الخادمات في العالم العربي ، وجاهة اجتماعية مخالفات حقوقية

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 4963

الخادمات في العالم العربي ، وجاهة  اجتماعية  مخالفات  حقوقية

نسخة للطباعة
من الظواهر اللافتة في العالم العربي، تلك المرتبطة بالخادمات وعملهن في العديد من المنازل والمصالح الحكومية والخاصة، وهي الظاهرة التي أصبحت تتخذ أشكالًا عدة، وتتجاوز الدول العربية الغنية إلى غيرها من الدول التي يتسم أبناؤها بدخل منخفض.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية عن أعداد الخادمات في العالم العربي، إلا أن هناك دراسات تقدرها بأكثر من ثلاثة ملايين من الجنسين، في الوقت الذي تتنوع فيه طبيعة هذه الخادمات، سواء من داخل الدول العربية أو خارجها.
وللتوضيح في السياق السابق، فإن هناك خادمات يتم استقدامهن من دول آسيوية مسلمة أو غير مسلمة، تعاني فقرًا بالأساس، وهو ما يدفعهن إلى العمل بخارج بلادهن، حتى لو تدنت أجورهن، وهي الحالة التي تبدو في الدول العربية الغنية.
ولذلك فإن الدول الفقيرة، صاحبة تصدير الخدم إلى غيرها، تجد في الاستعانة بالخدم وسيلة ناجعة لمواجهة ظواهر الفقر والبطالة التي تعاني منها، وهو الأمر الذي يقابله العديد من المشاكل في داخل البلاد المستوردة لظاهرة الخدم، وهي المشاكل التي تبدو أكثر وضوحًا في المنازل، وخاصة مع ظاهرة تعدد الخدم في أوساط الأسرة الواحدة.
ولذلك تكثر المشاكل وتتنوع تداعياتها في ما يتعلق بالخادمات العاملات في البيوت، عكس الحال في الاستعانة باستقدام الخدم للعمل بالمصالح الحكومية أو الخاصة، وهي الظاهرة التي تتفرد بها بوضوح دول الخليج العربي أكثر من غيرها من الدول العربية الأخرى، والتي تعتمد على العمالة الخارجية.
ارتفاع أعداد الخادمات يرجع إلى العديد من الأسباب في الدول المستقدمة لها، لعل أبرزها حالة الشعور في داخل الأسر الغنية بالدول العربية أنها تترفع عن القيام بواجبات منازلهن، فيصبح الاستعانة بالخادمات شكلًا من أشكال الترف، وانعكاسًا لارتفاع حالة المعيشة بهذه البيوت، والترف المعيشي الذي تعشه هذه الأسر.  
أما في حالة الدول غير الغنية، فإن الظاهرة يمكن أن تكون من داخلها، بحيث يتم جلب الخادمات من داخل الوطن الواحد، وهي استعانة تختلف عما هو دارج في الدول النفطية، بأن يتم الاستعانة بالخادمات لقضاء بعض الحوائج أو المهام المنزلية المحددة، دون إقامة للخادمات في منازل الأسرة، مع وجود حالات استثنائية، وخاصة في أوساط شرائح محددة كرجال الأعمال والوسط الفني.
غير أن هذه الشريحة كثيرًا ما تعاني من شكاوى عدة، جراء الاستعانة بهذه الخادمات، وخاصة لما يقمن به من سرقات، أو القيام بأعمال تجسسية داخل الأسرة الواحدة، بأن تتجسس الخادمة لصالح الزوج أو الزوجة، وخاصة في حال الخلافات بينهما.
ولذلك تحفل الكثير من الأخبار الصحافية والإعلامية بالعديد من الجرائم التي ترتكبها الخادمات في المنازل، سواء كان هدفها السرقة أو نتيجة لحالات عمليات عنف ضد مخدوميهم، من قتل ومشاجرات، وأحيانًا تعذيب من جانب من يرعون الخدم، وما حالات تعذيب الخادمات من قبل شريحة شهيرة في المجتمع عنا ببعيد، على نحو ما تحمله الأخبار والتقارير الصحافية.
