الانتحار عند العرب فقر وإحباط وانتشار

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : May 26 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 5363

 الانتحار عند العرب  فقر وإحباط وانتشار

نسخة للطباعة
على الرغم من الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية في العالم العربي تجاه حفظ النفس، وفق ما توصف به من أنها من الضرورات الخمس، إلا أن معدلات الانتحار في الدول العربية أصبحت آخذة في البروز، ومن ثم في الانتشار.
وعلى الرغم من أن واقعة إشعال الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده قبل عامين - والتي تسببت في اندلاع ثورة الياسمين - كانت أشهر وقائع الانتحار في العالم العربي، إلا أن هناك حالات انتحار كانت سابقة على هذه الواقعة الشهيرة، وكانت بالأساس نتيجة لحالات الإحباط التي عاشها - ولا يزال - المواطن العربي جراء الأزمات الطاحنة التي يواجهها الشعب العربي، وخاصة في الدول الإفريقية.
الظاهرة لم تتوقف فقط عند البوعزيزي، ولكن تجاوزت إلى ما بعد اندلاع الثورات، إذ ظهرت محاولات للانتحار بالفعل، وأخرى تم إجهاضها، وهي المحاولات التي جرت في بلاد كمصر والجزائر وتونس نفسها، وذلك بعد انطلاق الثورات.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة المنتحرين تزايدت في العالم العربي في العقد الأخير؛ إذ وصلت إلى 4 في كل 100 ألف، بعد أن كانت حالتين في كل 100 ألف. وتذكر الدراسات أن المراهقين هم الأكثر إقدامًا على الانتحار، والذي من أهم أسبابه التفكك الأسري والفشل في الدارسة والاكتئاب والانفصام العقلي.
والواقع، أنه قد تزايدت نسب الانتحار بالوطن العربي خلال السنوات الأخيرة بشكل يدعو إلى القلق. غير أن اللافت أن الظاهرة كانت أكثر انتشارًا في الدول الغربية، إلى أن كانت المفاجأة ببروزها في العالم العربي، وما صارت إليه من تزايد وانتشار، خاصة في ظل القيم الدينية والأخلاقية التي تشكل سياجًا منيعًا ضد أي تفكير في هذا الشكل من أشكال الإقصاء عن الحياة.
وتذكر دراسات منظمة الصحة العالمية أن نسب الانتحار بالوطن العربي تسجل نسبة أقل مقارنة مع الدول ودول أخرى في أوروبا، والتي تشكل فيها الظاهرة انتشارًا كبيرًا. وتشير إلى أن الأردن مثلا فيها 40 حالة انتحار و400 محاولة سنويًا، وفي المغرب 3 ملايين مغربي يدفعون بأنفسهم إلى الانتحار لأسباب عدة، منها الإصابة بالاكتئاب وانفصام الشخصية، بالإضافة إلى البطالة.
وفي اليمن بلغت حالات ومحاولات الانتحار قرابة 825 حالة، بينها 655 حالة انتحار. وفي الكويت ارتفعت حالات ومحاولات الانتحار من 27 حالة عام 1991 إلى المئات بعد عام 2002، وفي الجزائر وصل العدد الإجمالي إلى 33 حالة انتحار سنة 2008 و48 محاولة، وفق إحصاءات للشرطة الجزائرية، ومعظمهم من الذكور الذين يعانون من البطالة أو المصابين بأمراض عقلية.
وفي تونس، حسب دراسة أجريت من طرف ثلاثة أطباء نفسانيين تونسيين، فإن نسب الانتحار ارتفعت بشكل مهول، إذ تقدر عدد محاولات الانتحار سنويًا بواحد في الألف، أي حوالي عشرة آلاف تونسي يحاولون الانتحار كل عام.
وفي مدينة الكوت تم رصد 42 حالة انتحار وجريمة شرف، وفق ما أعلنته مصادر برلمانية وحكومية مختصة في مدينة الكوت العراقية بأن هناك تزايدًا في حالات الانتحار بين الشباب من كلا الجنسين، سجلتها الدوائر المختصة في المدينة مؤخرًا. فيما يُرجع الخبراء ذلك إلى أسباب اقتصادية واجتماعية يعاني منها الشباب، ووصولهم إلى ظاهرة الانتحار، نتيجة حالة من اليأس بسبب الفاقة وقلة فرص العمل، إضافة إلى الانفتاح الثقافي الذي شهدته البلاد.
وفي القاهرة تشير الدراسات إلى أن العاصمة المصرية شهدت 10 آلاف حالة انتحار العام الماضي، إذ كشفت إحصائية أعدها أطباء من مركز السموم بالقاهرة عن تزايد نسبة المنتحرين في مصر من عام إلى آخر، مشيرة إلى أن محافظة القاهرة شهدت 14 ألف حالة انتحار، وأن معظم الحالات لشباب وفتيات في المرحلة العمرية ما بين 15 و25 عامًا.
