عندما يغفل العرب عن القراءة

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 6709

عندما يغفل العرب  عن القراءة

نسخة للطباعة
الناظر إلى نسب القراءة بالعالم العربي يجدها متدنية للغاية، إذا ما قورنت بالنسبة الأخرى في بلدان العالم، وفق ما تذهب إليه الكثير من الدراسات والإحصاءات الرسمية والأخرى غير الرسمية.
وعلى الرغم من أن أمة "اقرأ" هي بالأساس التي وُجِّه إليها الخطاب القرآني الكريم منذ أكثر من 1400 عام، لحثها على القراءة والتعلم، إلا أنها أصبحت بفعل مؤثرات عدة أقل الأمم قراءة، إن لم تكن منعدمة القراءة، إلا من قراءة كل ما هو غير مفيد، مما يجعل الكثير من الإحصاءات تذهب إلى تراجع نسب القراءة في العالم العربي من عام إلى آخر.
وفي الوقت الذي تؤدي فيه الكثير من الأسباب إلى عزوف العرب عن القراءة، إلا أن هناك أممًا أخرى كان لها أسبابها في العزوف عن القراءة، لعل أبرزها الجانب التقني، المتمثل في التكنولوجيا، في الوقت الذي يفتقر فيه العرب لهذا السبب وغيره، على نحو ما سيتم إبرازه لاحقًا.
ولاشك أن للتكنولوجيا تأثيرًا كبيرًا على القراءة، فقد ساهمت الثورة المعرفية بفعل التأثيرات التكنولوجية في إحداث نقلة نوعية في القراءة لدى قطاع عريض من المتلقين للشبكة العنكبوتية على مختلف شرائحهم، بفعل التعاطي مع جهاز "الكمبيوتر" وفهم لغته، حتى أضحت لغته سهلة وسريعة للمعرفة.
يأتي ذلك في الوقت الذي أصبحت فيه جميع شرائح المتلقين يتعاملون مع "الانترنت" على أنه وسيلة معرفية، بعدما كان ينظر إليه بعضهم في بداية الثورة التكنولوجية على أنه لا يعدو وسيلة لـ"التسلية" عبر غرف "الدردشة" أو التعاطي مع برامج "الماسنجر"، أو النظر إليه على أساس أنه يقدم للأطفال والشباب ألعابًا مختلفة.
وعلى الرغم من انتشار العديد من المواقع الثقافية العربية، والدفع بمطويات ورقية لتصبح اليكترونية، ببث دوريات ثقافية كانت في الأساس مطبوعة أو ورقية، إلا أن العزوف عن القراءة لا يزال حاضرًا وبامتياز، وكان نتيجة ذلك اتساع رقعة المعرفة والقراءة، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن على مستوًى أبعد، على الرغم من حالة الزخم الذي أحدثته الشبكة الالكترونية بالحث على القراءة.
ومع ذلك، فإنه وفي ظل إنشاء مواقع اليكترونية، سواء كانت ثقافية أو معرفية لصالح مؤسسات دولية، فإنها ساهمت وبقدر كبير في إحداث حالة من الزخم والنهم على القراءة، والإقبال عليها بدول العالم، على عكس ما هو حاصل في العالم العربي الذي يجري الحديث فيه عن الأمية الهجائية، وليس الأمية الالكترونية، والتي تجاوزها الكثير من الأمم التي كانت بالأمس القريب تعاني من الأمية القرائية، مما يعني عدم استفادة العرب من حالة الحراك الالكترونية، على الرغم مما أحدثته الثورة التكنولوجية والمعرفية من تطور يسود العالم، وفق ما صار يوصف بــ "القرية الصغيرة".
وكما كانت هناك انعكاسات للثورة التكنولوجية على القراءة، فقد كانت لها آثار ايجابية أيضًا على الكتاب، بعدما ساهمت في إحداث انتشار واسع أيضًا للكتاب، من خلال تعدد وتنوع المواقع المعرفية المختلفة التي تقدم الكتاب. إلا أنه في المقابل، فقد كانت لها انعكاسات سلبية جراء هذه الثورة على الكتَّاب أنفسهم، منها السطو على حقوقهم الفكرية المختلفة، والجور على إبداعاتهم.
وعلى الرغم من أن هذه القضايا لا يعاني منها العرب كثيرًا، بقدر ما تعني القرّاء الآخرين بدول العالم، فإنها تمس -بصورة أو بأخرى- العرب، في ظل ما صار يبدو في دائرة المشهد الإبداعي بتلك الأزمة التي يعانيها المؤلفون، بالسطو على إبداعاتهم بطرق رخيصة، تخالف روح الأمانة، وقوة القانون الذي يضمن الحماية الفكرية لأعمال المؤلفين. غير أنه ما من شك في أن العزوف عن القراءة أصبح يؤرق قطاعات عديدة بدول العالم، وإن كان للعرب النصيب الأكبر في ذلك، لتدني نسب إقبالهم على القراءة.

