المعطيات الأصوليّة والفقهيّة ودورها في تذليل صعاب المرحلة للإسلاميّين

كتب بواسطة: شيخ أحمد جينغ | في متابعات . بتاريخ : Jun 13 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 2793

المعطيات الأصوليّة والفقهيّة ودورها في تذليل صعاب المرحلة للإسلاميّين

نسخة للطباعة
منذ تفجّر الاحتجاجات الشّعبيّة، وهبوب ما بات يُسمّى بـ: (الرّبيع العربيّ)، والتي أودت بحياة عدد من أنظمة الحكم في البلاد العربيّة: طفق بعض هذه الدّول تعيد ترتيب أوراقها من جديد بملء الفراغ السّلطويّ الذي أعقب انهيار تلك النّظم بأنظمة حكم جديدة؛ فأُجريت انتخابات برلمانيّة كانت على قدر محترم من الشّفافيّة والنّزاهة، في كلٍّ من تونس ومصر، إضافة إلى المغرب التي استفادت من هذا التحرّك الشّعبيّ؛ فراجعت مسيرتها والأنموذج الدّيموقراطيّ لديها، فأفرزت باكتساح التّيار الإسلاميّ للسّاحة، وتربّعها على منصّة الحكم في هذه الدّول المشار إليها، فيما يرجّح معظم التّوقّعات أن يحصد الإسلاميّون الكراسيّ الرئاسيّة في الدّول المشار إليها والبرلمانات في بقيّة الدّول، أو يحقّقوا _على الأقلّ_ مركزًا مهمًّا في الخارطة السّياسيّة ودوائر صنع القرار.
وإزاء هذه التحوّلات المتسارعة وهذا المشهد السّياسيّ الجديد الذي فرضته إرادة الشّعوب، بمنحها الثّقة لهذا التّيار المنغرس في قلب الأمة، ويعيش آلامها وأحلامها، هذه الفئة التي تكبّدت من لأواء المرحلة الماضية صنوفًا من الحرمان والعزل مازالت مختزنة في ذاكرة الشّعوب، وأحسب أنّ هذه المحن أكسبته هذه الثّقة، وجعلت الأمّة تعلّق عليه أمل تغيير واقع الحال إلى ما هو أفضل.
والإسلاميّون والحركة الإسلاميّة في هذه المرحلة أمام اختبار أصعب، وتحدّيات وعقبات أضخم، لثقل الموروث، ومعالم سوء الإدارة الماثلة في مناحي الحياة كافّة، بفعل الأنظمة البائدة التي فرضتها القوى الغربيّة. وأمام هذه اليقظة الشّعبيّة المباركة لا بد من تسجيل بعض الحقائق فأقول:
هذه الصّحوة لا تعني انصلاح الحال، بقدر ما تعني بداية مرحلة المخاض العسير الذي سنخرج منها - بإذن الله- بعافية أكثر، وحيويّة أوفر، شريطة التّعامل معها وفق رؤية ناضجة، واستراتيجيّة واضحة، تترك في الاعتبار استحقاقات المرحلة، وما تقتضيها من فقه من نوع خاصّ.
-   لقد بات لزامًا على الإسلاميّين علماء ومفكّرين ونخبًا -كلّ في مجال تخصّصه - النّفير نحو تشخيص عميق لحجم التخلّف وأسبابه، وتلمّس العلاجات النّاجعة، وتقديم رؤى واقعيّة بعيدة عن المثاليّة المحلّقة، تلبّي احتياجات المرحلة، وتفوّت الفرص أمام المتربّصين بالأمّة عمومًا وبالإسلاميّين خصوصًا.
- آن الأوان لطيّ صفحات الخطابات الحماسيّة البحتة، والمطامع المثاليّة، ودور الرّقابة والنّقد للآخرين، والتّمحور حول الذّات، والاستئثار والإقصاء، تمهيدًا للنّزول من الأبراج العاجية، والخروج من الكهوف والأماكن المظلمة، ومشاركة الغيورين على مستقبل الأمّة الهمّ والغمّ.
-   إنّ في تراثنا الأصوليّ والفقهيّ البلسم الشّافي والحلّ الأمثل لتجاوز العقبات التي تعترض طريقنا نحو النّور والتّنمية والعدالة والحرّيّة، وبناء نهضة إسلاميّة رائدة، وحضارة إنسانيّة عالميّة.
فالإسلاميّون والحركة الإسلاميّة مدعوون إلى استثمار الرصيد الأصوليّ والفقهيّ المخبوء في تراثنا وتفريغه لبلورة فقه يعكس الواقع، ويعالج إشكالاته التي هيمنت على عقليّات كثير من منتسبيها، وجوانب من تراثها حول طريقة الإسلاميّين وآليّاتهم للحكم في خضمّ النّظام العالميّ الجديد وتعقيداته، ناسين أو متناسين أنّ الشّريعة الإسلاميّة  تحوي بين جنباتها مخزونًا فقهيًّا ضخمًا ومقوّمات النّهوض والانبعاث، وهي بمرونتها، وواقعيّتها، واعتبارها للمصالح وتكثيرها، ودفعها للمفاسد وتقليلها، واعتبارها للمقاصد والمآلات: كفيلة بتكييف وقائع الأحوال المختلفة سواء أكانت رخاء وقوّة، أم ضيقًا وضعفًا- تكييفًا لائقًا، ومن ثم إعطاء كلّ حالة اعتبارًا  مناسبًا، والتّعاطي معها إمّا من منطلق الحمل على العزيمة أو الرّخصة. يقول  الدكتور مسفر بن علي القحطاني: (إنّ الشّريعة الإسلاميّة قابلة بأصولها وكلّياتها للانطباق على مختلف الأحوال الإنسانيّة والمعيشيّة والبيئيّة، بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال من دون حرج ولا مشقّة ولا عسر ...))
ومن هذه القواعد والأسس المهمّة في تحديد الحكم والموقف الشّرعيّ والمسار الصّحيح، قاعدة: (الموازنة بين المصالح والمفاسد)، ويتأكّد الاعتماد وكثرة التّرداد عليها عند ما تضطرب الأوضاع، وتتلاطم الأمواج، ويمتزج الخير بالشّرّ، والصّالح بالطّالح، ويصعب الفرز والتّمييز.
ينقل شيخنا الفاضل الدكتور مصطفى بن كرامة الله مخدوم عن شيخ الإسلام بن تيمية: (أنّ الحاجة إلى هذه القاعدة تزداد في الأزمنة والأمكنة التي نُقضت فيها آثار النّبوّة وخلافة النّبوّة حيث يكثر تعارض المصالح والمفاسد والحسنات والسيّئات ...).
وكذلك من القواعد في هذا الصّدد، قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)،  وقد ذكرها السّبكي في الأشباه والنّظائر، وابن رجب في قواعده، (وهذه القاعدة فرص الاستفادة منها تتجاوز جوانب العبادات لتطال كلّ جوانب الحياة.. فإذا عجز الدّعاة عن تحقيق أمر الله -عزّ وجلّ- في جميع جوانب الحياة، لضعفهم أو لظروف خاصّة بهم، وأمكنهم تطبيق بعضه في جانب من جوانب الحياة فلا يجوز التّواني في ذلك، فما لا يُدرك كلّه لا يُترك جُلّه)
وكذلك في حال تولّيهم السّلطة والحكم تأتي هذه القاعدة خير عون لهم، ولا يكون من حسن الفقه للقاعدة هذه مطالبتهم بالإصلاح الشّامل لكلّ مظاهر الفساد دفعة واحدة، أو الابتعاد عن الإدارة والسّلطة، وإن يكن في الإمكان تقديم إصلاحات في جوانب أخرى، مثل: محاربة الفقر والجوع والجهل، والحدّ من الفساد الماليّ والإداريّ والمحسوبيّة، إلى جانب إشاعة قيم العدالة والنّزاهة على غرار تجربة الإخوة في حزب العدالة والتّنمية التّركيّ.

