عبقرية النظام المالي في الإسلام

كتب بواسطة: د. محمد عمارة | في الجهات الاربع . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 1838

عبقرية النظام المالي في الإسلام

نسخة للطباعة
لقد اقترن تحريم الربا ـ في الإسلام  ـ بتحريم التجارة في النقود.. فالربا هو تجارة في النقود وسمسرة ومضاربة في النقود، تثمر ربحًا طفيليًا، لا علاقة له بالعمل أو الإنتاج.. بينما فلسفة الإسلام في النقود قائمة على أنها "بدل" عن السلع والخدمات، وليست "سلعة" يتم الاتّجار فيها. 
ولقد أجمع على هذه الحقيقة ـ في فلسفة الإسلام إزاء النقود ـ كل فقهاء الإسلام  ـ من جميع المذاهب.. ومن جميع الأقطار وعبر عصور تاريخ الفقه الإسلامي..
فحجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450—505هـ/ 1058 ـ 1111م) وهو شافعي المذهب الفقهي يقول في كتابه الفذ (إحياء علوم الدين) قبل نحو ألف عام:
"لقد خلق الله الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسّطين بين سائر الأموال، حتى تُقَدَّر الأموال بهما، وإنما أمكن التعديل بالنقدين؛ إذ لا غرض في أعيانهما.. فإذا خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، وهي التوسّل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسيهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة.. فالنقد لا غرض فيه، وهو وسيلة إلى كل غرض.. 
فكل من عمل فيهما عملاً لا يليق بالحكم، بل يخالف الغرض المقصود بالحكم، فقد كفر نعمة الله فيهما، فإذاً من كنزهما فقد ظلمهما، وأبطل الحكمة فيهما.. لأنه إذا كنز فقد ضيّع الحِكَم، ولا يحصل الغرض المقصود به. 
وما خُلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة؛ إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنهما حَجَران ـ (الذهب والفضة) ـ وإنما خُلقا لتتداولهما الأيدي، فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة مُعرِّفة للمقادير، مُقوِّمة للمراتب.. قال تعالى: (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). [سورة التوبة: 34]. 
وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظَلَم؛ لأنهما خُلقا لغيرهما لا لنفسهما؛ إذ لا غرض فى عينهما، فإذا اتّجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف الحِكْمة؛ إذ طلبُ النقد لغير ما وُضع له ظلم.. 
       فلو جاز لمن عنده نقد أن يبيعه بالنقد، فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله، بقي النقد مقيدًا عنده، فينزل منزلة الكنوز.. ولا معنى لبيع النقد بالنقد إلاّ اتخاذ النقد مقصوداً للادّخار، وهو ظلم.. فكل ما خُلق لحكمة فلا ينبغي أن يُصرف عنها".
هكذا تحدث حجة الإسلام  أبو حامد الغزالي ـ قبل نحو ألف عام ـ عن فلسفة الإسلام في النقود.. وكيف أنها "بدل" للسلع والمنافع وليست "سلعًا" يتم الاتّجار بها وفيها.. وتحدث عن أن إخراج النقود عن الحكمة منها إنما هو ظلم، يؤدي إلى كنزها، أي تركز الثروات والأموال في جانب المتجرين فيها.. ومن ثم تركز الفقر والعوز والفاقة عند ضحايا هذا النظام الظالم الذي يقوم على النشاط الطفيلي ـ الربوي ـ أي جعل النقود سلعة تجلب نقودًا، دونما عمل منتج أو إضافة حقيقية لاقتصاديات الأفراد والمجتمعات. 
إن إعادة القراءة لهذا الفكر الإسلامي.. وإن تعميق الوعي بمقاصده ومراميه.. وإن اطّلاع العالم على فلسفة الإسلام لهذا الفكر الإسلامي في الأموال والنقود، إنما يفتح العقول والقلوب على عظمة الإسلام وعلى عبقريته التي تقدم الحلول لأزمات العالم الذي نعيش فيه الآن..