عزوف عربي
العزوف العربي عن القراءة، وبرغم أن له أسبابه العديدة، فإن هناك من يرجعه إلى جذور بنيوية وارتباطات قيمية، في ظل عدم تنمية قيم القراءة الحرة، أو البحث، أو التشجع على التفكير الحر والمنهجي، أو السعي إلى ترسيخ ثقافة الإبداع، سواء عند الطلاب أو النشء.
ومما يؤدي إلى عزوف العرب عن القراءة أسباب اقتصادية وتعليمية وتربوية، ولعل أبرزها تلك المعنية بالجانب الاقتصادي، لضعف دخول المواطنين العرب، وارتفاع الحياة الاقتصادية، والتي انعكست على الحالة الشرائية للكتب، بارتفاع أسعار الكتب.
علاوة على ذلك، فهناك تفسيرات يوردها علماء الاجتماع وعلم النفس، ومنها الكسل الفكري والوهن العقلي، بجانب التسرب التعليمي في بعض الدول العربية، على نحو ما هو حاصل في دول عربية فقيرة، مثل الصومال وجيبوتي وموريتانيا.
ووفقًا لتقرير التنمية البشرية العربي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يقضي المواطن العربي حوالي 6 دقائق في العام للقراءة، ومعظمها مخصص للكتب الدينية،، وأن كل 300 ألف عربي يقرؤون كتابًا واحدًا، وأن نصيب كل مليون عربي هو 30 كتابًا، وأن معدل القراءة السنوية للشخص الواحد في العالم 4 كتب، وفي العالم العربي ربع صفحة، وأن إجمالي ما تنتجه الدول العربية لا يساوي أكثر من 1.1 % من الإنتاج العالمي من الكتب، في الوقت الذي يعرف فيه أن نسبة سكان الوطن العربي إلى نسبة سكان العالم تصل إلى 5,5 %. كما أن مداولات سوق الكتاب العربي بيعًا وشراءً لا يتجاوز 4 مليون دولار سنويًّا, في حين يصل هذا الرقم في دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال إلى 12 مليار دولار.

