صندوق الدنيا

كتب بواسطة: عادل خميس الزهراني | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 3169

صندوق الدنيا

نسخة للطباعة
تستفزني عبارة تتكرر أحياناً في مواقف مختلفة: "نحن أمة لا تقرأ"، أكره هذه العبارة بحق، سمعتها مؤخراً من أحد المبتعثين الصغار من الموهوبين في عوالم الإعلام الجديد في مانشتسر حين رأى بيدي كتاباً، فسألني عنه، قلت إنها رواية إنجليزية تدور أحداثها في القرن الثالث عشر إبان الحروب الصليبية، فرد علي قائلاً: "أنا عدو التاريخ والأدب" وعندما استوضحته عن معنى كلمة "عدو..!!" أجابني "أنا لا أقرأ.. ألسنا أمة لا تقرأ".. تمالكت غضبي ورددت عليه بأن هذه المقولة غير صحيحة، واستشهدت بوجود الكتابة منذ عرفت الإنسانية، قلت له إن القراءة ليست مرتبطة بجنس، القراءة غريزة إنسانية، وإلا لما أوجدت الثقافات القديمة لغات للكتابة، والعربية منها، هذا الرصيد المليء من أساليب الرصد الكتابي على الأحجار والجلود والصخور وغيرها يثبت أن القراءة غريزة إنسانية عامة، كل الثقافات أوجدت خطوطاً ليتمكن الآخرون من قراءتهم خلالها. سيقول البعض إن هدف النقوش والخطوط كان توثيقياً، وهذا صحيح، فهم وثقوا أنفسهم ليقرأهم اللاحقون، من هنا قال ستيفن روفر في كتابه (تاريخ القراءة) إن القراءة صنو الكتابة، غير أن الكتابة محدودة أما القراءة فهي مطلقة الحدود، الكتابة تجميد للحظة التاريخية، أما القراءة فهي صيرورة سرمدية.
الكتاب الأهم – في اعتقادي – هو كتاب ألبرتو مانقويل بالعنوان ذاته (تاريخ القراءة  A History of Reading) فهو يجيب على كثير من أسئلة القراءة بصفتها فعلاً ثقافياً، وأول ما يفعله مانقويل هو تأكيد نظرية كون القراءة غريزة عالمية.. صفة إنسانية مشتركة وجدت عند المصريين القدماء، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهي موجودة عند العرب أيضاً، وهذا اكتشاف مذهل يثبت أن العرب شعب ينتمي للإنسانية، ومانقويل يثبت ذلك بعدة طرق بسيطة ومباشرة، فتارة يمر على فلاسفة الشعوب وما قالوه عن القراءة، وأخرى يقرأ لوحات عالمية لشخصيات مختلفة الأعراق والأزمان ومحورها القراءة، ومرة يمر على طرائق القراءة وأساليبها وعادات الشعوب في القراءة وطرائفهم وهكذا.
ما نقويل أيضاً يجيب على أسئلة أخرى في غاية الأهمية، كأسئلة البدايات، وعلاقة النفس الفطرية بالحرف المكتوب، ويسأل عن الأسباب الحقيقية التي تدعو الطفل ما إن يبدأ تلمس طريق الحروف حتى يطارد لوحات المحلات والشوارع، وعناوين الصحف وكتب الأب في المكتبة، لكنه - دون أن يصرح – يؤكد أهمية أن تكون في كل بيت مكتبة ولو كانت صغيرة لتجد اليد الصغيرة طريقها إليها دوماً، هذا يعني أن اليد الصغيرة – لدينا – يمكن أن تجد لها شيئاً آخر لتسرقه من مكتبة الأب، غير سرقتها مفاتيح السيارة و أشياء أخرى.
كان مانقويل في بداية المراهقة مهتماً بنوع من أنواع الكتب يمكن لكم أن تتخيلوه، ولم يردعه أحد عن التهام كل ما في مكتبة أبيه الزاخرة بآلاف العناوين من أن يقرأ كل ما يشبع نهم تلك المرحلة، وهذا درس تربوي آخر أجدني أصر عليه في أي نقاش أدخله حول مسألة القراءة، وهو أنه لا بد لأي قارئ أن يقرأ ما يهتويه، فهي السبيل إلى تدريب هذه النزعة، وكلما قرأ الإنسان ما يرغبه كلما اتسع أفق معرفته ودائرة اهتماماته القرائية، فقارئ الروايات سيجد نفسه غارقاً في كتب التاريخ والسير الذاتية وعلم النفس والاجتماع ربما، كان أحد الزملاء الظرفاء يراني حاملاً كتابي أينما رآني، ومرة صادفني في قاعة الانتظار بإحدى المستشفيات وكنت أقرأ كتاباً ما، فسلم علي.. ثم عنفني مازحاً بصوت سمعه الجميع في القاعة: "ما كان تقرا لك قرآن أحسن لك". هناك فكرة متفشية نوعاً ما حول عدم جدوى القراءة ما لم تكن أهدافها واضحة أو مباشرة، للأسف هناك الكثير بيننا ممن يرون أن القراءة مضيعة للوقت.. تخيلوا .. القراءة !!
