في الانحياز إلى تيتي

كتب بواسطة: ريم الفضلي | في الملف . بتاريخ : Jun 13 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 2114

في الانحياز  إلى تيتي

نسخة للطباعة
تيتي دخيلة من البداية، عنصر جديد جاء من البعيد للخدمة، للانحناء والرضوخ لمدة طويلة، الأشياء الشاعرية المرافقة للغربة والفقد والحزن التي نعرفها ونحترفها، يجب أن نندهش حين نستطيع بالتفاتة متكلفة  أن نسقطها عليها، إنما بأمرّ وأقسى، لأن الحاجة - في حالتها - شيء أساسي، غير مترف، كما يشبه أحوالنا.
تيتي من أماكن مختلفة عنا كثيرا، صحيح أن لا مدهش وجديد في هذا، لكنها قبل أن تكون في منازلنا بزي الخدمة وأوضاعها، كانت هناك "درة مصونة" في أسرتها، تربي أو تدرس أو تعمل، ولأسباب تود هي أن تكون طفرة في حياتها؛ تأتي إلى هنا، لتسريع وتيرة الرزق عندها، وسد النواقص الكبيرة اللازمة: بناء بيت، شراء مزرعة، أو تسديد مرحلة دراسية لابن، في تخصصات محترمة. للأسف أن هذه الأهداف الشريفة الكبيرة، تتحقق بقضاء عامين على الأقل في منزل أسرة مدللة.
تيتي في بيئتها المغايرة هناك، حرة المجيء والذهاب، تجلب حوائجها من السوق، تلتقي معارفها، تتابع شؤونها، تقود دراجتها، تغسل ملابسها في النهر. لكن حصل أن لم يعد شيء يشبه ذلك أبدا حينما أتت إلى هنا، لذا؛ بعد بضعة أشهر من الحبس داخل منزل إسمنتي لا خشبي، معزول عن البيئة الخارجية تماما، أن انهارت متصلة بالمكتب، أثناء التحقيق عن أسباب رفضها العمل من جديد، قالت بقهر - أصبح سخرية لاحقا -: أنهم لا يجعلونها تذهب إلى "البقالة".
تيتي تعمل عند سيدة معبأة بقصص الخادمات، سيدتها تشعر أن خادمتها على وشك أن تكون سيدة منافسة في المنزل، ولهذا تمعن في إشعارها أنها خادمة فحسب كل لحظة، تطالبها دوما بأسلوب الخادمات، في الحكي، وحد النظر المسموح به، واللباس، والتصرفات. التأديب نحو الأخطاء يأتي مضاعفا، لأن السيدة تفكر، أن تيتي ربما تظن نفسها أكثر من خادمة. سيدة تيتي فارغة، وإن ادعت الانشغال، تيتي تجوب المنزل من أعلاه لأدناه، بكل أفعال التنظيف والترتيب، والمطبخ تجعله بعد كل هياج طهو كما لو لم يمس، والغسيل والكي وفوضى أهل الدار، بعد ذلك إن حدث أن تيتي أطالت في النوم مثلا، أو فعلت استرخاء نحو نفسها لا يليق بها، كخادمة لأسرة رفيعة وسيدة كذلك، فكثير من ويل ونهي سيلحق بها، ستتذكر السيدة وصايا السيدات الأخريات، عندما تفعل "التيتات" مثل ذلك، يقلن: "انبشي لها عن شغل، دعيها تنزل زجاج النوافذ وتلمعه، ولو كان نظيفا - مثلا". على النقيض من ذلك، سيدة تيتي تعمل بنصيحة شائعة، أن لا تجعل تيتي تلتقي بتيتي أخرى، لما في ذلك من تعليم بعضهن الشرور ومختلف أنواع التنذّل بالسيدات.
