رأي الشارع العام

كتب بواسطة: عبدالرحمن الجوهري | في رأي . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2399

رأي الشارع العام

نسخة للطباعة
(1)
جميلٌ, أنيقٌ, أرصفته مزوّقة بعناية خبيرة تجميل, وأشجاره الكثّة تنتصب برغم الظهيرة والصيف والعناء.. خضراءُ غنّاء. كلّ ما فيه رائعٌ ووسيمٌ ونظيف, سيّاراته التي تعبره, قططه المتجوّلة على أرصفته, أعمدة إنارتهِ الساطعة, وحده هذا المتسوّل, من يقطعه ماشياً. ووحده من يشوّه نصاعةَ الطريق.
(2)
كئيب, خاوٍ, ممتلئ بحفر كجدريّ في وجه مسنّ, أشجاره بقايا أحطاب, ينغلق في أيّ لحظة, ينسدّ في أي حين, مترعٌ بأطفالٍ حفاة, يتكدّسونَ راكضينَ خلفَ كرةٍ “مربّعةٍ”, لا سيّاراتٍ كثيرة تلجه, لذا لا يحتاج لترميمٍ ولا إصلاح, شارع «الإحسان», هكذا أسمته بلديّة مدينتنا, شارع فرعيّ لحيّ جنوب المدينة. يسأل نفسه مقارنةً بـ«طريق الملك», هل خنتُ أقدامهم يوماً.
(3)
ملتوٍّ كأفعى, متحالف مع حركة نقل المعلّمات, صمّمه مهندس طردته بلاده الغريبة, فقرّر معاقبة الزملاء الآخرينَ في كوكب الحياة, كلّ شبرٍ في هذا الطريق يحتفظ بذكرى كارثة, بملامح مصيبة, بملمس جلد, وطعم دم, ورائحة شواءٍ بوقتِ ظهيرة. أسودُ ليلاً كقلبِ فاجر, أبيض نهاراً كعيني أعمى, هكذا يبدو هذا الطريق/الشريانُ الذي كلّفوه ربطَ ما يقبع خلف الوطن, جنوبهُ البعيد, بأوسطه وشماله الممتدّ كصحراء.
(4)
مضاء ببهرجة, ساطع ببذخ, تنزل فتاة وتركب أخريان, بحذاءٍ ثمين, ونظراتٍ رخيصة. ويتسكّع مراهقون, تمخر عبابه الأسود فارهات المراكب, لامعات الجوانب, تتهافت فوقه الأرقام, أرقام المحال التجارية, الدعايات, المطاعم والمقاهي والمشافي التي عادة ما تكون نقطة النهاية لمرتاد المحال التي قبلها, أرقام التافهين المتهافتينَ بحثا عن فرائسَ «هزيلة» لا تعرف الهروب كثيرا, أرقام اللوحاتِ المميّزة للمركبات, هذا الطريق ?يبدو منهَكا في أوّل الليل, لكثرة ما تعاقبت على متنه الأقدام والإطارات والأحذية, وبرغم امتلاءِ أعين الفقراءِ فيه بـ”المرارة”, إلا أنّهم يطلقون عليه: شارع التحلية.
(5)
يسمع هذا الشارع أنينَ المرأةِ في هذا البيت, يسمع بكاءها أحيانا, لكنّها منذ غادرت البيت, صار البكاء رهنا بالأبناء, والأنين لزاماً على شبهِ أبٍ يذكر كيف أرغمها وهماً على تركِ الأمومةِ قسرا, يعرف هذا الشارع أكثر من الآخرينَ ?معنى أن تكون دوحة البيت الكبرى: أما.
(6)
يجرحون/ يحرجون هذا الشارع المنعطف, بنقطة التفتيش التي ينصبونها على ظهره بغتة, يشعر بالحرج, كلّ الذين وثقوا فيه, أحسّوا بالفجاءة, حين أوقفهم رجل الأمن بغتة, ولأنّهم لم يلتزموا بأمرٍ ما, تنقص مدّخراتهم قليلا, ما يزهي هذا الشارع قليلا, يخفّف من ألم نكثهِ, كونه يعدّ نفسه أحدَ جنود الوطن, يتمدّد بخضوعِ مسنّ أمام أحفاده, لكي يعبر الجنود الآخرون من على ظهره نحو ضفّة انتصارهم جميعاً.
(7)
حين تمطرُ فجأة, يختنق الشارع فجأةً أيضا, مسؤولو المواصلات, لم يعلّموه السباحة من قبل, يصرخ: إنّي أغرقُ..أغرق, ما أخبروه, ولا وضعوا في حسبانه أن يغرقَ حزناً من أجل فرحةِ آخرين, يحتدّ معارضًا, يعطّل السيّارات التي تعبره آن المطر, يغضب أكثر, يهدّد بشلّ المدينة بأكملها, وقد تتضامن معه بقيّة الأزقّة, حتى حين لا تمطر فجأة, حين يأتي الشتاء, يظلّ هذا الطريق رهنًا لمزاجِ مسؤول, إن شاء دفّأه, وإن شاء ليبقى غريقاً والعابرينَ فيه.
(8)
يزيّنونه على حينِ غرّة, يصقلون وجهَه, يسقون نخيله الجدباء, أنهارًا من ماء, كي تخضرّ سريعاً وقد تثمر, يعلّقون عليه شالات ملوّنةً, شعارات برّاقة, أعلاماً مزوّقة, يقوّمون معوجّ أعمدةِ إضاءاته, يرتقون/ يردمونَ جراحه الفاغرة, ويستأصلونَ/يزيلون أثاليله النابتةِ رغم تكالب الدهس والدعس والمسيرات. فجأة يستحيل لئلا يعرفَ نفسه, يصرخ بهم الشارع الذي قرّر الأمين أن يمرقَ بموكبه عليهِ ذات ساعةٍ/لحظةٍ من نهار: هل أنا أنا؟
(9)
الشارعان, المؤدّي للمطار, والآتي منه. ما أجملهما, كونهما آخر من يودّعك, وأوّل من يستقبلك. يعرفان حزنَ وجوه الراحلين, ويحسّان بوقعِ فرحِ?الآتين. رائعانِ هما, لكنّكَ?حين تتعمّق في شوارع المدينة, أو تصّاعد في سحابات السماء, حتى تكونَ رهناً لـ«مطبّات» شوارعيّةّ وهوائيّة, وبين النهايتين المفزعتين, تمتدّ كثيرٌ من طرقات, تعرف مالا يعرفه العابرون, وتدرك من المدينةِ مالا يدركه سكّانها. لذا.. ليس غريباً أن يطلقوا على رأي الشعبِ، أو الوطنِ, رأي الشارعِ العام