هذا جُمْدَان

كتب بواسطة: عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 8393

هذا جُمْدَان

نسخة للطباعة
لما مر صلى الله عليه وسلم بالدُّفِّ بحذاء جبل جُمْدَان، وهو في طريقه إلى مكة في حجة الوداع إتكأ على مؤخر رحله، ثم قال: «أين السابقونَ؟». قالوا: يا رسولَ الله، قد مضى ناسٌ وتخلَّفَ ناسٌ. فقال: «سيروا، هذا جُمْدان، سبق المُفَرِّدُونَ، سبق المُفَرِّدُونَ». قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رسولَ الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكراتُ، الذين يُهْتَرُونَ -أي: يولعون- في ذكر الله، يضع الذكرُ عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خِفافًا»(1).
ولقد كنت أتساءل كلما قرأت هذا الحديث، كما تساءل ياقوت الحموي في معجم البلدان (2/161) حيث قال: (ولا أدري ما الجامع بين سبق المفردون ورواية جُمْدَان، ومعلوم أن الذاكرين الله كثيرًا سابقون وإن لم يروا جُمْدَان، ولم أر أحدًا ممن فسر الحديث ذكر في ذلك شيئًا). ا.هـ
ولكني كنتُ على يقين أن ثمة مناسبة، وذهبتُ إلى جبل جُمْدَان وهو بالدُّفِّ وتسمى اليوم خُليص، والجبل معروف هناك، ولم أر في منظر الجبل ما يكشف عن معنى جلي ظاهر، ولكن عند التأمل نستشف معنى لطيفًا، وهو أن جُمْدَان جبل على الطريق من المدينة إلى مكة، وهو أقرب إلى مكة بينه وبينها نحو 100 كيلو، فهو المبشِّر بقرب الوصول إلى غاية السفر وهي مكة، والسابق إليه قد سبق في سفره، والمُفَرِّدُ هو الذي ليس معه إلا بعيره، وهذا يكون خفيفًا سريعًا سابقًا، فلفت صلى الله عليه وآله وسلم البصائر إلى معنى أعظم وهو السبق في الآخرة، فإذا كان المفرِّدون قد سبقوا فتجاوزا جُمْدَان قبل غيرهم وسيصلون إلى غايتهم مكة قبل أن يصل ثقل الركب، فكذلك السابقون في الآخرة هم الذين يأتون خفافًا من الأوزار، فيسبقون وهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات؛  لأن إكثارهم للذكر يضع عنهم أثقال خطاياهم، فيسبقون غيرهم من المثقلين.
فانظر إلى لطف الإشارة، وقصر الدرس مع بلاغته، وكثرة الشواهد والمشاهد والأمثلة فيه، وحسن الربط بين معالم الطبيعة ومعالم الدين، وبين المُشَاهد الحسي والغائب المعنوي.
ثم انظر كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم مسيره في هذا الطريق عامرًا بهذه اللفتات الرائعة، والمعاني الجميلة، فيُعلِّم ويدل على فضائل الخير، ويُرَغِّب فيها بهذا الأسلوب الرشيق الوجيز، فصلوات الله وبركاته عليه، أتمَّها وأعظَمها.

الإيمان بلهجة محلية
كم يشدك اليقين بالله عندما يخرج بتعبير واضح سهل، يرسم بوضوح ما في قلب صاحبه، بعيدًا عن التكلف والتنميق الذي يبعد المعنى ويتعمل في صنعه.
وهذا يخرج عادة من المؤمنين بعمق، وإن كان حظهم من العلم قليلًا.
شدني بعد قدومي من الحج لقاء لأحد أهلنا من مصر، وهو رجل كبير في السن في الخامسة والسبعين، لقيته قبل أن يذهب للحج، فإذا فيه تحفز، وإذا غضون وجهه تضج بأشواق اللقاء الموعود، ثم لقيته بعد عوده من الحج فإذا كل آيات الاغتباط والسكينة والظفر تقرأ على وجهه، فسألته: تقبل الله يا حاج، إزاي الحج وياك؟ 
فأجابني ولموع اليقين يشع من عينيه: الحمد لله، دحنا كل اللي عاوزينه ألناه، كل اللي عاوزينه ألناه.
كانت عبارة أخذت مني كل مأخذ، فمعنى كلامه: لقد وفدنا على الله وسألناه كل ما نريد، فكل ما نريد قلناه.
وكان يردد: (كل اللي إحنا عاوزينه ألناه) وكأن كل مسألة قد أجيبت وكل دعوة قد قبلت، وكل رجاء قد تحقق، أما كان الوفود على الغني الكريم؟ ووجدت تمام التطابق بين هذه الكلمة وكلمة عمر: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء). وقلت: إن ربي أكرم من أن يخيب رجاء هذه النفوس الطيبة والقلوب المؤمنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - ينظر: «مسند أحمد» (8290، 9332)، و«صحيح مسلم» (2676)، و«جامع الترمذي» (3596)، و«صحيح ابن حبان» (858)، و«المعجم الأوسط» للطبراني (2773)، و«المستدرك» (1/495)، و«شعب الإيمان» (502-504)، و«الدعوات الكبير» للبيهقي (18)، و«الترغيب والترهيب» لقِوام السنة (1353)، و«فضيلة الذكر» لابن عساكر (9)، و«جامع العلوم والحكم» (2/52)، و«إتحاف الخيرة المهرة» (6052)، و«المطالب العالية» (3392)، و«نتائج الأفكار» (1/32).