حالة العرب النفسية بعد الثورات.. أمل تغلِّفه الكآبة

كتب بواسطة: عمرو محمد | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 3814

حالة العرب النفسية بعد الثورات..  أمل تغلِّفه الكآبة

نسخة للطباعة
على الرغم من مرور أكثر من عام على الثورات العربية، وما أعقب اندلاعها من تأثيرات على الحالة النفسية للمواطن العربي، إلا أن تداعيات هذه الحالة لا تزال قائمة في أوساط الرأي العام العربي، في الوقت الذي تدخل فيه هذه الثورات عامها الثاني.
هذه الحالة تنوعت بين حالة من الأمل والإحباط في آن، إذ أنه في ظل ما كانت هناك توقعات عديدة تذهب إلى أن الأوضاع في بلاد الثورات سوف تتحسن إيجابيًا بعد وقوعها مباشرة، إلا أن المفاجأة كانت في بروز حالة من الإحباط  في أوساط المواطنين العرب، إذ أن تداعيات الثورات لا تزال ماثلة في أحداث انعكست على الأمن والاستقرار والاقتصاد، وهو ما أصاب المواطنين بقدر من الكآبة المصحوبة بالإحباط.
مرد هذه الحالة يعود إلى أن أوساط الرأي العام العربي كان لديها اعتقاد جازم بأنه بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية فإنه سرعان ما يتحقق لها النهوض، وأن القدرة على البناء لن تكون بالصعوبة بمكان على نحو ما صار، ولذلك فإن ما حدث كان خلاف ذلك، للدرجة التي جعلت دولًا عربية تعود إلى المربع الأول بعد نجاح الثورات في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية.

الدور الأخطر
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الأخطر هو الدور الذي تلعبه أجهزة ووسائل الإعلام المختلفة من نشر ثقافة العنف بين جمهور الرأي العام، مما يكون له أبلغ الأثر في ردود فعل سلبية وغير إيجابية بين جمهور المتلقين، والتي قد تعمل على إثارة حالة من الحنق بين المواطنين، والسعي إلى الثراء السريع ومظاهر الحياة الجذابة التي يمكن بدون تحقيقها أن يسبب هذا التأثير الإعلامي حالة من الإحباط، مما يتطلب في المقابل توعية دينية للتمسك بالقيم والمبادئ والأخلاق العامة، والالتزام بالسياج الأسري والمجتمعي، خاصة وأن هذا السياج تتمتع به الأمة العربية والإسلامية.

