الموارد والثقافة المتشكلة حولها

كتب بواسطة: ابراهيم غرايبة | في الجهات الاربع . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 1718

الموارد والثقافة المتشكلة حولها

نسخة للطباعة
هذه المقدمة لأجل الوصول إلى فكرة ثم سؤال. والفكرة هي ببساطة أن المهن والثقافة والأعمال تتشكل حول الموارد، وما نراه أو نعتبره تراثاً يبدو من قبيل الزينة والذكريات هو في الحقيقة يشكل منظومة حياة الناس وعلاقاتهم وتدبير أمورهم حول مواردهم وأعمالهم، وأما السؤال فهو: ما هي المنظومة الثقافية والاجتماعية والأعمال والمهن والتقاليد التي يفترض تشكلها حول النفط كما تشكلت منظومة الأعمال والثقافة والعلاقات حول الصيد والغوص والتجارة والرعي على ضفاف الخليج وفي أعماقه وفي الواحات والصحراء المحيطة؟
السؤال يبدو على الرغم من بداهته وكأنه ليس بريئاً، أو إذا افترضنا حسن النية، كأنه نوع من الاستدراك والصحوة، كأن تقول: «صحيح! أو بالمناسبة! أين وما هي الثقافة النفطية؟» هل نملك ثقافة ومجتمعات ومهناً وأعمالاً وصناعات وأسواقاً وعلاقات اجتماعية وصحيحة قائمة على وحول النفط؟ وفي الوقت نفسه هل تمثل هذه المنظومة الثقافية والاجتماعية استجابة صحيحة وملائمة للتحوّل نحو الموارد والاقتصاديات النفطية؟ ويبقى سؤال هو: ما الموقع الصحيح للتراث في المنظومة الاجتماعية والثقافية؟
بالطبع لا بد من وجود ثقافة طالما وُجد المجتمع، فالثقافة مرتبطة بالمجتمعات، بمعنى أن وجود مجتمع يعني بالضرورة وجود ثقافة مصاحبة، وعدم وجود أحدهما (الثقافة/ المجتمع) يعني حتماً عدم وجود الآخر، وبما أن المجتمعات موجودة فالثقافة حتماً موجودة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو: هل الثقافة القائمة تمثل استجابة صحيحة للتحوّلات الاقتصادية؟ وهذا يقود إلى سؤال بديهي: كيف ومتى تكون الاستجابة الثقافية والمجتمعية للتحوّلات الاقتصادية ملائمة وصحيحة؟
المنظومة الاجتماعية والثقافة الفعّالة هي التي تؤدي إلى التقدم وزيادة الموارد الاقتصادية، فإذا كان ثمة علاقة إيجابية وواقعية بين تحسين حياة الناس وتحقيق احتياجاتهم الأساسية وشعورهم بالرضا والسعادة والكفاية والأمن والاستقرار ونمو مواردهم، وبين الثقافة القائمة فإنها ثقافة فعّالة وناجحة وتشكّل تفاعلاً صحيحاً مع الموارد والأنظمة الاقتصادية، وببساطة فإن هذه العلاقة هي ما يمكن تسميته «التقدّم».
الواقع أن السؤال لم يعد يخص المجتمعات الخليجية دون سواها، ولكنه سؤال ملحّ على المجتمعات العربية كلها؛ لأنها مثل المجتمعات الخليجية والنفطية تواجه متوالية من التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، وهذه التحوّلات على قدر من الجذرية ما يعيد النظر في الثقافات والأنظمة الاجتماعية القائمة، والتي لم تعد تنتمي إلى العصر.
لقد جرت العادة على اعتبار مثل هذه المقولة «ثقافة العصر» بصفتها نكوصاً وردة ثقافية واجتماعية، وجرت العادة أيضاً على اعتبار التراث مكسباً مقدساً لا يجوز المساس به، على الرغم من أن هؤلاء جميعهم الذين يدعون إلى مكانة التراث لم يعد أحد منهم يعمل في الغوص أو صناعة الشباك، أو حذو الخيل أو ما سوى ذلك من حرف وأعمال إلاّ بمقدار الحاجة لذلك، ففي كل مرحلة تصعد أعمال ومهن وحرف وتختفي أخرى، ولا يمكن التمسك بتلك التي لم تعد تشكل مورداً؛ لأنها تمثل شيئاً مقدساً، ربما تبقى زينة غير