لماذا لا أقرأ

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في رأي . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 4171

لماذا لا أقرأ

نسخة للطباعة
ليس مفترضا منّا الإجابة على سؤال مثل هذا: لماذا نقرأ؟! إذ من السهل على كل أحد أن يكتب قائمة بالأمور التي جعلته يقرأ.
كما قد يكون أسهل على إنسان ما، أن يكون جاهلا بكثير من الأمور التي لن تأتي إلاّ بالقراءة. إذ عدم المعرفة أدعى إلى راحة العقل، وهناءة العيش، وطول الأمان، و"كلما ازداد الإنسان وعيا، كلما ازداد بؤسا".
وربما لهذا أقرأ، لأنّني أريد أن أتعبَ، لأصل. لأنني أريد معرفة ما لا يقوله لي كبار المجرّبين في عوالمي. لأن متعة اكتساب المعرفة لا تعدلها نهاية الوصول إلى المعلومة. أقرأ لأنفض عنّي ثنائيّة علاقة الكمّ بالوعي. أقرأ لأؤكّد لنفسي أولاً أنّه ليس ثمّة علاقة بين معرفة قائمة بالكتّاب ومكانتهم عبر العصور وبين القيمة الفعلية للأفكار المقروءة. لأنني أريد الكتابة كفعل "فضفضة" محض. أقرأ لأنه كما قيل: "من لا يقرأ كثيرا لا يكتب قليلا".
القراءة أكثر من فعل جميل، يهبُنا أفكارا تنتج من غير التعب على التجربة العمليّة لمسبّباتها. القراءة لا تجعلنا عباقرة، بل تجعلنا كما نحن لكن بأفكار أكثر.
وفي زمن كثر فيه الكلام، وصارت مخارج هذا الكلام لا تبعد عنّا إلا "ضغطة"، أصبح فعل القراءة أوجب، لأنّ المسؤولية أضحت أكبر. وانكشاف الناس صار ملموساً.
أصبح الإنسان لابد أن يقرأ ويقرأ ويبحث، لا من أجل ذاته، بل من أجل أن يستطيع الفهم والاستيعاب في زمن كثرت فيه "الأوامر". من أجل أن يختار الإنسان لعقله، في زمن زادت فيه البضائع الزائفة.
في بداية عصر التنوير الأوربي، كان الكتاب محاربا في كل مكان، إلا ما اندرج في قائمة "المسموح به". اليوم لم يعد الأمر مجرد قائمة من الكتب ممنوع شراؤها في معرض عابر، أصبحت الأفكار منتشرة في كل مكان، وأصبح اقتناء الكتب التي كانت ممنوعة في زمن ما، واجبًا في باب التّوعية وإظهار الحق علناً، وليس كما مورس ويمارس في منهجية ما أريكم إلا ما أرى، وإنّه للحقّ.
دونك الآن "تويتر"، والذي يجعل القراءة كإدمان، أكثر من كونه فعلا واعيا، تمرّ على أعيننا أفكار كثيرة في وقت قليل، في أكثر من باب، ويبقى الاختلاف بين من يستطيع أخذها وتوسيعها، ومن يقبل بكل شيء، ومن يرفض كل شيء.
إنّ قمّة التناقض أن يخصّص الأمر المُطلق بالقراءة وحصره في نوعٍ لا يجب الخروج عنه. وتبقى إشكالية أنّ: ليس كل إنسان يملك عقلا يستطيع به اختيار ما يفترض به قراءته أم هو أعمق ممّا هو عليه في هذا الوقت ويجب عليه إرجاؤه إلى حين، وليس الإعراض الكامل هو المقابل. وحرق الكتب على مرور التاريخ لم يمنع ظهور فكرة كُتِبَ لها أن تظهر!
عنّي، أقرأ لأساعد نفسي على الفهم أكثر. أقرأ لتدعيم معلومات اكتسبتها من مشاهدات، أو ظهرت كنتاج حوارٍ ما، أو قراءةٍ ما. وفي وقت تكثر فيه المعلومات، يصبح لزاما جمعها في منهجيّة علمية أكتسبها من منهجيّة علماء التّنظير.
أقرأ لأكتسب أفكار الآخرين. لأكتسب أفقا أوسع. لأرفع سقف "طول البال" عند أي حوار. أقرأ لأنّ كثرة الأفكار المقروءة تُكسب الإنسان أكثر من طريقة ليقول ما يريد، خصوصا لو أراد طرح فكرة كبيرة ببساطة. وقد أقرأ أحياناً لكسب الآخر –حتى لو كان لطيفا!-. وبالإمكان الآن أن أقول بكل بساطة: لا يوجد سبب يؤدّي بي أو بغيري لئلا يقرأ.
القراءة كفعل، ملازمة لنا في الدنيا والآخرة، وما كان في الآخرة فهو في الدنيا أدعى وأوجب، "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا".
وأقرأُ لأنّ "الله" قبل كل أحدٍ، يقول لي: "اقرأ"