 1994م وعام 2006م زادت الحالات بنسبة 185 بالمئة.
وأوضحت دراسة لثلاثة أكاديميين سعوديين أن 84% من محاولي الانتحار هم شباب لم يتجاوزا سن الخامسة والثلاثين، وأن 58% من المنتحرين هم من الذكور، مقابل 42% من الإناث. يضاف إلى هذه الأرقام حقيقة مفادها أن محاولات الانتحار الفاشلة لم ترصد بالأرقام، كما أن حالات الانتحار المسجلة أقل من تلك التي تحدث على أرض الواقع، ويعود ذلك إلى حساسية اجتماعية تجعل الأهل يرفضون إرسال جثة المنتحر إلى الطب الشرعي، كما أن الجهات المعنية تفضل إحالة الوفاة إلى “سبب غير محدد” دون عرضها على الطب الشرعي، مما يجعل الإحصائيات المذكورة غير دقيقة بما فيه الكفاية.
هذه الدراسات والإحصائيات المتناثرة توحي بتحول الانتحار في السعودية إلى ظاهرة، وهنا يتداخل الاستشاري والأستاذ المشارك بالمعهد الوطني للعلوم العصبية بمدينة الملك فهد الطبية د. سعيد وهاس قائلا: حسب علمي أنه لا توجد دراسات تثبت لنا العدد الفعلي للمنتحرين للأسف، وبالتالي ونظرا لغياب مثل هذه الدراسات فإنه لا يمكن لأحد أن يثبت أنها تحولت إلى ظاهرة، لكن في العموم لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات سواء كان مجتمعا بسيطا أم غير ذلك، إسلاميا أم غير إسلامي، لا يخلو أي مجتمع من حالات الانتحار، الانتحار الآن أصبح ظاهرة عالمية، لكني لا أجزم أنه تحول إلى ظاهرة في المملكة ما لم يكن هناك إحصائيات تثبت مثل هذا الأمر؛ لكن الملاحظ والمشاهد أن نسبة الانتحار في المملكة العربية السعودية زادت في الفترة الأخيرة بشكل لافت.
ويضيف: الانتحار كظاهرة إذا استبعدنا منه الحالات العقلية الشديدة التي تسمى بالاكتئاب الوجداني أو الذهاني الذي يعتبر مرضا عقليا، فإن أسبابه تعود إلى ضعف الوازع الديني وتعقد الحياة بشكل كبير جدا، إضافة إلى التمحور الذاتي الذي يصبح الإنسان فيه أشد التصاقا بذاته وبالتالي يفكر بطرق عكسية، يفكر في حلول غير عقلانية مع التطور الاستهلاكي الكبير، هذا التطور الاستهلاكي أنتج تمحورا كبيرا حول الذات، ولا ننس الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالتوظيف والعمل وجودة الحياة بشكل عام، ويبدو أن مجتمعنا بدا يطرأ عليه تحول بشكل كبير، من مجتمع كان يتميز بالترابط الأسري والاجتماعي، إلى مجتمع بدأ يفقد هذه الميزة بتقوقع الأفراد على أنفسهم، أيضا وسائل الاتصال سهلت من ترويج مفهوم الانتحار واعتباره حلا من الحلول المريحة، سهولة التواصل بين مختلف الثقافات سهلت من ترويجه أيضا، بالنسبة لمجتمعنا كان الانتحار وصمة عار عكس ما يحدث الآن، الآن أصبح من السهولة بمكان الحديث عن الانتحار على أنه حل من الحلول. ويحاول د. وهاس التأصيل لفكرة الانتحار بقوله: الانتحار في أساسه ينشأ من فكرة خاطئة تتمثل في البحث عن الراحة، لذا نجد هدف كل المنتحرين هو البحث عن الراحة وهذا معتقد خاطئ جدا. في الأصل أين هي الراحة؟ لأن الدنيا بما فيها من مآس وأحداث وبما فيها من خير ونعيم لا تساوي غمسة واحدة من نعيم الجنة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. مثل هذا التوجه الذي يبحث عن الراحة يواجه بمصير ومآل المنتحر في الآخرة.

قبول الانتحار كنوع من أنواع الاحتجاج؟
يجيب د. وهاس: هذه النوعية من حوادث الانتحار التي حصلت في بعض الثورات العربية، حصلت ضمن سياقات معينة. إذا كان الانتحار ترجمة لفكرة خاطئة فهو مصيبة، وإذا كان المنتحر يريد أن يجعل من انتحاره احتجاجا فالمصيبة أعظم؛ لأن كثيرا من هؤلاء المنتحرين لم يعرف عنهم أحد، ليس شرطا أن يعرف العالم عن كل منتحر وظروف انتحاره لأن شخصا انتحر في تونس وعرف كل العالم عنه، وبالتالي لا يمكننا قبول الانتحار كنوع من أنواع الاحتجاج بل إنه يحمل نفس الفكرة الخاطئة التي يحملها المنتحر الباحث عن الراحة.
