الثورات مفهومها وأسبابها

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 6191

الثورات  مفهومها وأسبابها

نسخة للطباعة
لقد ظلت على مر العصور، ظاهرة الثورات - كشكل من أشكال التعبير الإنساني عن الرفض والتوق إلى التغيير نحو الأفضل- تتفاعل وتتشابه دون أن تتماهى، وتتناسل دون أن تستنسخ وراثيًا على طريقة النعجة دوللي. لكن، كيف لنا أن نفهم طبيعة هذه الثورات التي تفتقت عنها أزاهير الربيع العربي في منطقة من العالم تمتد من نواكشوط غربًا إلى جاكرتا شرقًا، ظلت مستعصية على الديمقراطية ردحًا طويلًا من الزمن؟ هذه الثورات التي كسرت حاجز الخوف ورسخت ثقافة سياسية جديدة،كما قادت إلى التغيير الاجتماعي والسياسي في دول عربية مهمة، فسقطت أنظمة واهتزت لوقعها نظم لم يكن أشد المتفائلين يتوقع لوقت قريب أن تقدم أدنى تنازلات لصالح شعوبها.. ومن ثم نلقي في مقالنا هذا إطلالة على مفهوم الثورة وأسبابها ربما يتسنى لنا محاولة فهم ما يجري من حولنا..
مفهوم الثورة
إن التعريف الجامع المانع لمصطلح الثورة -على حد تعبير المناطقة - أمر يكاد يكون مستحيلًا، بسبب تنوع الفهم للمصطلح وتنوع اقترابات المفكرين منه، كل حسب إيديولوجيته وحسب اختصاصه.
فنجد من يستخدمه للدلالة على تغييرات فجائية وجذرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية، أي عندما يتم تغيير حكم قائم وتغيير النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية، وأحيانًا بصورة عنيفة.
كما يستخدم المصطلح للتعبير عن تغييرات جذرية في مجالات غير سياسية، كالعلم والفن والثقافة، لأن الثورة تعني التغيير، واستخدم مفهوم الثورة بالمعنى السياسي في أواخر القرون الوسطى، كما يستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة للتغييرات الجذرية والمفاجئة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية.
وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها: التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريًا وجوهريًا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية.
كما يعرفها كرين برنتون الثورة في كتابه دراسات تحليلية للثورات بقوله : إنها عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيان اجتماعي إلى بنيان اجتماعي آخر، ويرى أيضًا أنها تغيير في الحكومة القائمة يتجاوز الحد القانوني ويكون عنيفًا عادة.
وعرفها هاري ايكشتاين في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة.
ونجد بيتر أمان يقترب من المفهوم اقترابا آخر، إذ يرى أنها انكسار مؤقت أو طويل الأمد لاحتكار الدولة للسلطة يكون مصحوبًا بانخفاض الطاعة.
أما يوري كرازين فينظر لها بمنظار الأدبيات الماركسية في تحليل التطور الاجتماعي ويقول: إن معنى الثورة الاجتماعية ووظيفتها لا يمكن فهمها إلا حينما ننظر إلى تاريخ المجتمع على حقيقته كسلسلة متصلة من التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية، والثورة شكل من أشكال الانتقال من تشكيل إلى آخر،كما أنها قفزة من التشكيل الاقتصادي والاجتماعي البالي إلى تشكيل أكثر تقدمًا، تكون الخاصية المميزة السائدة له ومضمونه السياسي هو انتقال السلطة إلى الطبقات الثورية.
إذن كل التعريفات التي حاولت الاقتراب من مفهوم الثورة اتفقت على أنها نوع من التغيير الجذري والعميق يستهدف اكتشاف الأخطاء وبناء علاقات سليمة مكانها، تشيع العدل وتصنع التقدم.
وأما سبب الاختلاف في فهم المصطلح فيكون إما للاختلاف العقائدي أو لتباين التخصص العلمي، ويمكن أن نقول: الثورة أداة تطور تاريخي للمجتمعات الإنسانية، فهي حد فاصل بين النظام القديم والجديد، تحدث تغييرًا جذريًا للبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي، ويستهدف هذا التغيير إفراز منظومة تجسد مطالب الثوار وتحققها.