سيدة تيتي عنصرية، تلوك القصص الفظيعة في المجالس، عن انحطاط جنس تيتي وميله إلى نكران الخير والجحود بكل طيبتها التي تبذلها نحوهنّ، وتصِم جنس تيتي كله بذلك، ويكثر في مجالس سيدات تيتي، أن تتحول دول كثيرة من العالم، متقدمة وعريقة، إلى "منيو" لهنّ، وأنها تفضّل صفات تيتي في تلك البلدة عن الأخرى، وقد تفكر في دولة أخرى، حين تذهب تيتي هذه، لما رأتْ من حسن ضيافة وطاعة تيتي جارتها. في هذه المجالس، يحصل أن تنادي السيدة تيتي بتصنع، لتجلب حقيبة أو تستفسرها عن ابن غافٍ، ويكملن أحاديثهن عن الملاحظات التي بدت على الآلة تيتي، حين ظهرت بحياء.
تيتي تصارع جهدا نفسيا عظيما، لتبقى بالتوازن والروتين اللذان هي عليهما، عوض عن الصدمة والترقب التي جاءت بهما، والخرس عن أي تعبير ومشاركة مشاعر، تحرص سيدة تيتي في هذه الأيام الأولى، على البدوّ بمظهر الشديدة الصارمة، تفكر، أنها بذلك تؤدب تيتي قبل أن يبدو منها أي "دلع"، لذلك تظل تيتي لأسابيع عديدة دون مبادلة أي حديث إنساني معها يؤنسها، غير الأوامر والتعليمات الفوقية بطبيعة الحال.
أفراد الأسرة التي تخدمهم تيتي نزقين بعض الشيء، صحيح أنها كفرد حيّ موجود في دارهم لا يهمهم كثيرا، بعكس والدتهم، لكنهم مستعدون دوما لخصام تيتي حال فقدان شيء، أو تغير حال شيء كان وفق مزاجهم، يحدث أن ترتفع أصواتهم عليها، أو تتهم بالسرقة، وتهديدها بإيجاده وإلا "البوليس" حاضر كتهديد مخيف دوما. الصغار حال مجالستهم، وفق أوامر السيدة، يحدث أن يضربون تيتي، تسديد الحذاء نحوها مثلا. تيتي أبدا لن تستطيع ردّ اعتبارها، ما يأتيها مسكوت عنه، ما تستجيب له بردة فعل محل مساءلة وتوبيخ.
تيتي أتت من بيئة ريفية بسيطة، كثير من كماليات وزيفيات المعيشة هنا، لم تستخدمها فضلا عن أن تراها، تظل لفترة طويلة مصابة ببريق الأناقة والترف الذي اكتشفته، تشاهد على تسريحة السيدة أصنام العطور وأصابع الحمرة وسلال الحلي غير المنتهية، في خزانة السيدة تشاهد طوابير الملابس الرائعة التي لن تحظى بتخيلها عليها، في هذا ما يجرحها كأنثى أولا، وفقيرة ثانيا.  تطهو  تيتي أكلا على مدار اليوم يفزعها تدبر كميتها، ترمي في سلة النفايات ما يعادل أكل أسرتها يوميا. عندما عرفت أسعار الأشياء هنا، أن ربما ثلاث قطع أو أربع متواضعة تعادل راتبها وأكثر، أصيبت بالتشظي، وفهمت الفرق بين الممكن والاستحالة، ووعتْ دون تنظير طويل عن الطبقية وثنائية السيد والعبد. وحين تأمرها بصغيرة بجلب كأس ماء، أو تأتي بالأكل الناعم لجالسات بساق على ساق، وتعود للمطبخ تتكأ على مناضده، أو تجلس على بلاطه، تعرف بحقد أو دونه، معنى أن تكون أدنى، أدنى بلا مبررات كافية.
لذا؛ حين تكون تيتي عدائية أو تقوم بجريرة ما، نهب أو هرب أو ضرب، ليس بوسعي سوى الانحياز إلى تيتي، رغم سوء أفعالها. تحتاج أن تكون ملاكا أيها المثالي، حين يكون خمسون دافعا وقهرا للجريرة، ولا تحوم في حماها. تيتي واحد، ونحن الجماعة. تيتي غربة، ونحن الألفة. تيتي حاجة، ونحن الوسيلة المترفة. تيتي في الغالب قصة هادئة، تذهب وتجيء الآلاف منها بصمت، تعقد صرّتها وتمضي، ولا نفرق بين العشرات اللاتي عبرننا في حياتنا. وحين تيتي واحدة تكون قصتها محتدمة مليئة بما يهلعنا، ويثير اشمئزازنا، يجدر تأمل عشرات الأسباب الصغيرة التي دفعتها لذلك، قبل أن ننحاز لنا، لعِرقنا وطبقتنا فقط