لا شيء يستحقّ أن يجعل حدًّا لحياتك

كتب بواسطة: أحمد سعيد القرني | في الملف . بتاريخ : Jun 11 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 3084

لا شيء يستحقّ  أن يجعل حدًّا لحياتك

نسخة للطباعة
لقد اعتدنا في الماضي القريب أن نسمع ونرى حالات انتحار في المجتمع الغربيّ، ونعلم يقينًا مدى انتشار هذه الظّاهرة بين ثنايا تلك المجتمعات التي تهيّئ لأولئك المنتحرين أرضًا خصبة يستطيعون من خلالها ممارسة هذه الظّاهرة الذّميمة، ويضعون قوانين تشرّع لها، وتسوّغ لهم فعلها، حتى إنّ بعضًا منهم وصل به الحال إلى أن ينتحر بطريقة (الهاي كلاس)؛ وذلك بأن يُحضَر للمنتحر دواء يشربه -وبإشراف طبّي- ويتمّ توثيق هذا الحدث  بكاميرة فيديو، يقرّ المنتحر من خلالها بموافقته على شرب ذلك الدّواء القاتل، ثم يودّع أحبابه، وما هي إلاّ بضعة ثوانٍ حتى يموت.
ولكن من المخجل أن نرى مثل حالات الانتحار هذه في بلادنا واقعًا حيًّا يتكرّر حصوله، وترتفع نسبته سنة تلو أخرى، إلى أن وصل عدد المنتحرين في المملكة حسب احصائيّة نُشرت العام الماضي 2011 إلى ما يقارب (787) حالة انتحار، والتي تعود أسبابها في المجمل إلى الفقر والبطالة.
ولقد تناولت الوسائل الإعلاميّة في الشّهر الماضي قصّة الشابّ الثلاثينيّ الذي انتحر شنقًا على الجسر المعلّق بالرياض على مرأى من النّاس، وذكر بعض شهود العيان أنّ هذا الشابّ قد طلب منهم بعض السّجائر قبيل انتحاره؛ مما يوحي- حسب قولهم- بأنّه لم يكن يشكو من علةٍ ما. وهذه الحادثة أثارت حفيظة الكثير من الإعلاميّين والمفكّرين، والتي تقودنا الى قضايا مماثلة حدثت تقريبًا في نفس الشّهر، إحداها لشاب في مدينة عرعر، والأخرى لشابّ "عاطل" في مدينة القصيم، والثالثة لمرشد طلابيّ وإمام في آن واحد بمحافظة المجارده.
ونحن -بهذا الصّدد- لا نناقش هذه القضيّة من منظور دينيّ؛ فللدّين والفتوى رجالاته العالمين، ولعلمنا يقينًا بحرمته وبشاعة جرم صاحبه، إلاّ أنّ هناك دراسات تشير إلى أنّ النّصيب الأكبر من هذه الانتحارات كانت في فئة الشباب، وذلك يعود بشكل عامّ لأسباب عدّة يجب أن نوليها اهتمامنا ومنها: عدم الثّقة بالنّفس أو الاضطراب النفسيّ، وغياب الوازع الدينيّ، الفقر، البطالة، التّهميش الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو السياسيّ.
ولذا فإنّني أدعو  كافة أجهزة الدّولة والمجتمع بشتّى أطيافه ومؤسّساته أن يُعِدّوا دراسات ميدانيّة مكثّفة  للوقوف -بصدق وشفافية- على الأسباب الحقيقيّة التي تقف وراء هذه القضيّة، والبدْء بإقامة المعارض التّوعويّة للمجتمع، وحثّ المواطنين على مراقبة الله -عزّ وجل- وتخويفهم من مغبّة هذا الإثم العظيم، إضافةً إلى بثّ الأمل والتّفاؤل في نفوس النّشء، وأنّه لا شيء على هذه البسيطة يستحقّ أن يضع حدًّا للحياة، وأنّ لكلّ معضلة حلاًّ، وأنّ وراء كلّ لحظة عسر ساعاتٍ من اليسر.
كما يجب الاهتمام بقضايا الشباب ومحاولة إشراكهم في صناعة حياتهم؛ لأنّنا بهذا نضع لهم اللّبنة الأساسيّة التي تساعدهم على إكمال بناء الوطن، ويُفترض –أيضًا- أن نحاول -ولو بالشّيء اليسير- إشراكهم في مجال المعرفة وتطوير أدائهم التعليميّ منذ المراحل الأولى، وذلك لتوسيع مداركهم الثقافيّة والفنيّة والرياضيّة وباقي مناحي الحياة. وهذا كلّه -بإذن الله- سيبني من ورائهم سدًّا منيعًا في وجه  الانتحار، ويضع لهم سلّمًا يرتقون به إلى المعالي، ويجعل منهم شبابًا أفذاذًا يعيشون حياة ملؤها الفأل والطّموح