قضى الفيلسوف الإنجليزي بيكون شطراً مهماً من حياته في السجن.. كان مهتماً بنظريات الحسن بن الهيثم في علم البصريات، والتي تبحث – ضمن ما تبحث – عن أسس العملية القرائية التي تستوجب اندماج الحواس في دورة منظمة جداً تنتهي بإدراك البصر للحرف، وقد شرحها وفصل فيها وحاول إقناع البابوية بها، لكن النتيجة كانت سجنه بحجة أن المعتقد المسيحي يتعارض مع مناهج البحث العلمي التي يعتمدها، رغم انبهار بعضهم بالنتائج التي وصل إليها بيكون وقبله ابن الهيثم وبقية الفلاسفة العظماء، الكنيسة كرست فكرة الرقابة الصارمة على الكتب ردحاً من الزمن، كانت الأسباب هي ذاتها التي نسمعها: الزندقة، الإلحاد، نشر الرذيلة وهكذا.. وصل الأمر إلى أن ربات البيوت كن يستعذن من الكتب ويمنعن دخولها.. ربات البيوت في مرحلة ما لم يكن مسموحاً لهن بتعلم القراءة.. يقيناً أن التعليم لن يزيد المرأة إلا اعوجاجاً..!! الحرية شرط أساسي من شروط القراءة، ومن هنا لا يمكن قبول المحاولات المستميتة سنوياً لمنع كتب أو سحبها من معارض الكتاب أو التحذير من كاتب ما، هذا أمر لا بد أن يُمحى من الوعي العربي. غير أن أمراً ظريفاً يقف خلف حرية مانقويل في القراءة، فهي لم تكن نتيجة لوعي والديه بمبدأ الحرية الذي أتحدث عنه، بل كان نتيجة لعدم معرفة أبيه بماهية ما يقرأه الابن..!! فمكتبة أبيه الضخمة لم تكن – كما يقولها مانقويل بصريح العبارة – إلا أيقونة للوجاهة تطلبها منصب الأب الدبلوماسي في الحكومة الأرجنتينية. ومانقويل لا يخفي سخريته من أبيه الذي يندر أن رآه في تلك المكتبة وإن حصل فيندر أن رآه حاملاً كتاباً في يده، هو يختصر الهدف من تلك المكتبة الضخمة في عبارة بسيطة: (تبدو المكتبة مكاناً لائقاً للاجتماع بضيوف مهمين لم يسمح الوقت للقاء بهم في عمله)، بمعنى أن وجود المكتبة العظيمة كان ببساطة - كما نقول في مصطلحنا الدارج- لهدف وحيد هو (الفشخرة).. وما أكثر (المتفشخرين) بيننا، قد يكون هذا سبباً من أسباب ارتفاع أرقام المبيعات في معارض الكتاب عندنا.. ربما، وقد يكون في داخل كل صاحب مكتبة – صغرتْ أو كبرتْ – (متفشخرٌ) صغير.. مَنْ يدري..؟!
ماذا عن دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في دعم القراءة، وماذا يعني أن نقرأ وألا نقرأ، و ما هي ماهية القراءة، وأيهما يقرأ الآخر أنت أم السطر، وأين نصنف سوق الكتب أو صناعة الكتاب في الاقتصاد أم في الثقافة، هل يمكن أن نقيسها بأية سلعة أخرى، ولماذا ترفع دور النشر – في معارض الكتب في السعودية خصوصاً – أسعار الكتب بطريقة وحشية، وما سر تلك الكتب التي تهرب من تحت الطاولة، ولماذا يسعى كثير من المتخصصين في العلوم التطبيقية (من العرب) لنفي أية صلة لهم بعالم الروايات (والأدب أحياناً) وكأنهم يدحضون تهمة أخلاقية عن أنفسهم .. وما العلاقة بين النظارة والقراءة، وبين النظارة وتصيد الرجال..!! كل هذه الأسئلة يجيب عليها مانقويل في كتابه العجيب .. الشبيه بصندوق الدنيا، والكتاب ليس جديداً وهو مترجم للعربية منذ عام 2001 عن دار الساقي، ومتوفر تقريباً في كل المعارض، ولو قرأه أولئك الذين يثيرون حنقي (المسكين) بعبارتهم الدامغة لفكروا كثيراً قبل أن يقولها .. لكنهم لم يفعلوا.. لأنهم عرب .. والعرب للأسف "أمة لا تقرأ"