ضارة، أو مسلية، ولكن ما لم يعد منها له مكان سوى المتاحف أو المسلسلات التاريخية فإن عرضه أو محاولة بعثه لا يدعو إلى الاحترام، بل إنني بصراحة شعرت بحزن كبير على أولئك الذين يحشدون في المعارض والمناسبات وأمكنة خاصة ليقدموا أعمالاّ كانت مورداً للرزق ووسيلة للحياة، ولكنها اليوم مصدر للتسلية والفرجة. إننا نحوّل هؤلاء الناس إلى شيء مسلّ أو فرجة مثل لوحة فنية، ولكنهم ليسوا كذلك، ويجب أن يكونوا عضواً فاعلاً ومنتجاً في مجتمعاتهم يشعرون نحو ذواتهم بالرضا والتقدير والأهمية، ويشعر المجتمع المحيط بذلك نحوهم، والأزمة لا تتصل بالمهانة وبموقع هؤلاء الناس الذين يحشدون وينقلون للفرجة والعرض كأنهم تحفة نادرة، ولكنها تمثل رؤية أكثر أهمية وعمقاً؛ فالثقافة تعبر عن رؤيتنا لأنفسنا وما نرغب أن يرانا الناس ويعرفونا به، وهي أولاً وقبل كل شيء التفاعل الصحيح مع الموارد على نحو يحقق التقدم.
ويبقى السؤال قائماً: ما هي المهن والأعمال والفنون والتقاليد المتصلة بالنفط اليوم؟ الدول النفطية العربية تستخرج النفط، وتبيعه للعالم منذ أوائل القرن العشرين، فهل تملك خبرات في صناعة النفط وتقنياته تقدمها للعالم وتزيد مواردها؟ فالنفط مثل أي مورد يجب أن يشكل نسبة ضئيلة من الاقتصاد والموارد المتشكلة حوله، ولكن المنظومة الاقتصادية تشكل أضعاف الموارد المباشرة الناتجة من البيع والتصدير، من المهارات والتقنيات والأعمال والمهن والخبرات، الذهب والماس على سبيل المثال ينشئ منظومة من أعمال التصميم والصياغة والمختبرات والفنون والتجارة والأمن والتقنيات والصناعات، والزراعة النباتية والحيوانية تنشئ صناعات غذائية ومشروعات تجارية وسياحية ومجموعات من التقنيات والأعمال والمهارات والخبرات، وصناعات هائلة في المدخلات الزراعية (البذور والأسمدة والأدوية والبحوث والتطوير) قائمة عليها تفوق في مواردها بأضعاف كثيرة ما يتحقق من البيع المباشر للمنتوجات الزراعية والحيوانية.
فإلى أي مدى ساهم النفط في تشكيل جامعات وكليات ومراكز أبحاث تقدم الخبرات والكفاءات لدول النفط وللعالم؟ وماذا أنجزت من تقينات وبحوث لتفعيل الطاقة وتنظيمها وإدارتها ولامتلاك مصادر الطاقة الأخرى والبديلة؟ وماذا تقدم من خبرات وأعمال لملاءمة المنتجات النفطية مع المتطلبات البيئية؟
وبما أن النفط يشكل اليوم النسبة الكبرى والغالبة في اقتصاديات الدول النفطية، ومن ثم المورد الأساسي لمعظم السكان (يفترض) فكيف ينظم الناس حياتهم وعلاقاتهم حول هذه الموارد؟ فكما كان الخليجيون خبراء في الملاحة والغوص واللؤلؤ وصناعة السفن، وكلها أعمال وصناعات تنشأ في متوالية حول الموارد، ولم تقتصر حياة الناس على بيع اللؤلؤ والتجارة المباشرة، وقد نشأت حول هذه العلاقة بين أغلب السكان وبين البحر تشكيلات اجتماعية وطبقية مهنية ثم سياسية لحماية الناس والموارد وتنظيمها وإدارة علاقاتها، وتشكلت قصص وأساطير وفنون وأغانٍ وموسيقا وأطعمة وألبسة وبيوت وعمارة ومدراس وصنائع وتدريب وتعليم، فإننا بحاجة إلى التفكير الدائم في العلاقة الاجتماعية والثقافية مع النفط.
السؤال هنا ليس مجرد قضية تحتاج إلى توضيح وإجابة، ولكنه يفترض أن يشكل المحور الرئيس للتخطيط والتنمية والتعليم والثقافة والعلاقات الاجتماعية والسياسية، ويبقى سؤال: كيف يكون التراث مصدراً لزيادة الموارد وتحسين الحياة؟
 وتلك هي القضية وليس أي شيء آخر.