ووفق الإحصائيات، فقد بلغ عدد المنتحرين الذين وصلوا إلى مركز سموم بجامعة عين شمس 10 آلاف و816 منتحرًا، يمثلون نسبة 40% من الحالات المرضية التي يستقبلها المستشفى بشكل عام.
وشكلت النساء النسبة الأكبر، حيث كانت هناك 7118 سيدة منتحرة مقابل 3689 حالة من الرجال، وكانت غالبية الحالات للفئات العمرية ما بين الـ 15 و25 عامًا، حيث بلغ عدد الرجال المنتحرين في هذه المرحلة العمرية 2217 حالة مقابل 4939 سيدة منتحرة، بما نسبته 66.6% من إجمالي عدد المنتحرين. فيما سجلت ثاني أعلى نسبة من المنتحرين في المرحلة العمرية من 25 إلى 40 عامًا، حيث بلغ عدد المنتحرين من الرجال في هذه المرحلة 1503، بينما بلغ عدد النساء المنتحرات 1692، أي ما نسبته 27% من إجمالي المنتحرين.
وجاءت المرتبة الثالثة للمنتحرين ممثلة في الفئة العمرية من 7 إلى 17 عامًا، حيث شكل عدد البنات المنتحرات في هذه المرحلة ثلاثة أضعاف الفتيان، رغم أن هذه المرحلة يعتبرها جميع العلماء مرحلة الطفولة، وتمثل النسبة العامة للأطفال المنتحرين 23.7% من إجمالي المنتحرين في مصر، فيما كانت النسبة الأقل بين المنتحرين في مصر لمن في سن الـ 40 فما فوق. وأظهرت الإحصائيات، أن أكثر الأدوات المستخدمة في حالات الانتحار في مصر هي المبيدات الحشرية، خاصة مبيدات الفوسفات العضوية، وبلغ عدد الحالات التي وصلت منتحرة بهذه المبيدات لمركز السموم العام الماضي 1698 حالة، تليها مبيدات الفئران، وبالتحديد "فوسفيد الزنك"، حيث بلغ عدد حالات الانتحار بهذه المادة 1213 حالة.
وجاءت بعد ذلك أدوية الربو بعدد 511 حالة، تليها أدوية الصرع بعدد 265 حالة، ثم الانتحار بالأسبرين 376 حالة، ومن ضمن أدوات الانتحار أيضًا الكيروسين والبوتاس. وبلغ عدد حالات المنتحرين بأدوية الأعصاب 350 حالة، والانتحار بالمنومات والمخدرات 193 حالة، يليها الانتحار بأدوية هبوط القلب في المرحلة قبل الأخيرة، وجاء في المؤخرة الانتحار بأدوية الضغط والذبحة الصدرية.
وتبقى هذه الأرقام نسبية في الدول العربية، لكون ظاهرة الانتحار في ظل وجود حديث عن التوعية بمخاطر الظاهرة واحتوائها بمواجهة البطالة، والتوعية بالقيم الدينية الإسلامية، والسعي إلى معالجة ظواهر مجتمعية عدة، مثل البطالة ومواجهة هشاشة البنية الاجتماعية والتفكك الأسري.
اللافت أن العالم الغربي وإن كانت لديه العديد من الاتجاهات الرصد مثل هذه الظاهرة، فإن أغلب الدول العربية ليست لديها مثل هذه المراصد لتتبع الظاهرة وتغطيتها على جميع الدول العربية، وبالتالي تبقى الأرقام السابقة بين قوسين، وتفتقر إلى الدقة، على حد تعبير علماء الاجتماع والنفس.
وخلاف تطابق الجوانب النفسية في الدول العربية والأخرى الأجنبية لنشوء هذه الظاهرة، فإن العوامل الاقتصادية تتفاوت في الجانبين، إذ أن تدهورها في الدول العربية تكاد تكون سببًا رئيسيًا في نشوء الظاهرة، مقابل نموها في العالم الغربي، وغير أنه وعلى الرغم من ذلك فإن الظاهرة تنتشر على نطاق واسع في العالم الغربي، نتيجة لحالات التشبع المادي، وفقدان الجانب الروحي.
غير أن لهذه الأسباب جوانب نسبية أيضًا، إذ أنها تتوقف على استعداد الشخص وبنيته النفسية لمواجهة الأزمة التي تبدو في اضطراب بالمزاج وحزن عميق ينطلق من رؤية مظلمة للعالم وإحباط، مما يجعل الشخص يتبنى مواقف سلبية من الحياة.
ويذهب الخبراء إلى أن من ملامح الشخص المقبل على الانتحار أن يكون ميالًا إلى الانعزال والابتعاد عن الآخرين، وباردًا في معاملاته، مع كف نفسي وحركي قد لا يستطيع معه استئناف أنشطته الأسرية والمهنية، مع الإحساس بألم معنوي حاد يفوق كل الآلام العضوية، فيشرع الفرد في تمثل الانتحار كفكرة يحاول إبعادها دون جدوى، وتدريجيًا يظهر قبول الموت على شكل رغبة مفعولة، تبتدئ من الامتناع عن الأكل، ويتجه خلالها إلى الانعزال، وهو ما يؤدي إلى الانتحار، والذي يكثر في أوساط المهاجرين، والمغتربين، وأفراد الأسر المفككة، والأرامل، والمطلقات، وأطباء الباطنة، والطب النفسي، وأطباء التخدير.
وإجمالًا يشار إلى أنه ولأهمية الظاهرة وخطورتها، فقد جرى تخصيص يوم للاحتفال باليوم العالمي لمنع الانتحار الذي يوافق العاشر من شهر سبتمبر من كل عام