الشيء نفسه يكاد ينطبق في حالات الخدم بدول عربية أخرى، وفق ما تتناقله وكالات، من تورط شخصيات ثرية ومسئولة في عملية تعذيب الخدم، الأمر الذي يطرح معه الكثير من علامات الاستفهام حول إهدار حقوق الإنسان لهذه الشريحة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، على الرغم من أن الشريعة الإسلامية السمحاء تقر بصيانة عرض الإنسان، والحفاظ على حقه في الحياة، لكون التعذيب الذي تتعرض له هذه الشريحة من الخدم قد تكون نتيجته الوفاة.
لذلك يمكن القياس على عمل الخادمات في دول الخليج العربي، والوقوف على حجم ما يتعرضن له في غيرها من الدول الأقل ثراء، والأقل نسبة في عدد الخدم، خاصة وأنه في حالة دولة خليجية مثل الكويت، تذكر الإحصاءات أن نسبة الخدم بها تشكل نحو 90% من العاملين والعاملات هناك، وهي الظاهرة التي يتم استقدامها من دول سيلان والهند والبنغال وباكستان وإيران.
ولعلنا نتوقف هنا عند الفارق بين الرق والعبودية والعمل الشريف، إذ إننا نجد أنه في الوقت الذي تئن فيه هذه الحالة من العمالة من وقع ضغوط معيشية صعبة في بلادها، فإنها ليست جميعها بالضرورة تبحث عن وسيلة للاسترزاق بطريقة رخيصة، تبيع الخادمات من أجلها أجسادهن، أو غيره، بقدر الرغبة في عمل شريف للاسترزاق بطرق حلال.
وبنظرة تاريخية، فإن الإسلام جاء والرق موجود, أي أن الإسلام لم يشرّع الرق كما شرعته الأمم السابقة, وجعلت منه نظامًا طبيعيًا أو شرعيًا، بل على العكس شجع العتق ورغب فيه, في الوقت الذي أكد فيه معاني العبودية لله تعالى، وليس العبودية لعبيده، فهناك فرق بين الرق والعبودية، فالأخيرة ينبغي أن تكون لله تعالى، وليس لسيد يعول خدمًا أو غيرهم، على نحو ما يتواتر بشأن عبودية بني البشر بعضهم البعض، وطغيان عنصر القوة على الضعف، والغنى على الفقر.
ولذلك ووفق هذا المفهوم، فإن هناك من يتعامل مع الخدم بمفهوم التعذيب والإهانة والانتهاكات الجنسية والجسدية والتهميش، لتصل درجة المعاملة إلى ما يشبه -إن لم تكن كذلك- معاملة العبيد، وحرمان الخدم من الحقوق الشرعية والإنسانية.
الحالات السابقة هي أبرز ما تتعرض له الخادمات في مصر والأردن ولبنان، ويزداد الأمر سوءًا عندما يتحكم الكفيل في مصير الخادمة الوافدة، ويحرمها من حقها في الحصول على راتب، أو الاحتفاظ بجواز سفرها، وحرمانها من الاتصال بعائلتها لسنوات، والحرمان من الإجازات، والضرب والتعذيب، والحرمان من الحصول على عقد العمل أو حتى مراجعته، والإجبار على أعمال تنافي الآداب، والاستغلال الجنسي، بالإضافة إلى حرمان بعضهن من التواصل مع الأهل، وحرمانهن من الحصول على جواز السفر، واحتجازهن بشكل قسري.
هذه الممارسات كلها تولد لدى الخدم حالات الانتحار والهروب، بعدما أصبحت هذه الشريحة من أبرز الفئات المهمشة في مجتمعاتنا العربية، وتعاني كافة أشكال الاضطهاد