المعذّبات في الأرض

كتب بواسطة: ليلى الحربي | في أدب . بتاريخ : Jun 11 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 2939

المعذّبات في الأرض

نسخة للطباعة
أتساءل حين أسمع زميلتي الأربعينيّة تردّد: يا جماعة، نِفسي أعيش في
 جزيرة نائية..
أتساءل: هل هي جادّة؟!
كثيرًا ماتكون جملتها هذه بدايةَ نقاشٍ طويلٍ يصيبني بالصّداع؛ لأن دماغي قد أُجْهِدَ ركضًا وراء الآراء المتضاربة، والتي لم يطلب أحد منها أن تتضارب ولا أن تظهر من الأساس.
في النّهاية -والتي تكون دائمًا بفعل الجرس، أو خطوات المديرة-
أسمع عبارات مسرحية، مثل:
الجنّة بدون ناس ما تنداس..
الوحدة قاتلة..
(ارضي بقردك لايجيكي أقرد منه.. الخ)
هناك صوت واحدٌ يلتزم الصّمت، وفي الغد يكون قد عاد يردّد نفس
الجملة: نفسي أعيش في جزيرة نائية!!
قرّرت أن أحدّث صاحبة هذا الصوت ولكن ذات فراغ، بحيث لا تصفعنا
 الآراء المنطلقة بلا (فرامل) والتي لاتعترف بإشارات المرور، ولا بالطّريق التي تمرّ عليه أصلاً.
ناولتها كوب الشّاي وجلست قربها.
أتعرفين أنا أيضًا أشعر أحيانًا بأنّني أريد العيش في جزيرة نائية، مع أنّني أعيش وحدي. فغرت فاها بدهشة. أكْمَلْتُ: لا بشر في بيتي .. يصفر الهواء عبر ممراته.. أسمع للمكيّف صوتًا مدوّيًا..للصّمت فحيح في بيتي، وللألوان حديث.. للتّحف اللاّمعة شخصيّة تجابهني حين تنعكس صورتي عليها... لرشفة الشّاي صدًى على الجدران.. و في اللّيل لا أسمع إلاّ نبضات قلبي.. التّرتيب في بيتي سمة كئيبة.. والنّظافة شاهد على الكساد.. حين أزور إحدى صديقاتي فأرى لعبةً ملقاة في السّلم..
أو آثار حذاء غاص في الطّين.. أشعر بأنّها فخورة به رغم التذمّر ..
حين أمرّ قرب نافذة بيت جيراني أقف طويلاً قبل أن أفتح الباب، وأتظاهر بأنّني لا أجد المفاتيح بسرعة.. كي أسمع أصوات البشر داخل هذا البيت.. وأبتسم لصرخة طفل أو صوت إناء ينكسر.. أو حتى زمجرة رجلٍ غاضب، حين أتناول غدائي المُعَدّ بإتقانٍ بعد قيلولة هادئة..
وأجلس وفي مواجهتي كرسيٌّ خالٍ.. لا أسمع إلاّ قرع الملعقة في الصّحن..
فلِمَ تودّين العيش في جزيرة نائيةٍ إذًا..!
لأنّني هناك سأسمع صوت العصافير تغنّي.. والأمواج تهدر..
وأخاطب النجوم ليلاً.. هناك سأكون في خطر.. وربّما قمت بمغامرة
 بحريّة .. أو هاجمني سكان الجزيرة، وحاولوا أن يطبخوني!
ابتَسَمت..
فيأتي طرزان بحبله المعلّق، ويلتقطني من القدر في آخر لحظة..
اتّسعت ابتسامتها ..
خذي طفلاً واحدًا من عندي ..
أو استعيري زوجي يومًا واحدًا ستترحمين على فردوسك المفقود..
(والا أقولك).. كوني زوجة وأم ومعلمة.. وقاضية.. ومربية.. ومديرة
 وراقصة.. وطبّاخة .. وحكيمة.. وصبور.. وحنون .. ورقيقة.. واحتفظي
 بابتسامتك الواسعة.. وجسدك الرّشيق والأنيق.
كلّ هذا..؟
نعم كلّ هذا وزيادة.. وإلاّ فأنت لست ناجحة.. وزوجك سيتركك ويذهب
 لأخرى، والجميع سيجدون له العذر، ويجدونك مذنبة.
بعد زفرة عميقة قالت:
أصحو في السّاعة الخامسة ..(أكرف) هنا حتى الظّهر.. أذهب للبيت
أطبخ.. أنتظر زوجي وأتغدّى معه.. ينام وأبقى أهتمّ بالأولاد..
واجباتهم مذاكرتهم.. أفضّ خصوماتهم.. أبقيهم هادئين كي يحصل
الملك على قيلولته.. أصحّيه أقدّم له الشّاي وابتسامتي، يجب أن
تسبقني.. أما هو فمقطّب جبينه لقد أنهكه النّوم.. يخرج فأبدأ
إعداد الأطفال للنّوم.. أصلّي العشاء، وأنظر للسّرير بشوق.. لكنّني
يجب أن أنتظر الملك، وأكون في قمّة أناقتي وحيويتي. أنعس أمام
التلفاز، وإذا نمت فأنا امرأة مقصّرة.. يجب أن أنتظره لأرى ما هي
 طلبات جلالته.. يأتي الملك قُبيل أو بُعيد منتصف الليل متعبًا بعد
 جهادٍ مع البلوت أو القضايا الخطيرة التي شاهدها في التلفاز مع
أصدقائه.
أكون منهكة وأدّعِي النّشاط حتى لا يقول بأنّني لم أعد شابّة.. في حوالي الثانية صباحًا أنام، وفي الخامسة تبدأ الدّوامة مرّة أخرى...
دخل صوت آخر في الصّورة: نحن المعذّبات في الأرض
ورجالنا سي السيّد..
صوت آخر: ولمّا (ياخذ) واحدة جديدة يصير طرطور أفندي..
وصوت ثالث مبحوح
أنا أنهيت خدمة المؤبّد.. ما في إفراج!!
توالت الأصوات..
رنّ الجرس ولأوّل مرّة يسرّني أن انتهى الفراغ