على هامش الانتحار

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في الملف . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 3123

على هامش  الانتحار

نسخة للطباعة
الانتحار -كظاهرة إنسانيّة-  ليست ظاهرة جديدة، ولا يمكن التماس سبب واحد لهذه الظاهرة، كما لا يمكن حصرها والتّفكير فيها بمنحًى أُحاديّ البُعد دون اعتبارِ العوامل الاجتماعيّة التي تتزاوج في نفسيّة الإنسان لتصل به إلى "فِعل" الانتحار.
الانتحار لا ينبع من تفكيرٍ واعِ، وإنّما كأشياء كثيرة في حياتنا نفعلها دون تفكير وقد نندم عليها ونجهل كيف فعلناها، إلاّ أنّه في حالة الانتحار لا يُندَمُ عليه إلاّ من الأحياء.
الحديث عن الانتحار لابدّ أن يخرج عن الموضوعيّة العلميّة، التي تندرج تحتها الإحصائيّات والأرقام، لأسبابٍ عديدة، منها: أنّ الانتحار من الأمور الاجتماعيّة المسكوت عنها نظرًا لثقافة "العيْب" في المجتمعات العربيّة، والتي ينتج عنها ضعف عامّ في مصداقيّة الإحصائيّات، ولأنّني أجد أنّ الانتحار عندنا لابدّ من التّعامل معه كفكرة لها أسبابها، وليست مجرّد حدث نفسيّ عارِض.
الإشكاليّة في أمر الانتحار في الوقت الرّاهن، أنّه يُترجم إحباطًا نفسيًّا سببه الأكبر الإحساس باختناق مُحبِط، ولم يعد أمرًا داخليًّا مخصوصًا بالمجتمع، بل أصبح نتيجةً لتداعيات اجتماعيّة محيطة بمجتمعنا في الدّول المحيطة. هذا التأثير لابدّ من أخذه في الاعتبار؛ لأنّ من الأمور المُقرّرة في الطّبيعة البشرية: "المقارنة" والاقتداء.
وكلّنا يُشاهد كيف أنّه من الممكن أن يتشبّه أفراد من المجتمعات العربيّة الإسلاميّة المُحافظة، بجماعة (الإيمو) مثلاً، ومقصدي، أنّ الانتحار مثله مثل غيره من "الظّواهر" الاجتماعيّة. وبعيدًا عن التّعريفات النّظريّة، فعندي، أنّ أيّ أمر يظهر فهو "ظاهرة"، ولو كانت حالة واحدة؛ لأنّ ظهورها معناه وجود مشكلة تؤثّر تأثيرًا نفسيًّا كبيرًا، وهذا يُربط بالوقت الرّاهن الذي نعيش فيه. فالذي يحصل في غالبيّة الظّواهر الاجتماعيّة السّلبيّة، أنّ التّركيز عامّة يكون على بؤرة سوداء مظلمة، ويُغضّ البصر عن الإيجابيّات الأخرى، بسبب أنّ هذه البؤرة السّوداء هي التي تُمثّل الاهتمام الفعليّ للفرد، وهي ذات البؤرة التي يشعر أنّ المجتمع يُحاربه عليها، وهو ما يدفعه للانتقام. وهذا يُعيدني لتكرار الإشارة إلى أهمّية عامل المجتمع في إشعال المشكلة.