أسباب الثورات
إن الثورة إفراز لواقع اجتماعي، وهذا الواقع يختلف من مجتمع إلى آخر، لذلك لا يمكن الجزم بأسباب محددة بعينها تتوفر في كل الثورات، لأن كل ثورة هي وليدة سياق معين، لذا تتعدد الأسباب بتعدد الظروف.
فمنذ القديم شغلت الثورة الفلاسفة والمفكرين وبحثوا عن أبرز عواملها، فنجد أرسطو أفرد للثورة الفصل السابع من مؤلفه الشهير "السياسة"، حيث يعتقد أن أسباب قيام الثورة تعود إلى عدم المساواة.
كما أن أرسطو يرجع أسباب قيامها إلى عنصر أساس وهو عدم الرضا عن الوضع القائم، وقد اعتبر هذا هو العلة العامة التي تهيئ النفوس للثورة. وهناك من يحصر أسباب الثورة في العوامل الاقتصادية، ومن أبرز المنادين بهذا سان سيمون وماركس وكل اليساريين، إذ يرى سان سيمون أن التطور التاريخي للجماعات البشرية هو صراع دائم بين الطبقات الاقتصادية في المجتمع، بين من يملكون ومن لا يملكون، أما ماركس فيعتقد أن جميع الثورات مهما اختلفت أشكالها ذات طبيعة واحدة، فالثورة حسبه مرحلة طبيعية وحتمية في حياة المجتمعات، ويؤكد ماركس على علاقات الإنتاج والتوزيع والتي تؤدي إلى سلسلة من الثورات تنتهي بثورة البروليتاريا. وفي نفس الاتجاه نجد لينين ومن بعده دعاة نظرية التخلف، يؤكدون على أن التخلف عامل حاسم للتغيير، وبالتالي تصبح الثورة حتمية، حيث إن القهر والسخط الملتهب يمكن أن يخلق جوًا ثوريًا.
ويرجع هذا التخلف والفقر إلى سيطرة طبقة اوليجاركية على كل مصادر الدخل والرفاهية في المجتمع، وإهمال أو إغفال حاجيات الشعب بغالبية فئاته، وبالتالي يصبح الجو ملائمًا لنمو السخط والشقاق الاجتماعي، والذي غالبًا ما يواجه من قبل النظام القائم بالقمع، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد السخط بين الثوار.
وما يميز غالبًا حكم هذه الاوليجاركية اعتمادها على الآلة القمعية، وقمع المطالبات بالتغيير، لكن هذه الطبقة تهتز وتتخلخل بفعل الثورات الشعبية الناتجة عن عدم المساواة في التوزيع.
ولا يمكننا حصر الثورة في أسباب اقتصادية فقط، فعلماء النفس يؤكدون على أن هناك عوامل نفسية تهيئ الأذهان للثورة، مثل وجود الأوضاع الظالمة في المجتمع، إلى جانب إحساس الأفراد بالظلم الواقع عليهم.
إضافة إلى الظلم الاجتماعي
الناتج عن استئثار قلة من الناس بخيرات البلاد، ونظام الحكم العبودي الذي يؤدي إلى الكبت والقهر، مما يجعل الشعب يعيش حالة الخوف الدائم ويؤدي به في الأخير إلى الانفجار في وجه هذا الواقع.
ولعل الأسباب متعددة وتتقاطع فيها العديد من الثورات، وهذا ما أثبتته الثورات المتنامية في الوطن العربي ككرة الثلج بسبب الظلم الواقع على الشعوب، وعقود القهر المتوالية، إضافة إلى فشل قيام الدولة الوطنية المرتكزة على المواطنة، وبسبب سيطرة نخبة على مقدرات الشعوب، مما أدخلها في موجات من التخلف والفقر زاده الظلم والاستبداد المعتمد على الأجهزة الأمنية، ومما زاد سخط هذه الشعوب ثلاثية الاستبداد: الاستبداد السياسي، الاستبداد الاجتماعي، الاستبداد الاقتصادي.
فالاستبداد السياسي معروف بأنه احتكار الحكم، ومنع أي مشاركة للشرائح الشعبية والقوى المختلفة بتقاسم السلطة. أما الاستبداد الاجتماعي فهو وليد غياب العدالة الاجتماعية، وسيطرة فئة محدودة على المقدرات، وإقصاء غالبية البناء الاجتماعي، مما يفرز ظلمًا اجتماعيًا وأمراضًا داخل المجتمع نتيجة لهذا الواقع، ويشعر المواطن أن هذا النظام لا يعبر عنه، بل على فئة محدودة. والاستبداد الاقتصادي، هو احتكار المقدرات كما أسلفنا، لكن ظهر نمط جديد منه بسبب تزاوج المال والسلطة، أي تحالف رجال الأعمال والسياسيين، مما جعل الدولة والشعب وكل المقدرات في خدمة هذه الفئات، وأدى هذا إلى تركز رأس المال والعوائد في عدد محدود وقليل على حساب الغالبية، مما يفرز نموًا لعوائد رجال الأعمال، وفقرًا بسبب غياب التنمية، وهو نموذج تنموي مشوه.
ويرى جوستاف لوبون أن الثورة مجموعة من التحولات الفجائية في المعتقدات والأفكار والمذاهب، كما يرى أن المشاعر والعواطف هي دعائم المعتقدات السياسية والرئيسة. وهناك من علماء النفس من يرى الثورة تعبيرًا عن سيكولوجية الحشد، ويقارنونها مع الارتدادات إلى العقلية البدائية التي يمكن ملاحظتها في حالات الانهيار العصبي. ومن ثم فالأسباب عديدة ومتنوعة، وتختلف باختلاف السياق الزماني والمكاني وبتباين البناء الاجتماعي.

