الرواية العربية نصل آخر في خاصرة الحكومات

كتب بواسطة: نجوى العتيبي | في قراءة نقدية . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2546

الرواية العربية  نصل آخر في خاصرة الحكومات

نسخة للطباعة
الظواهر الأدبية هي من أهم أنساق المجتمع، بل والأكثر تأثيراً وتأثراً، وهذا يفسر لنا سبب بزوغ ظاهرة أدبية في عصر ما على حساب الأخرى؛ فلكل ظاهرة أو فن دواعيه وأسباب لولادته. لذا نجد أن "ليون تروتسكي" في كتابه "الأدب والثورة" (1942م)، يؤكد أن لكل مجتمع أدبه الخاص، وله الحرية المطلقة في التعبير عن آلامه بالصورة التي يراها تناسب هذا الشجن الشعوبي.
وإن حاولنا طي الخارطة الزمنية والموضوعاتية للفن الروائي للفن الروائي "الثوري الداخلي" نحصل أن البدايات كانت روسية مع "مكسيم غوركي" في رواية "الأم" عام (1905م) بعد الثورة الروسية، نرى أن ثمة روحا كامنة للثورة خلف قناع الرمز، بعكس ما نلمسه عند سابقيه من كتاب الرواية مثل: كارامزين، وبوشكين، ودوستويفسكي، وتولستوي، الذي كان إبداعهم يشي بطابع الاستجداء، وطلب الرحمة.
ويبدو أن "غوركي" فطن أن هذا اللون من الاستجداء لا طائل منه، وجنح لأمر الثورة الرمزية التي ربما تكون ثورة (1905م) الخائبة من أهم محرضاتها في نفسه.
في ثمانينات العالم العربي .. نجد الفن الروائي الصورة الأقرب للموضوعية من الشعر وغيره، في التعبير عن تجربة المنفى الروحي، وسلب الحقوق، وغياب الجو الديموقراطي بصورة أكثر أماناً. وقد يثار تساؤل في هذا الموضع: لماذا سلك الكتاب هذا المنهج وإن كان رمزيا آنذاك، بالرغم من وجود فنون أخرى في الأدب ومن أهمها الشعر؟ نقول: إن شخصية العربي القديم كانت معتادة على أساليب الحروب والثورات والتمرد، فلم يكن يلزمها سوى جرس قافية أو سجع منبري لحظي، تلك الشخصية طمرتها حياة الحضارة وسلبت منها الفكر النضالي، إضافة إلى الخيبات المتتالية على المجتمع العربي. فجاء هذا الفن ليعطي نماذج و"خططاً" أشبه بالعسكرية باعثا النبض الثوري.
ظهر هذا النبض في روايات "نجيب محفوظ" بتجل ووضوح كما في روايته "الباقي من الزمن ساعة" (1982م) لكن نجد أن الروائي كعادته يسقط على السياسة من خلال قصة عائلة ذات طابع اجتماعي بحت للوهلة الأولى، لكن مع إمعان النظر نلمح أن سراديب تكتز برسالة مشفرة، مفادها الثورة فحسب.
في المقابل يحتفي الروائي "عبدالرحمن منيف" بآلامه في خماسية "مدن الملح" (1984- 1989م) التي كانت عالما افتراضيا مكتوبا بماء الواقع، فهو يضرب على وتر الاقتصاد السياسي. ولو نلحظ النماذج السابقة ما هي إلا عدسة راصدة للحدث والواقع آنذاك، والروح الثورية كانت تتوارى خلف حجب الرمز والقناع في قصة اجتماعية تطفو على السطح.
لم تكن تلك النماذج ونظيراتها في تلك الفترة، محرضاً حقيقياً مباشراً؛ لأنها اكتفت برصد الواقع ولم تستشرف المستقبل بصورة ناضجة أو محفزة، لكن ظهور هذا الإنتاج وبهذا الكمّ والكيف، يُحسب للأديب في ذلك الوقت خاصة في ظل ظروف كتابتها من مدى تقبل السلطة والشعب لهذا النوع من الأدب الناقد، وكأن بكتابنا يقولون: "سياسة المجتمع بحاجة لسياسة الأدب، ولحظة المكاشفة تكون في الثورة فقط"!.
اليوم .. الساحة العربية "وصلت القلوب الحناجر"، ومصداقا لقول "تروتسكي" السابق، نكاد نجزم أن سياسة الأدباء السابقين "رواية التخييل السياسية" التي تتقنع بالرمز لم يعد هذا العصر بروحه لها باتساع، ستحل بدلا عنها "الرواية السياسية" لأن الأمر ببساطة: قد كانت الرواية في السابق ترمز للثورة وتحاول أن تحرض عليها، بينما رواية اليوم تشهد الثورة، حتما ستكون السجل التاريخي لها ولن تكتفي بذلك، بل ستضرم النار في الهشيم تحت شعارات سياسية واقعية، والتي قد توقعها في التقريرية والمباشرة؛ لذا نكاد نستشرف بنية ذلك الفن الروائي الجديد ذا العقد المركبة، واللغة الجافة، وبنيته الخطابية الحادة والمباشرة التي توازي اللسان السياسي. نستطيع القول أخيراً، بأن ثورة الواقع العربي ستجعلنا نشهد ثورة القلم الروائي الذي سيمنح المستقبل بعداً سياسياً آخر

فاصلة: الثورة قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن - جيفارا.