الانتحار هو تعبير عن وجود ضغط نفسيّ كبير، أدّى كبته لفترة طويلة بصاحبه إلى اعتناق فكرة الانتحار. فالرّغبة في رفع عن الظّلم الذي يشعر به إنسانٌ ما، حين تُكبت لفترة طويلة، يقع الفرد في إشكاليّة "التّعبير"، ومن المعروف أنّ التّعبير لا يأخذ منحًى واحدًا؛ فقد يُترجَم بعدّة ترجمات: كالانعزال، والهرب، والتمرّد، والمظاهرات، أو البيانات -كما حصل حديثًا- ..الخ من الظّواهر الاجتماعيّة. أمّا الانتحار كحالة خاصّة، فهو الأعنف والأعلى صوتًا للتّعبير عن حالة الإحباط المُظلم. يصبح "الموت" هو المنبر الحُرّ الذي يستطيع به المُنتحر تقديم نفسه كمثالٍ واضح للظّلم والتّهميش والخوف ورفض التسلّط. وحين نربط هذا، بالذي يحصل من حولنا في المجتمعات العربيّة الثّائرة، نُلاحظ أنّ الفئة العمُريّة للمنتحرين تغيّرت؛ فبعد أن كان يقع في الفئات كبيرة السنّ، أصبح ينتشر بين الشّباب، وبعد أن كان أكثر في الذكور، أصبح ينتشر بين النّساء. لا زلنا نشهد وقوع حالات الانتحار الكلاسيكي بسبب قصّة حبّ مخفقة، أو بسبب الإحباط من المجتمع أو الأسرة .. الخ، ويحصل الانتحار بعد كتابة رسالة توضّح السّبب، ولكن اليوم أصبح المُنتحِر نفسُه هو الرّسالة، وهو الحَدَث، وفي كثير من الأحيان يكون رسالة مشفّرة وهو ما وراء الحدَث!
المشكلة الأكبر في الانتحار بعد الثّورات العربيّة، في كونه لا يختصّ بالإحباط الفردي، بل نظرًا لارتفاع أعداد المنتحرين، واختلاف الرّقعة الجغرافيّة لسكنهم، يمكن اعتباره فكرة استحسنها المنتحرون. وبدأ يتحوّل من إعلان "الحاجة" الفرديّة، إلى كونه "شرَفاً وبطولة" اجتماعيّة، كما يظهر هذا في الحديث بإعجاب عن بطولة "بو عزيزي"، أو عن المسؤولين اليابانيّين الذي ينتحرون بشرف، تكفيرًا عن فسادهم وتبييضًا لتاريخهم السّياسي.
ولأنّ الانتحار هو نتيجة لأسباب مختلفة، لا يمكن حصر التّفكير في علاجه في منحًى واحد. ولأنّ طبيعته "معنويّة" فلا يمكن التّعامل معه بالحلول المادّية، والوعود المؤجّلة. الطبيعة الراديكاليّة للانتحار، تجعل الحلول أيضًا لابدّ من أن تكون راديكاليّة وسريعة، وأهمّ من ذلك أنّها لابدّ أن تكون بالأساس حلولاً معنويّة. ونظرًا للطّبيعة الدّينيّة للمجتمع، فلا حاجة للحديث هنا عن الرّأي الدّيني في الانتحار؛ لأنّ الحديث من هذه الزّاوية معلومٌ بالضّرورة؛ فهو أمرٌ مزروع في نفوس أفراد المجتمع منذ سنيّ دراستهم الأولى. وقطعًا لا حاجة إلى الإشارة إلى سطحيّة ربط المنتحر بالمرض النّفسيّ، كسببٍ وحيد، مع أنّني أجد أنّ وصف "الحالة النّفسيّة" أقرب من صفة المرض.
الحديث هنا لابدّ أن يأخذ منحًى اجتماعيًّا؛ فاعتقادي أنّ المجتمع هو المسؤول الأول عن وصول حالات الإحباط إلى هذه المرحلة، عبر تراكمات ضاغطة، ولستُ أنفي المسؤوليّة الفرديّة للأشخاص بالطّبع. البيئة الاجتماعيّة هي المسؤول الأكبر الذي يخلق حالة اليأس من المستقبل؛ لأنّ اليأس والإحباط أمور تراكميّة، وكما قال الإمام "علي" –رضي الله عنه-: "من نسيَ خطيئتَه، استعظم خطيئة غيره"، فيجب أن نشير إلى مسؤوليّة كلّ طرف بصدق حتى نعرف كيف نفكر في الحلول.