حركة النشر
التقارير السنوية الصادرة عن الأمم المتحدة كثيرًا ما تناولت حركة النشر في العالم العربي، منها تلك التي تذكر أن عدد الكتب التي تم ترجمتها إلى اللغة العربية خلال ثلاثة عقود من 1970 إلى 2000، وصل إلى 6881 كتابًا، وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها قرابة أربعة ملايين إنسان فقط، في الوقت الذي سبق أن كشف فيه تقرير الأمم المتحدة عن وضع سلبي للترجمة إلى العربية، إذ لوحظ أن العرب لا يترجمون خمس ما يترجمه اليونانيون.كما يصل معدل ما يقرأه اليهودي الإسرائيلي سنويًّا مثلًا إلى سبعة كتب. فيما تكشف دراسات إحصائية أخرى أن معظم الطلاب لا يقرؤون الصحف المحلية مطلقًا، في حين يبلغ متوسط ساعات الجلوس أمام التلفاز
6 ساعات يوميًّا، فيما كشفت الأسئلة التي تتعلق بالشخصيات العامة- في ذات الدراسة- عن جهل الطلبة بأسماء شخصيات لها دور وطني بارز، فمثلًا عرف الكثيرون المفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي على أنه صحفي مصري، وسعد زغلول بأنه شاعر سوري، والشاعر التشيلي بابلوينرودا بأنه أديب مغربي، وهكذا.
وفي ذات الإحصائية، فإنها تشير إلى أن عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب في الدول العربية يتراوح بين1000 إلى 5 آلاف نسخة، مقابل 85 ألف نسخة في دول الغرب.
ووفق استطلاع أجراه أحد الباحثين في المغرب العربي حول شريحة نسبة القراءة بدول المغرب العربي، فإن 87% من الشريحة لا يقرؤون قراءة حرة، أو أي قراءة منهجية متوسعة. كما أن إحدى الفعاليات التي نظمتها منظمة العمل العربية، توصلت إلى أن الوقت الذي يستغرقه المواطن العربي في القراءة لا يتعدى الدقيقتين في العام، بينما تصل في أوربا إلى ست ساعات للفرد في العام.
وانتهت هذه الفعاليات إلى أن عدد ما تطبعه الدول العربية بأجمعها يقارب المليون كتاب، موزعة على 300 مليون مواطن عربي، منهم
60 % أميون وأطفال و20 % لا يقرؤون أبدًا و 15% يقرؤون بشكل متقطع، وليسوا حريصين على اقتناء الكتاب. بينما 5 % هم الحريصون على القراءة.
ومقابل ذلك كله، فإن هناك إحصائيات أخرى تشير إلى أن المعدل العالمي السنوي للقراءة لدى الفرد الواحد يصل إلى أربعة كتب، ففي أمريكا يقرأ كل مواطن هناك 11 كتابًا، وفي انجلترا يقرأ المواطن 7 كتب.
تشجيع على القراءة
ومن بين الوسائل التي يمكن اللجوء إليها التشجيع على القراءة، من خلال الجامعات والنوادي، ففي بعض المطارات بالدول العربية أجنحة خاصة لعرض الكتب للقراءة فقط، وهذا يمكن أن يشجع رواد المطارات على القراءة، علاوة على الاهتمام بالناشئة وحثهم على القراءة، ومواجهة حالات التسرب من التعليم، وتشجيع نشر الكتب بأسعار زهيدة، في إطار مشاريع قومية ووطنية لهذا التشجيع، بحيث يكون تشجيعًا حقيقيًّا، وليس في إطار من الكيف دون الكم، على نحو ما كان يحدث ببعض الدول العربية، مما جعل مثل هذه المشاريع تنهار سريعًا، علاوة على ضرورة توفر مشاريع تعليمية ونهضوية كاملة لمحو الأمية، والحث على القراءة.
وفي محاولة للتشجيع على القراءة ودعم الناشرين والمؤلفين، فإن معرض أبوظبي الدولي للكتاب يعتزم خلال دورته الـ22 للعام الجاري في أواخر شهر مارس 2012 إطلاق مبادرة للتشجيع على القراءة بعنوان "تواقيع"، لتسهم هذه المبادرة -والتي تعد الأولى من نوعها في معارض الكتب في المنطقة- في التشجيع على القراءة، ودعم الناشرين والمؤلفين، من خلال استضافتهم وإبراز أعمالهم، لتكون هناك فرصة للالتقاء بين القراء ومؤلفيهم المفضلين لتوقيع كتبهم.
وتتضمن مبادرة "تواقيع" استضافة نخبة من أشهر المؤلفين خلال فترة المعرض، إضافة إلى استضافة مراسم توقيع الكتب، حيث سيتسنى لأول خمسين قارئ فرصة الحصول على نسخة موقعة من المؤلف خلال حفل التوقيع