استمرار الإحباط
بعد الثورات
وحسب علماء النفس، فإن تفسير هذا الأمر يرجع إلى أن رأس الأنظمة الاستبدادية هي فقط التي سقطت، وأن جسدها لا يزال قائمًا، ومع بقاء هذا الجسد يتم ارتكاب الكثير من الممارسات التي تسعى إلى إجهاض الثورات من ناحية، وعدم تحقيقها لأهدافها من ناحية أخرى، وهو ما سبق أن عبر عنه الرؤساء المخلوعون جميعا؛ "إما نحن أو الفوضى".
جسد الأنظمة هذه حاول إثارة أشكال عدة من الارتباط وإشاعة الفوضى والتخريب في بلاد الثورات، علاوة على ما ترافق معها من تدخلات إقليمية ودولية كبرى لتشويه الثورات، لتفرز ما يوصف بإعادة إنتاج للأنظمة التي سقطت، بحيث تتغير هيئات الأنظمة، على أن تظل أفكارها وتصوراتها باقية.
هذا الاعتقاد تطمح إليه الدول الكبرى التي فاجأتها الثورات العربية، تساعدها في ذلك بقايا الأنظمة الاستبدادية التي سقطت في الداخل، بعدما هالهم جميعًا حجم الهبات الشعبية التي انتفضت لتهتف حناجرها بإسقاط الأنظمة، ولذلك تدرك القوى الكبرى وأذنابها في الداخل العربي أن موازين القوى الجديدة ينبغي أن تخرج من رحمها، أملًا في الحفاظ على طبيعة الأنظمة السابقة، حتى وإن تبدلت هيئاتها بتغيير بعض الوجوه، والدفع بأخرى جديدة.
هذه الحالات كلها شكلت لدى أوساط الرأي العام العربي حالة من الإحباط، ودفعت في نفوسهم أشكالًا عدة من القلق بشأن مستقبل بلادهم، والتخوف من أن تكون كل هذه الأجواء بمثابة التمهيد لإعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية، بعدما عانت هذه الأوساط ردحًا طويلًا من الزمن من استبداد الأنظمة السابقة، وسددت لقاء ذلك آلاف الشهداء والمصابين، خلاف ما صاروا يفتقدونه من أمن وعدم استقرار اقتصادي، بفعل ما تعمل عليه الثورات المضادة.
وفي الوقت الذي حرص فيه بعض جمهور الرأي العام على التمسك والسير في المسار الديمقراطي، إلا أن هناك من أصابهم القلق فجعل هدفه استمرار الثورة، مفجرًا من وقت لآخر زخات ثورية جديدة، أو ما يعرف بأشكال جديدة من المد الثوري.
غير أن هناك فريقًا ثالثًا يبدو أنه أدرك أن الثورة في طورها الجديد، وأن أمامها وقت طويل محفوف بالغموض، مما دفعه إلى الدخول في كآبة وإحباط متلازمين، بل وعلى نطاق واسع، وهي ذات الشريحة التي كانت الأكثر تضررًا نتيجة التدهور الاقتصادي إبان الأنظمة الشمولية، فكان نتيجة ذلك أن هددت هذه الشريحة بالانتحار، على نحو ما يظهر في مصر من وقت لآخر من تهديد في أوساط الطبقة الدنيا، خلاف ما يحاول أن يقدم عليه بالفعل العاطلون من تهديد بالانتحار، وما واقعة إضرام أحد الشباب خلال شهر فبراير الماضي للنيران في جسده - أمام مجلس الشعب، الغرفة الأولى للبرلمان - عنا بعيد، وذلك بعدما ضاقت به السبل في البحث عن وظيفة، غير أن زملاءه من الشباب أفشلوا مخططه.
وعلى الرغم من أن هذه الأجواء كانت قائمة قبل اندلاع الثورات، إلا أن استمرارها ولو بنسب أقل يعكس خطورة تداعيات الثورات، نتيجة إلى أن أهدافها يمكن أن تتحقق بعد وقت طويل، وهو الأمر الذي قد لا يقبله كثيرون، في ظل ما عانت منه أوساط الطبقات الدنيا من معاناة اقتصادية واسعة.

غموض
الأمراض النفسية
ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن هناك ميلًا كبيرًا إلى الإصابة بالأمراض النفسية في الوطن العربي، وبروز اتجاهات سلبية لدى عامة الناس نحو المرضى النفسيين، إذ أن هذه الاتجاهات السلبية تسهم في إضافة متاعب المرضى النفسيين وزيادة عزلتهم عن المجتمع، كما يؤثر ذلك في مشاعر المرضى النفسيين، ويحول دون حصولهم على حقهم في الرعاية والاهتمام، وهو دليل على عدم تفهم طبيعة الأمراض النفسية ومعاناة المرضى النفسيين.
وتشير إلى ذلك دراسات أجريت في بعض المجتمعات العربية لتحديد اتجاهات العامة وطلاب الطب والأطباء الممارسين وطلاب أقسام علم النفس بالجامعات نحو المرضى النفسيين، إذ أظهرت هذه النتائج وجود اتجاه سلبي تمثل في النفور من المرضى النفسيين وعدم قبولهم في المجتمع.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أكثر الأشياء المسكوت عنها في حياة المواطن العربي هي الأمراض النفسية. فنادرًا ما تذكر الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الصحة، على الرغم أن تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة ينص على أنها لا تعني مجرد غياب المرض، وإنما التوصل إلى حال جيدة جسديًا ونفسيًا وعقليًا.
من هذه الأمراض الشيزوفرينيا، أي الانفصام في الشخصية، علاوة على الكآبة المزدوجة القطبية، فيما تعطي هذه الأمراض صورة قاتمة عن الاضطرابات النفسية، وهو ما يزيد من النفور منها. ويعني ذلك أنها تطغى على الصورة الأكثر واقعية عن تلك الاضطرابات التي تتكون في غالبيتها من اضطرابات أكثر شيوعًا وأخف حدة، مثل الكآبة والقلق والتوتر والخوف ووسواس الحصر القهري، يضاف إليها مرض النوبات الكهربائية.
وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن النسبة العامة لانتشار الأمراض النفسية والعقلية عالميًا، تتراوح بين 20 و25 في المائة، كما يتراوح معدل إصابة الفرد بعارض نفسي خلال حياته بين60 و70 في المائة. وهذه الأرقام ترتفع في المجتمعات التي تتقصى هذه الأمراض، بينما تنخفض في المجتمعات التي تدير ظهرها لتلك الاضطرابات، خصوصًا الدول النامية. والمفارقة أن البعض يفسر ذلك خطأ، فيستدل منها على انخفاض الإصابة بالاضطرابات النفسية – العقلية في الدول النامية، ومنها الدول العربية، فيما يبدو الحال فعليًا غير متطابق مع هذا التفسير.
ولذلك، تظهر صورة مركبة عن انتشار الأمراض النفسية والعقلية بشكل كبير في الدول النامية، خصوصًا العالم العربي، مع عدم الاعتراف بها، باعتبارها وصمة اجتماعية وثقافية، مما يجعل المجتمع مضطربًا، دون أن يعرف بذلك.
ومن أسباب هذه الأمراض، ما قامت من أجله الثورات ذاتها، مثل العبء الاجتماعي والاقتصادي، مما يؤدي إلى اضطراب في أداء الأفراد بالعمل، وانخفاض أدائهم مهنيًا.