المأساة
توحد الشعوب
هكذا في كل مرة، تبدأ الأحداث بمأساة، لتتحول بفعل التداعيات والعوامل المختلفة إلى ما يشبه كرة الثلج المتدحرجة التي تكبر شيئًا فشيئًا. كان التوتر الاجتماعي قد بدأ منذ منتصف سنة 2008 في مدينة الرديف بالجنوب التونسي، وسقط آنذاك عدد من القتلى برصاص الشرطة، ليتجدد أيضًا في أواخر 2009. كان الدور هذه المرة على محمد العماري، وهو شاب ذو 25 ربيعًا، عاطل عن العمل منذ تخرجه من جامعة قفصة بشهادة الأستاذية في العلوم الفيزيائية. كان العماري أول من أصيب بطلق ناري في صدره خلال مواجهات مدينة منزل بوزيان. وتتجدد المأساة، رغم أن استخدام الرصاص الحيّ كان يعدّ من الأمور النادرة جدًا في تونس، نظرًا للقيود القانونية الصارمة التي تحكمه، حيث لم يسبق أن شهدت البلاد مصرع مواطنين برصاص قوات الأمن سوى في سنتي 1976 في مظاهرات النقابيين، و 1984 أثناء انتفاضة الخبز التي عمت أقطار المغرب العربي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
مشى الشاب العماري على خطا شاب موريتاني يدعى شيخ ولد الطالب النافع، لقي مصرعه هو الآخر على أيدي قوات الأمن سنة 2007 إبان ثورة الخبز أو انتفاضة الجياع في مدينة كنكوصه جنوبي موريتانيا. أما هذه المرة، فقد قرر شاب تونسي آخر عاطل عن العمل وممنوع من بيع الخضر والفواكه فوق عربته المتنقلة في مدينة سيدي بوزيد، أن لا ينتظر تلك الرصاصات الطائشة التي أودت بحياة زميليه الموريتاني والتونسي من قبل، فبادر هو بإحراق نفسه أمام مقر المحافظة احتجاجًا على الحرمان وتردي الأوضاع المعيشية في 17 ديسمبر 2010. هكذا بدأت قصة الثورة التونسية.. ومعها.. بدأ الربيع العربي.. وبقية القصة معروفة لدى الجميع.. على الأقل حتى الآن..

مراجع :
1- السياسة لأرسطو. ترجمة أحمد لطفي السيد.
2-  دراسة تحليلية للثورات. تأليف كرين برنتون وترجمة عبد العزيز فهمي.
3-  رأي في الثورات. تأليف حنه أريندت وتعريب خيري حماد.
4- الثورة والوجود..أسئلة الثورات العربية. تأليف الدكتور أيمن تعيلب.