غياب الإحصائيات الدقيقة. هل هو نوع من أنواع التعتيم على أخبار الانتحار؟ يعتقد د. وهاس أنه ليس هناك تعتيما تواجه به أخبار الانتحار بقدر ما هو غياب للدراسات المنهجية والباحثين الجادين. وبرر د. وهاس هذا الغياب بما يمكن أن يسمى بـ"وصمة العار".
ويضيف: من الممكن أن تكون وصمة العار مقبولة؛ لكنها لا يمكن قبولها على مستوى النظام الصحي، إذا كان غياب الدراسات المنهجية من أجل أن ننفي أنه توجد لدينا حالات انتحار فهذه كارثة، أما على المستوى الفردي أو الأسري فمن المعلوم أن وعي الأفراد وبعض الأسر لا يخدم مثل هذه القضية؛ لكني أعتقد أننا بحاجة إلى دراسات جادة وحقيقية لهذه الظاهرة تقوم بها عدد من الجهات الرسمية أمثال وزارة الصحة ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ويرصد لها ميزانيات مخصصة؛ لأن أي ظاهرة سلوكية تبحث بطريقة منهجية وعلمية لا بد بإذن الله في نهاية المطاف من إيجاد الوسائل والسبل لعلاج هذه الظاهرة ثم للوقاية.
ويختتم د. وهاس حديثه قائلا: لا زال في مجتمعنا بعض المعتقدات الخاطئة فيما يتعلق بوبائية الأمراض والإحصائيات. الكثير من الذين يمانعون من إظهار الأرقام الحقيقية لا أظن أن لفعلهم هذا من جدوى.
من جهة أخرى عندما عرضت قضية الانتحار على الناقد والكاتب الصحفي محمد السحيمي أجاب: يجب علينا النظر إلى هذه القضية على مستويين: فردي واجتماعي، فالفردي يمثل حالات شخصية، فكل منتحر كان صغيرا أم كبيرا، امرأة أم طفلا، وافدا أم سعوديا هو في النهاية له ظروفه الخاصة. ومهما احتوت عليه فعلته من سوء فقد انتقل إلى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. ما يهمنا هو المستوى الجمعي أو الاجتماعي.
ويصر السحيمي على تحول الانتحار إلى ظاهرة بقوله: ماذا يعني أن تنتشر ظاهرة الانتحار؟ وخاصة في هذا الوقت بالذات؟ ليجيب مستذكرا محاضرة   ألقاها الطبيب النفسي الدكتور عبدالرزاق الحمد في نادي الرياض الأدبي بعنوان"ظاهرة الانتحار في المملكة" قبل ثلاث سنوات ذكر فيها عددا من الأرقام التي أبهرت الحضور. ويبرر السحيمي ذلك: لأنه يتكلم عن مجتمعنا السعودي الذي أستغرب أن تكون هذه الظاهرة متجذرة فيه بهذا العمق. أين كانت هذه الظاهرة إذن؟ إذا كنا نقول أنها بعيدة وعميقة وتتكرر منذ أربعين عاما. في الواقع هناك سببان لاختفاء هذه الظاهرة وظهورها الآن: الأول هو ما يمارسه الرقيب من وصاية على المجتمع يمنع فيها أخبار الانتحار من أن تنتشر تحت ستار منافقة الجمهور وتوفير ما يحب أن يقرأه الجمهور ويسمعه، يحب جمهورنا أن يسمع أننا أفضل مجتمع يخلو من مثل هذه الظواهر المقلقة، وهذا أدى إلى أننا بدلا من أن نقوم بحل المشكلة من جذورها بإيصال أصواتنا إلى أصحاب القرار والمعنيين بهذه الظاهرة من باحثين وأطباء وخلافه قمنا بمنع أي مناقشة لمثل هذه الظاهرة.
السبب الثاني: هو وعي الجمهور لدينا بأهمية الطب النفسي، وأن المرض النفسي ليس عيبا، أي نعم أننا مجتمع فاضل لكن ذلك لا يعني أننا ملائكة. الآن المجتمع بدأ يتقبل مثل هذه البدهيات. واسمح لي أختم بهذا البيت لأبي الطيب المتنبي الذي يقول فيه:
إذا ما تأملت الزمان وصرفه                  تيقنت أن الموت ضرب من القتل
الموت ينتهي إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، المشكلة في هذه الحياة التي تستمر يوميا ويحدث لنا يوميا، المواطن السعودي للأسف في هذا الوقت يتعرض لعدة أشكال من القتل يوميا، البنوك وشركات التأمين تقتله، الأمانات التي وجدت لخدمة المواطن تقتله، مختلف الجهات الرسمية تشارك في حفلة القتل هذه إضافة إلى عوامل أخرى شكلت هذه الظاهرة