ضوابط لا بدّ منها:
ممّا تمتاز به شريعتنا وجود ثوابت ومتغيّرات وأصول وفروع، ممّا حباها خاصيّة المرونة دون الذّوبان، وكانت منعة أمام محاولات الاستغلال السّيّئ لقواعده في إضفاء الشّرعيّة على الباطل وتمريره، فلا يجوز ولا يمكن التّضحية بالأمّة أو التّساهل في قضاياها المصيريّة، مثل: مستقبل فلسطين والتّفريط فيها أو الاعتراف بالكيان الصّهيونيّ والتّساوق مع بعض الاتّفاقيات التي وُقّعت لتخدم اليهود، مثل: كمب ديفيد، ووادي عربة، وأنابوليس، وسواها، وراء ستار التّرخّص بالرّخص الشّرعيّة، أو فقه الواقع، وإعمال المقاصد، أو الاحتجاج بضعف الأمّة.
كما لا يجوز ولا يليق بالإسلاميّين -وهم يديرون دفّة الحكم- أن يتنكّروا لماضيهم وتضحياته، أو يتبرّموا للهويّة والفكرة الإسلاميّة والتميّز بها، فلا يكون مقبولاً بأيّ حال من الأحوال كسر حواجز الولاء والبراء والإتيان بممارسات شاذّة ومميعة. نعم، يُنتظر منهم لزامًا الاهتمام بكلّ شرائح المجتمع وأطيافه المختلفة، سواء أمسلمين كانوا أم كفّارًا، أقليّين أم أكثريّين؛ لأنّ السّلطة ينبغي أن تبقى صمّام أمان للجميع، ساهرة على مصالحهم. ولا يسعني في النّهاية إلاّ أن أوصي الإسلاميّين أن يسكتوا عن بعض الباطل، وعن بعض الظّلم، وعن بعض المنكر، إلى حين توفّر القدرة اللازمة للبتّ فيها، وكلّي أمل أن لا نطالبهم بمواقف وتضحيات لا يملكونها، وقد يدفعون ثمنها باهظًا، والسّكوت عن الباطل قد لا يعني بالضّرورة الإقرار به، ولا يُنسب إلى ساكت قول، وقديمًا قيل: (من تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)
 
1- أثر المنهج الأصوليّ في ترشيد العمل الإسلاميّ ص 69.
2- قواعد الوسائل في الشّريعة الإسلاميّة دراسة أصوليّة في ضوء المقاصد الشّرعيّة ص 129.
1- القواعد الشّرعيّة ودورها في ترشيد العمل الإسلاميّ للدكتور محمد أبي الفتح البيانوني ص 140.