المواطن عبر الإعلام الجديد

كتب بواسطة: وليد الحارثي | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :87 | عدد المشاهدات : 2877

المواطن  عبر الإعلام الجديد

نسخة للطباعة
ما نتحدّثُ عنه ليس سوى تسونامي مهلك قادمٌ ببطء نحو المجتمعات العربية الساكنة ما لم تعمل على فتح الطريق أمامه ليسير بكل انسيابية سالكاً طرقه المعتادة في التعبير والمشاركة والتغيير. هذا هو (الإعلام الرقمي أو الجديد) بكل أشكاله ووسائله المتطورة في كل لحظة.
أسهم الإعلام الرقمي في إيجاد ثقافة دائرة بين أفراد المجتمع في السعودية، فلا يكاد يمرُ حدثُ محلي أو خارجيّ إلا وأُمطرت الشبكات الاجتماعية بوابل كبير من الرسائل التفاعلية حول حيثيات ذلك الحدث، وتأثيراته على حياة المواطنين، وبيان مدى ارتباطه بحق من حقوق المواطن، أو الفرد العادي، مع مطالبات بممارسة الحق في المشاركة وإبداء الرأي، والحصول على أجوبة شافية من لدن المسؤول، إلى آخر ذلك من لغة الطرح الجديدة "نوعاً ما" على المجتمع السعودي.
كما ساعد قيام كثير من رموز المجتمع بإنشاء صفحات على تلك الشبكات بتوسيع هامش هذه الثقافة، والتربية على مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني الواحد من خلال السيل المنهمر من رسائل المواطنين، وتعليقاتهم، ومطالباتهم الكثيرة بحقوقهم الغائبة عن وجدان المجتمع، وعن عين المواطن المستحق لها.
لم يكن ليحدث هذا لولا ما يسّرته الهواتف المحمولة، والمدونات والشبكات الاجتماعية، وصحافة المواطن بالإضافة إلى مجموعة وسائل الإعلام الرقمية المتوافرة في كل مكان من الحصول على المعلومات، ومن الإمكانات الهائلة للتواصل بين جماعات المجتمع المدني، ودعاة الديمقراطية، والناشطين في مجالات حقوق الإنسان. وهو ما أسفر أيضاً عن تقديم إمكانيات واسعة لمشاريع تنموية وطنية، ولنهضة فكرية ثقافية أسست لمفاهيم كثيرة لم تكن حاضرة في المجتمع الحالي.
لكنّ المشكلة الحقيقة تكمن في أنه لا يمكن أن تقوم كل تلك الإمكانيات، ولا يمكن أن يتحقق الانتشار المعقول للإعلام الرقمي بين المواطنين (أو الأفراد) إذا كانوا غير قادرين على الوصول إلى المحتوى الإعلامي المتوافر عبر الإنترنت، أو كانوا مهددين بالإيقاف أو المنع عندما يبدون رأيهم، بل إن المفترض أن تعملَ وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في المملكة على تضمين المناهج التعليمية المهارات والأدوات اللازمة لجعل المواطنين يتحلّون بالقدرات التحليليّة والتواصليّة الأساسيّة المطلوبة للنجاح والتقدم والنهضة في القرن الجاري.
ولذا كانت عبارة السياسي والفيلسوف توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية مؤسسة لهذا المنهج الذي ينبغي إتباعه إذ يقول: "لا أعرف مستودعا آمنا للسلطات المطلقة للمجتمع غير الناس أنفسهم, وإذا كنا نظن أن الناس ليسوا مستنيرين بما يكفي لممارسة هذه السيطرة برجاحة عقل كاملة, فإن العلاج لا يكون بأن نسلب منهم هذه السيطرة وإنما يكون العلاج بأن يتعلموا التعقل وحرية التصرف".
هنا نجد ما يمكن أن نجعله مشروعاً غير ظاهر لتأسيس صورة المواطن المفترضة في وسائل الإعلام الجديدة إذ يتعلق الأمر بانفتاح المجتمع على المجتمعات من حوله وارتباطها به، وامتصاص القيم والسلوكيات السائدة في المحيط العام للمجتمع الحديث، سواء اتخذ هذا الانفتاح صورة التعزيز الايجابي أو صورة المساءلة السالبة النقدية، انطلاقا من حقوق الإنسان كمقياس لذلك التعزيز وتلك المساءلة.
إن صورة المواطن في وسائل الإعلام الجديدة يجب أن تنطلق من دراية أفراد المجتمع السعودي ومعرفتهم بوسائل الإعلام هذه، وتأثيرها في حياتهم العامة، ويجب أن تعمل الجهات التعليمية على ذلك حتى يصبح المواطنون أشخاصًا ذاتيّو الاتخاذ للقرارات، ذوي ديمقراطية أكثر نشاطا وتعبيراً.
والحق أنّ هذه الوسائل جاءت لتسقط الرموز السياسية والثقافية والاجتماعية، والذين جعلوا أنفسهم في بروجٍ مشيدة، حتى إذا شاركوا مواطنيهم عبر هذه الوسائل والشبكات الاجتماعية أُسقط في أيديهم، ولم يستطيعوا مجاراتهم، أو الرد عليهم بأي حجج مقنعة أو مقبولة، وتبخرت أرائهم ، ووعودهم المتبخرة أصلاً أمام أعينهم .
الذي أقوله لأولئك المواطنين أن المستقبل ليس وردياً بالكامل. ومن أجل أن تعمل هذه الوسائل الجديدة كأداة لتحقيق النتائج المرجوة يجب أن تصل إلى قدرتها الكاملة، وهو ما يقع على عاتقهم. فالتقنية أو الوسيلة الإعلامية الجديدة لا تصلح وحدها لأي شيء، وإنما هي بمستخدمها الذي إن وظفها توظيفاً ناجحاً أصلحت أوضاعه، وكما هي بحاجة للمنتجين فهي بحاجة أيضاً للمنتقدين المستهلكين !