مستقبل الوعي النفسي السعودي

كتب بواسطة: أحمد منظور | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 3128

مستقبل الوعي  النفسي السعودي

نسخة للطباعة
كل مجتمع لديه عدسات مكبرة للوعي الفردي والمجتمعي والمؤسساتي في ثقافة الصحة النفسية. لكن قد تكون هذه العدسات معدومة أو مكسورة أو غير واضحة بسبب بعض العوائق والحجب المرئية والغير مرئية التي تعيق الرؤية وتؤثر في عملية الوعي النفسي للمجتمع.
فأحد أكثر الحجب كثافة وانتشارا في العالم هي: "فكرة المرض" وأصبحت هذه الفكرة من الافكار المسلم بها. بل أصبحت لها مؤسساتها ومنتجاتها وسياساتها ابتداء من المخرج التعليمي المتخصص في الشؤون النفسية أو مؤسسات صناعة الدواء "صناعة المرض" وانتهاء بالمؤسسات العلاجية النفسية.
في مجال العلاج النفسي هنالك تصوران ينطلق منها أصحابها. التصور الأول: وهي فكرة المرض والتصور الثاني وهي فكرة الصحة. لماذا فكرة المرض متقدمة على فكرة الصحة؟ لأسباب كثيرة منها أن سوق "فكرة المرض" جذورها مرتبطة   بالحركة الاقتصادية، والثقافة الاجتماعية، والمصلحة الشخصية وليس هنالك اعتبار للإنسان أو صحته النفسية.
على سبيل المثال لما يأتي إنسان إلى مستشفى أو مركز تدريب ليعالج نفسه، فالطبيب المعالج "المحاكم" بعد ما يستمع له ويفهم مشكلته بعدها يصنف المريض من خلال كتابهم المقدس واسمه icd10 أو اختبارات أو خبرات طبية لا واعية  فيصبح لديه دكتوراه في فكرة الامراض، فيبلغه بأنه مصاب بالمرض الفلاني ويحتاج للدواء الفلاني. أو يحوله الى إخصائي إذا لم تكن حالته  خطيرة فيحول  للأخصائي النفسي "المحاكم لثاني" ليكرر عليه فكرة المرض الذي فيه وقد لا يكون المرض فيه  فيوهمه بالمرض الذي عنده فيصدقه .لماذا يستجيب "المحتاج للمساعدة" بسرعة للطبيب أو الأخصائي؟ لأن لديه القابلية من صغره للاستجابة العمياء للطبيب أو الاخصائي ولأنه مشبع في لا وعيه بفكرة المرض. وهل هذا يعني أن الانسان لا يمرض نفسيا أو لا يراجع طبيب ؟ الجواب له أبعاد كثيرة أولا أن جوهر النفس لا يمرض أبدا ولكن استخدام  الإنسان للعقل باستمرار وبدون انقطاع هو من أكثر الاسباب المؤثرة بشكل كبير في اختلاله السلوكي وهذا الجواب باختصار. ولو تتبعنا قليلا ضخامة وجود فكرة المرض فقط اذهب للمستشفيات العامة والنفسية .فالمستشفيات النفسية إما أن تكون مصحات عقلية أو عيادات علاجية للأمراض أي أنها سوق كبير جدا لنماء "فكرة المرض" وليس الصحة. وما أريد طرحه كرؤية جديدة في الوعي النفسي للمجتمع هو أن نجعل فكرة الصحة أولا ثم فكرة المرض ثانيا؛ لأننا لو جعلناها أولا فلن تجد أحد يذهب للعيادات لأنه سوف يكتب على باب العيادات للتقبيل لأسباب خاصة وسوف يصبح المعالجون هم الوحيدين المرضى لأن غذاءهم هو فكرة المرض فإذا لم يجد أحد يصدر لها فكرته سوف يصدرها لنفسه ويعيش في دائرة المرض .فإذا فتحنا دائرة الصحة أولا وجعلنا لهذه الفكرة مؤسسات وجامعات ودراسات وأبحاث تعمل من أجل الصحة فسوف يكون السلوك الفردي والجمعي سلوك حضاريا ناضجا نحو عملية الصحة الانمائية والصحة الوقائية التي تنتج صحة علاجية واعية وليست غير واعية .فلو افترضنا أن فكرة الصحة أصبحت هي الأساس كيف سيكون حال المجتمع ؟.أولا سوف تجد نواد للصحة النفسية وسوف تجد نقاطا للدعم الصحي النفسي في كل حي بل سوف تنتشر منتجعات الصحة النفسية.
وبذلك يصبح لدى كل فرد ثقافة عميقة للشفاء لا يحتاج معها إلى اللجوء الى مؤسسة المرض، إلا وقت الضرورة لأنه أصبح لديه نماء نفسي، وقاية نفسية وصحة جسدية. وهذا سوف يخفف أي أضرار حسية أو جسدية أو نفسية سواء انتحارية أو مشاكل نفسية عميقة، فإذا أنا هنا لا أدعو إلى إغلاق العيادات والمراكز النفسية بل أدعو إلى توسيع دائرة تصورنا حول أبعاد الإنسان وحول أبعاد مجال الصحة النفسية لكي نخرج من دائرة العيادات الضيقة "فكرة المرض" إلى دائرة المنتجعات الواسعة "فكرة الصحة" التي تساعد المختص في الشؤون النفسية بالتحرك بسهولة نحو خدمة واعية للإنسان المحتاج للمساعدة. فعندما نتحول الى مجتمع صحي حينها يكون لدينا مجتمع منتج وواع بحقوقه النفسية، فنختم ونقول إذا تحول الفرد إلى إنسان واع بصحته وحقوقه النفسية سوف يتحول المجتمع إلى مجتمع واع صحيا. وليكن شعارنا في كل منزل الصحة أولا