يخطر لي أحيانًا تشبيه المجتمع الذي يُساهم في تخويف أفراده من التّعبير وإبداء الرّأي كأفراد في ذات المجتمع، واعتبارهم أعضاءً فاعلين فيه، بـ "الإرهابيّ" الذي يُقدِم دومًا على تهديد أمن النّاس. علاج مثل هذه المجتمعات لابدّ أن تكون تحت بند: "مكافحة الإرهاب"، وكما في القاعدة الفقهيّة: "الحكم على الشّيء فرعٌ عن تصوّره".
دول الخليج عامّة، اختلفت فيها حِدّة ظاهرة الانتحار؛ نظرًا لطريقة المعالجة ومساحة المشاركة. وأصبحت النّظرة القديمة للشّباب الخليجيّ التي تحصرهم في الرّغبات والشّهوات، وبعثرة أموالهم على هذا الأساس، هي نظرة لها إشكاليتان: أنّها أصبحت مرفوضة من الشّباب أنفسهم، فهي تحصرهم داخل دائرة الدّفاع عن أنفسهم دائمًا ومحاولة إثبات أنفسهم لكلّ أحد. والأخرى أنّ حصرهم في هذه الصّفة يجعلهم يسيرون على هذا الطّريق، كما تشير علوم التّربية. يقول الدكتور "مصطفى حجازي": "أنا لا أجد فرقًا بين الفرد الخليجي وبين بقيّة أفراد العالم العربيّ، إذا أخذنا الشّباب الخليجيّ فليس من الصّحيح أنّ الشّابّ الخليجيّ هو شابّ مستهتر يبحث عن متعته وما إلى ذلك. هو إنسان مستعد ان يُعطي ويقدّم ويضحّي ويشارك ويساهم، لكنّ الواقع الراهن للشّباب الخليجي لم يُتِح لهم فُرصًا كي يُبرهنوا على استعدادهم على ذلك، والإنسان الخليجيّ عمومًا هو ليس أقلّ غيرةً على إنسانيّته ونهضة مجتمعه".
إنّ قمّة الغبن الذي قد يشعر به الفرد الخليجيّ، أن يُقدّم الفاشل أو الفاسد، على حساب الأصلح. والطّبيعة التّكوينيّة لسكّان الخليج، تُبيّن لنا أنّ غالبيّة النّسبة السكّانيّة أصبحت من الفئة الشّابّة، ويُصبح لِزامًا علينا أن نضع في الاعتبار الطّبيعة الحماسيّة للشّباب، وأنّ تأثّره بوضع أقرانه في المجتمعات التي حوله، تأتي كعامل يُسرّع ردّة الفعل ويزيد من عنفِها. والمُفترض –طبيعيًا- أيضاً أن تأتي كعامل مسرّع للحلّ الاجتماعيّ من دون انتظار أو تأخّر. وهنا إشارة إلى أمرٍ في غاية الخطورة: معرفة هذه الحالة النّفسيّة التي يمرّ بها الشّباب في الخليج، تأتي مع وجوب عدم استفزاز مشاعرهم؛ لأنّ هذا سيُضاف إلى الرّصيد النّفسي المُتأزّم أصلاً، وسيجعلهم يتحرّكون في اتّجاهات لا يُتوقّع اتّجاهها، وكذب من جزم أو تنبّأ بردّات الأفعال. إنّ استمرار منطِق الحلول القديمة أصبح يجسّد المثل العاميّ: "دبّور يزنّ على خراب عشّه"!
فقْدُ الأمل في انعدال الأمور يُكسِب الإحباط، وكما قيل: "الكبار يملّون، أمّا الصّغار فيُحبطون". الاستسلام لما هو موجود، يظهر في مقابله خلْقُ واقعٍ بديل مُتخيّل، يعيش فيه الشّباب اهتماماتهم، أفكارهم، وانعزالهم عن المجتمع .. يقوم هذا البديل على النّقد اللاّذع لقيم الكبار، وممارسة الحريّة –كما يرونها- بالقوّة. وحين يظهر صوت الأفراد ويُعبّرون عن آرائهم، فهنا أمر إيجابيّ، بل هو دليل على صحّة المجتمع، وهو عَونٌ على معرفة اتّجاه الحلول. المصيبة في اختفاء الصّوت، مع وجود الفِكر، حينها سيكون من الصّعب رؤية المشكلة، وهو ما يؤدّي إلى ولادة الانفجارات الاجتماعيّة.
