حمص

كتب بواسطة: حسن إبراهيم الحسن | في أدب . بتاريخ : Jun 13 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 2666

حمص

نسخة للطباعة
الآنَ ..
أذكرُ كيفَ كانت حمصُ تضحكُ - مثل طفل ساذجٍ -
من لَكْنَةِ ( السيَّاحِ ) إذْ تصطادها أضواءُ ( كاميراتِهمْ )
و الآنَ أذكرُ كيف ظلَّتْ حمص تضحكُ
عندما عادوا إليها بالبنادقِ
حمصُ تنقصُ شارعاً أو شارعينِ ،
وحمصُ تصعدُ سلَّمَ الأنقاضِ في السنةِ الجديدةِ
منهكٌ منها الحصارُ
وحمصُ تضحكُ
بينما كانون يصعدُ حزنهُ عاماً جديداً
تلبسُ الآنَ المدينةُ ذاتها الغرقى بدمعِ ( النازحينَ ) ،
وتلبسُ الليلَ الذي خلعَ النعاسَ و أوقد الكابوس في الشجرِ الأليفِ ، ...
كأنَّ كلَّ مسامةٍ عينٌ تحدق ،
ثمَّ تشخصُ
حينَ يندلعُ الرصاصُ من الجهاتِ الستِّ ،
وحدكَ كنتَ يا الله تبصرُ
عندما هبَّ الخرابُ على الشوارعِ حسبَ بوصلةِ الطوائفِ /
كنتَ تبصرُ
عندما اختلفَ الرواةُ على الضحايا - المارقينَ
و كنتَ تبصرُ
عندما ارتفعت إليكَ أكُفُّها
كانونُ يصعدُ حزنَهُ عاماً جديداً
حيثُ يوصدُ بابه ليلُ المدينةِ ؛
ثمّة امرأةٌ تهدهدُ طفلها ،
تقتادهُ نحو النعاس بصوتها المائي /
ثمَّةَ قاتلٌ ضَجِرٌ ،
و ثَّمَ أبٌ يؤجِّجُ - إذ يمرُّ - غريزةَ القنَّاصِ /
ثمَّةَ شارعٌ يفضي إلى " العاصي " ،
و ثمَّ شوارعٌ تفضي إلينا ...
حمصُ تنقصُ - كلّ يومٍ - شارعاً أو شارعينِ ،
وحفنةً ممَنْ أقاموا في مهبِّ الموتِ/
حمصُ تظلُّ تضحكُ
بينما
كانون يصعدُ حزنه عاماً جديداً ...
موصدٌ شباكُ روحي ،
والقصيدةُ شاحبٌ صفصافها
وأنا الغريبُ
أمرُّ شرقكِ غائباَ عنّي و عنكِ ،
وعن صدى الناياتِ /
حبري طافحٌ جدّا، ولكن ليسَ يسعفني الكلامُ
كأنَّني الغرقى ،
و وحدكِ آخرُ الناجينَ / يحملُ في فمٍ أصوات من جفَّت على فمهِ حروفُ النفيِّ ( لا )
الشمسُ تغربُ ،
والمساءُ يُعدُّ قهوتهُ على عجلٍ ويرحلُ
كلُّ شيءٍ "غامضٌ مثلَ الحياةِ وواضحٌ كالموتِ"
أصغي للندى /
للصيفِ يمضي /
للخريفِ يُعدُّ صفرتهُ و يصعدُ تلَّةَ الروحِ الأخيرةَ مثلَ حطابً عجوزٍ ،
مفرداً أصغي إليَّ /
إلى جرارِ العمرِ ترشحُ قطرةَ العمرِ الأخيرةَ ،
عارياً مثلَ الحقيقةِ في مرايا الشكِّ أعبرُ
أبصرُ الفرسَ الجموحةَ كيفَ تعثَرُ..
في سفوحِ الأربعينَ ، و كيفَ يشتدُّ انحدارُ النهرِ ،
أبصرُ ..
كيفَ يهدأُ حينَ يشربهُ المصبُ
و كيفَ ترتدُّ السنابلُ للترابِ و من غياهبهِ تهبُّ
و كيفَ تختزلُ الرصاصةُ ( معجمَ البلدان ) في وصفٍ يتيمٍ للخرابِ بما استطاعتْ أن تهجئ من قرى تعدو على الدرب السريعِ من الشمالِ إلى العدمْ .
كانون يصعدُ حزنه عاماً جديداً
صارَ في وسعِ القصيدةِ أن تمارسَ سطوةَ المنفى عليَّ
مُذِ اتجهتُ إلى دمشقَ
و لم أجدكِ على الطريقِ إلى دمشقَ
و لم أجدكِ على النوافذِ بانتظاري مثلَ أمي ،
لم أجدكِ ،
و لم أجد في الليلِ ما يفضي إليكِ سوى انتباهِ القلبِ
وحدي عندما هبت رياح الغربِ
أشرعتُ الحواسَ - جميعها
و فتحتُ قاموس الروائحِ كي إهجئَ ما استطعتُ من القميصِ - قميصِ نومكِ
ربّما "سيمرُّ باسمكِ" شاعرٌ مثلي
و يهذي مثلما أهذي كلاماً عابراً
سيقولُ لي :
لوِ خطوةً أو خطوتينِ تأخَّرَ القتلى على بابِ الحبيبةِ
ربَّما عبرَ الرصاصْ
سيقولُ للقنَّاصِ :
لو حدَّقتَ في وجهِ الضحية جيّداً
كنتَ انتبهتَ بأنَّ لا أحدٌ سواكَ أمامَ فوَّهةِ القَصاصْ
سيقول لي :
قتلى
و قنَّاصونَ قتلى /
و النياشينُ الرخيصةُ
و الطوائفُ /
تلكَ شطرنجُ الملوكِ ..
فكم ترى ثمنُ الخلاصْ ؟
سيقولُ لي :
للحربِ دورتها ،
و للتاريخِ أن يروي ،
و لي من هامشِ التاريخِ ما يكفي لأكتبَ :
منذُ روما و الجيوشُ تسيرُ من جهةِ الخرابِ إلى الخرابِ
لتكتبَ التاريخَ ؛
شعبٌ كاملٌ يمضي لكي يرثَ الخرابَ،
و آخرٌ يمضي لتبني عرشها روما
و روما لا تحبُّ الأصدقاءَ ،
و لا تحبُ المارقينَ
و وحدها روما تسيرُ من الخرابِ إلى الخرابِ ،
تؤجَّجُ المنفى و تمضي
بينما كانونُ يصعدُ حزنهُ عاماً جديداً