معتقدات وقوانين قامعة

كتب بواسطة: جمانة زيني | في رأي . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2291

معتقدات وقوانين قامعة

نسخة للطباعة
أجيج  مشاعر داخلية تصرخ بأعلى صوتها معلنة ومطالبة بفك حصارها، في المقابل قيود خارجية، وقوانين اجتماعية صارمة، ومعتقدات لا تقبل النقاش.
فكل ما تطالب به الأنظمة والمؤسسات، سياسيةً كانت أم اجتماعية، أم اقتصاديةً، أم تربويةً وتعليمية، هو الالتزام بالعقلانية والتركيز على مهارات التفكير وطرق تنميتها، مهمشة العواطف، وقد لا تقتصر على أن تكون مهمشةً لها فقط، لا بل وقامعة، كابحة، مهاجمةً لها، كل ذلك حفاظاً على العقلانية.
أصبحت المشاعر كعدوّ يجب إمّا أن يرضَخ لقوانيننا ومعتقداتنا التي لا أساس لها من الصحة، أو أن توأد وتقتل تلك المشاعر، أو تنفى بعيداً.
وما أثبتته الدراسات الحديثة، بعد أن بدأ الوعي يزداد قليلاً في هذا المجال. إن كثيراً من المتفوقين دراسياً ليس بالضرورة أن يكونوا ناجحين في مجالات الحياة الأخرى، وقد يجدون صعوبات كثيرة تواجههم في علاقاتهم الزواجية أو الاجتماعية بشكل أعم وقد تتطور الأمور لتصل بهم إلى عدم قدرتهم على فهم أنفسهم أو تكوين علاقات مع ذاتهم وكيانهم الداخلي مما قد يصل بنا في آخر المطاف إلى المعاناة من الأمراض النفسية، وذلك ما يوضّح لنا بشكل كبير تزايد عدد مرتادي المستشفيات أو مكاتب الاستشارات النفسية.
والعكس كذلك فقد يمتلك البعض معدلات ذكاء عقلية عادية، في المقابل يتميزون بقدرة عجيبة على تكوين العلاقات والحصول على الحب من الجميع.
الحديث في باب المشاعر والانفعالات والوجدانيات إن أردنا الحديث عنه يطول، فله جوانب و أبعاد كثيرة.
لكن ما يهم الآن هو أن نعي خطورة كبتنا وإهمالنا وتهميشنا لتلك المشاعر، لا أقول هنا بأن نطلق لها العنان في كل الاتجاهات، لكن لكل انفعال جانبين إما ايجابي وإما سلبي، ولنأخذ على سبيل المثال انفعال الغضب، هو انفعال طبيعي ومن لا يشعر به إنسان معتل داخلياً، يسمى بالمتبلد.
فالذكاء الانفعالي: هو أن أعيش وأتعايش الحياة بالمشاعر، بتناغم متناه بين الشعور والسلوك، بتوازن متبادل، لا قمع ولا إفراط. أن أوجه الانفعال المناسب، للشخص أو الشيء المناسب، في الوقت المناسب، وبالقدر المناسب، وبالكيفية الصحيحة المناسبة أيضا كما ذكر أرسطو "من السهل على الإنسان أن يغضب، لكن ما ليس سهلاً هو أن يتوجه الغضب نحو الشخص المناسب، بالدرجة المناسبة وفي الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة"
ذكاء المشاعر لا يعني أن ندع مشاعرنا هي من تتحكم فينا ونحن ننقاد خلفها كأتباع فقط، لا حاكم ولا محكوم، لا عقل يحكم ويهيمن، ولا عاطفة تطغى وتثور، هي عملية تبادلية، تكاملية.
هي باختصار أن تضع كل شيء في مكانه المناسب، العقل، المشاعر، وتوظيفها وفق مهارات معينة وسلوكيات تمثل ذلك التوازن فيما بينهم
ومما تعنيه كلمة ذكاء المشاعر أيضاً هو أن يدرك الشخص مشاعره ومشاعر الآخرين من حوله، فأحياناً كثيرة ظاهرياً، تطفو لنا مشاعر معينة، لكن إن بحثنا في عمقنا الداخلي أكثر وجدنا مشاعر مغايرة تماماً هي الأساس في ردة فعلنا.
والارتباط بين الأفكار والمشاعر واضح أيضا بشكل جليّ، فعندما يكون الإنسان واعياً بذاته في لحظة حدوث ردة فعل معينة أو مشاعر معينة، وبالتركيز العميق في الداخل يجد أن مصدر تلك المشاعر هي أنماط التفكير المختلفة التي ينتجها ذلك العقل، و أغلبها أفكار لا عقلانية، صارمة، يضع لها العقل دلائل لصحتها فتصدقها المشاعر وتنتج ردة الفعل أياً كانت بناءً على ذلك.
والعكس كذلك فالإنسان والشخصية المتشائمة المحبطة لن تعطي للعقل مجالا سوى للتفكير بكل ما هو سلبي ولن تمكنه من التفكير الإيجابي، وأحياناً لا تمكنه من التفكير أصلاً في وقت يكون هو في أمس الحاجة لذلك و أثبتت ذلك دراسات كثيرة، وتطوير تلك المهارات لدى الإنسان ممكنة وسهلة، أيضاً كتعلم العلم في الجوانب المادية لا تختلف كثيراً سوى في تقنياتها، كما قال صلى الله عليه وسلم "العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم" هي تحتاج فقط لقليل من الصبر والوعي والرغبة الجادة في عيش الحياة بشكل مغاير عما اعتدنا عليه.
ختاما أذكر حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"  وأخلاقنا تظهر في معاملاتنا أي سلوكياتنا وردود أفعالنا، وهي نتاج تفكيرنا ومشاعرنا ولا يملك أحد منّا سوى هذه الحياة التي نعيشها، فهي اختيارنا وهي ما تحدد مصيرنا سواء قررنا أن نعيشها بوعي أو بغير ذلك، هنا العمل وهناك الجزاء، فلننعم بحياة هانئة، متزنة، مليئة بالحب والسعادة، ولنرتقي بمشاعرنا أولا فهي جنة قلوبنا وحياتنا حتى نصل إلى مرادنا ومبتغانا ونعيم دائم لا ينقطع