الحالة النفسية
قبل الثورات
وعلى الرغم من أن الحالة النفسية لجمهور الرأي العام العربي تدهورت بعد الثورات، إلا أنها كانت قبلها أكثر تدهورًا، فمن عناوين الصحف قبل اندلاع الثورات، يجد المرء نفسه أصبح معتادًا على قراءة أنباء عن ارتكاب جرائم قتل، دون أن يكون للقارئ تصور بالسماع عنها أو مشاهدتها، أو يتخيل أن شخصًا ما يمكن أن يقدم على ارتكابها.
من هذه الجرائم، تلك التي كانت تتفشى في داخل نسيج المجتمع المصري، من جرائم قتل الأزواج لزوجاتهم، أو العكس، فضلًا عن جرائم قتل الأبناء لآبائهم، والعكس أيضًا، وهو ما يعكس خطورة ما كانت تصل إليه الجريمة  داخل الأسرة الواحدة، أو بين أربابها، الأمر الذي يكون من نتيجته حالة من التفسخ الاجتماعي الذي صارت إليه الأسر والمجتمع في آن.
هذه الجرائم حملت معها خطورة الابتعاد عن الالتزام بروح الدين، وعدم اتباع أوامره، فضلًا عما تشكله هذه الجرائم من خلخلة في بنية المجتمع، وتفكيك في نسيج الأسرة الواحدة، وهو ما تسبب عنه انزواء لثقافة التسامح، وتغييب لروح الحوار، حتى أصبح استخدام العنف الاجتماعي هو السبيل لحل الخلافات.
خبراء علم الاجتماع يرجعون ارتكاب هذه الجرائم إلى ارتفاع الأسعار، والبطالة، وعدم استطاعه رب الأسرة أن يوفر الاحتياجات الأساسية لأبنائه، من مأكل وملبس وتعليم، مما قد يؤدى إلى استخدام الآباء وأبنائهم للعنف في التعامل فيما بينهم من ناحية، أو حين التعامل مع المجتمع من ناحية أخرى.
وبإلقاء الضوء على تداعيات مشهد العنف الاجتماعي قبل وقوع الثورة المصرية، على سبيل المثال، تذكر الدراسات الأخصائية التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية أن العنف المجتمعي تعاظمت نسبه في الفترة الأخيرة، في الوقت الذي قلت فيه أسبابه، وأنه بعدما كانت أعمار المنتحرين بعد سن الستين، أصبح المنتحرون حاليًا تقف أعمارهم ما بين 30 إلى 35 عامًا.
وبعدما كان عدد المنتحرين يصلون في العام 2007 إلى 4 آلاف منتحر، أصبحوا 5 آلاف حالة  في العام 2008، وفي العام التالي وصل عددهم إلى 5523 منتحرًا، وهو ما يعني أن العدد آخذ في التزايد عامًا بعد الآخر، مما كان له وقعه بزيادة هذا العدد قبل وقوع الثورة بأقل من شهر