إنّ الحديث عن الانتحار ليس تشريعًا له، ولا لتوضيح حكمه الشّرعيّ، وأؤكّد على أنّ الحديث عن الانتحار هو من الأحاديث الثّانويّة، فما هو وغيره إلاّ نتائج. ولا يمكنني هنا إغفال دراسة الانتحار التي قام بها (دوركهايم)؛ فقد تعامل مع الانتحار على أساس أنّه "حقيقة اجتماعيّة"، ولا يمكن تفسيرها إلاّ بحقائق اجتماعيّة أخرى. وبعد فحص لمعدلات الانتحار في وقته، أدرك أنّ هناك عوامل اجتماعيّة خارج نطاق الفرد تؤثّر في معدّلات الانتحار –ارتفاعًا وانخفاضًا-، وربط تفسيره بنوعين من الرّوابط داخل المجتمع: التّكامل والتّضامن الاجتماعيّ، ووضع أربعة أنواع للانتحار: الانتحار الأنانيّ، والانتحار الإيثاريّ، والانتحار القدريّ، وانتحار الضّياع.
ما يرتبط بفكرة مقالي هنا، الانتحار الأنانيّ، وهو الذي يشعر فيه الفرد بضعف في علاقته بالمجتمع. والانتحار الإيثاريّ، وهو الذي يأخذ فيه الانتحار صفة "التّضحية"، وهو ما يرتبط بفكرة "المصلحة الأعلى". وهذه الأنواع ترتبط بحالة الضّياع التي يمرّ بها المنتحر داخل مجتمعه، أو يمكن الإطلاق عليها فكرة "جدواه" الفِعليّة في المجتمع. وفي وقت الأزمات والتّغيير السّريع تظهر هذه العوامل كمؤشّرات خطيرة لإظهار حالة التأزّم النّفسي الذي يعيشه الفرد داخل المجتمع. ويمكن وصف حالة الضّياع هذه بأنّها الفجوة بين ظروف الواقع الاجتماعيّ، والتطلّعات المستقبليّة، ومن هنا يمكن فَهم الانخفاض المُلاحظ للفئة العمريّة للمنتحرين.
في الشّأن "السعوديّ" مثلا، نجد أنّ "بيان الشّباب السعوديّ" هو مثال بارز لمجتمع لم يجتمع فيه هذا العدد من الموقّعين على مثل هذه الأفكار، وهنا أركّز على فكرة ظهور "البيان" ذاته لا المضمون. هذا البيان يُشكّل ظهور نوعٍ من الشّباب لا يرضى بتسلّط أحد على آرائه في وقتٍ يستطيع فيه مَن حوله: التّعبير، ولأنّ المجتمع لا يتعامل بشفافيّة واعتبار مع أفكار أفراده، فمُتوقّع ظهور أنماط أخرى من التّعامل مع التّسلّط، وقد ظهرت، كالاغتراب من أجل الحريّة، أو انتشار التّصريح بالإلحاد، أو نموذج الانتحار، وهذا مُشاهد في ارتفاع أعداد المنتحرين خلال السّنة الماضية، بالقياس إلى ما قبلها، أو في نسبة المتقدّمين للحصول على الجنسيّات الأجنبيّة، أو في شكل المظاهرات الطّلابيّة في الجامعات.
كلّما زاد الكبت في مجتمع، زادت نسبة عدم التنبّؤ باتّجاه ردّات الفعل، أو سقف المطالِب. الإيمان بشيء ما يجعل الإنسان يتحمّل العيش المؤلم في مقابل تحقيقه، فإذا كان الإيمان يتّجه نحو "عدم" التّحقّق، فلماذا يتحمّل أمل الحياة؟!