2011 عام الثورات العربية

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في قراءة نقدية . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 2908

  2011 عام الثورات العربية

نسخة للطباعة
على الرغم من أن وصف الثورات العربيَّة التي هبَّت على بعض دولنا بـ "الربيع العربي" جاء من جانب الاتحاد الأوروبي في أول اجتماع له بعد نجاح ثورتي الياسمين في تونس و25 يناير في مصر، فإن هذا الوصف صار هو الأشهر في عالمنا العربي، وكعادة العرب نهموا من هذا الوصف ليطلقوه على كافة تعاملاتهم ومصطلحاتهم في خطابهم اليومي، وكأن العرب الذين قاموا بثورتهم عجزوا عن إصدار المرادف لما قاموا به، وأضحوا يبحثون عن هذا المرادف في بلاد الغرب، مما يعكس اهتزازًا للثقة لدى البعض، على الرغم من الثقة في النفس بإسقاط الاستبداد.
مصطلح "الربيع العربي" جاء في ظلّ محاولات من جانب بعض الدعايات -العربيَّة والغربيَّة في آنٍ- وصف الثورات العربيَّة بأنها هبَّات أو انتفاضات، دون أن يتمَّ وصفها بالثورات، حتى إنه لو تَمَّ إطلاقها بهذه الصفة، فإنه يتمّ إطلاقها على استحياء، غير أنه ودون الدخول في إشكاليَّة المصطلح، والذي كان ينبغي أن يتمَّ حسمُه من جانب العرب قبل غيرهم، فإن الثورات كانت الحدث الأبرز بامتياز في العام 1432هـ، وكان ذلك بمثابة تحوُّل إستراتيجي في بنية المجتمعات العربيَّة، وما يمكن أن تتبعه من تحوّلات، نتيجة سقوط أنظمة وانتظار أخرى لدورها.

التحوّل الأبرز
ومن هنا تصبح الثورات العربيَّة هي بمثابة التحوّل الأبرز للعرب، ليس في هذا العقد فقط، ولكن خلال نصف قرن كامل، ولنحو نصف قرن آخر جديد؛ إذ إن هناك من الدول والتي ظلَّت لأكثر من ثلاثة عقود أو يزيد لم ترَ سوى نموذج أحاديّ لنظام الحكم، ومن ثَمَّ لم تر سوى شخص واحد أو أبيه، دون أن يرى الشعب غيرهما، وبالتالي، فإن لَفظَ الشعب هذا النموذجَ من الاستبداد وبحث مستقبل "بلاد الثورات" سوف يستغرق عقودًا، قد تصل إلى نحو نصف قرن من الزمان أو يزيد.
ولذلك فإن العام 1432هـ يُعدّ عامًا مفصليًّا في حياة العرب الراهنة من ناحية، وبمثابة رسم لمستقبلهم من ناحية أخرى، مما يجعله من أهمّ الأعوام في حياة الشعوب العربيَّة؛ فقبيل مطلع هذا العام ومع بدايته كانت ثورة الياسمين في تونس تتوهَّج في أرض القيروان والزيتونة، مما كان دافعًا لقيام ثورات أخرى في بلاد عربيَّة أخرى.
وعلى الرغم من أن مثل هذه البلاد كمصر كان بها إرهاصاتٌ وتراكماتٌ لإقامة مثل هذه الثورات، إلاّ أن تونس كانت عاملاً قويًّا لدفع الثورة في مصر، إلى أن انتقلت إلى ليبيا واليمن وسوريا تباعًا.

ثورة الياسمين
وكان للشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي أشعل النار في جسده، احتجاجًا على إهدار كرامته وحقه في رزقه، بمثابة الشرارة التي أطلقت الثورة التونسيَّة، والتي بدأت في مدينة سيدي بوزيد، إلى أن انتقلت تباعًا لمدن تونسيَّة أخرى، سرعان ما تخطّتها إلى العاصمة تونس، وهى المدة التي لم تتجاوزْ (30) يومًا، قدَّم خلالها الرئيس السابق زين العابدين بن علي تنازلات عدة، قبل أن يهرب، أبرزها أنه لن يترشَّح مرة أخرى لرئاسة البلاد، إضافة إلى تعهُّده بإطلاق الحريات والأحزاب، غير أن الضغط الشعبي لم يمهلْه لتحقيق كل هذا، مصرًّا على شعاره الأشهر، والذي أصبح مدويًّا في العديد من الدول العربيَّة بأن "الشعب يريد إسقاط النظام".
ومع هروب بن علي إلى السعوديَّة، بعدما ضاقت به دول غربيَّة، ورفضها استقباله، بعد تحليق طائرته في الجو لأكثر من (5) ساعات باحثًا فيها عن مأوى يأويه من العودة إلى الجحيم الذي كان ينتظره في بلاده، استقرَّ به الحال الآن في المملكة العربيَّة السعوديَّة، ليكون ذلك إيذانًا بنجاح ثورة تونس التي تبعتها مطالباتٌ بتطهير كافة الوظائف الرسميَّة والقضائيَّة، وهو ما كان يتمُّ التعامل معه بعقليّات تتفق مع عقليَّة الحزب الحاكم السابق، وصلت في بعض الأحيان إلى الاعتداء على المتظاهرين المطالبين بتطهير بلادهم.
وجاء الحكم القضائي بحبس زين العابدين وتوقيف عدد آخر من أفراد عائلته لزوجته ليؤكِّد أن هناك رغبة في القضاء على حقبة بن علي بالأساس، على الرغم من الثورة المضادَّة التي تخوضها جماعاتُ المصالح والمحسوبون على القوى الغربيَّة، إلى أن كان الحدث الأكبر بعد الثورة، وهو فوز حركة النهضة في الانتخابات التي جرت أخيرًا لتأسيس مجلس يعمل على تشكيل دستور جديد للبلاد من ناحية، وتشكيل حكومة انتقاليَّة من ناحية أخرى.

25 يناير
ثورة الياسمين، كانت دافعًا لتراكمات كانت حاضرة في قلب المشهد المصري قبل عقد من الزمن، رافضة لتوريث رئاسة الجمهورية من مبارك الأب إلى مبارك الابن، وهو الحشد الذي تزايد منذ العام 2005، إلى أن بلغ ذروته بعد هروب بن علي ونجاح ثورة الياسمين، بخروج الشعب قبيل نهاية الشهر الأول من العام الجاري في ثورة 25 يناير، رافعًا فيها سقف مطالبه، وهو أن "الشعب يريد إسقاط النظام"، بدلاً من الحديث عن وقف مشروع التوريث، وإقالة الحكومة.
لذلك فإن مثل هذا التاريخ يعدّ الحدث الأبرز في حياة المصريِّين، وسيظلُّ علامةً فارقةً ليس في العام 2011 فقط، ولكنه سيشكِّل مرحلة مفصليَّة في التاريخ المصري بالأساس.
وإذا كان بن علي لم يتجاوزْ في حكمه شهرًا أثناء ثورة شعبه، ليهرب من تونس، فإن نظام حسني مبارك - والذي كان يعدّ من أكثر الأنظمة الاستبداديَّة تمركزًا في سدّة الحكم- لم يكد يتحمل أكثر من (18) يومًا، قام في آخر يوم فيها بإعلانه التنحي وتسليم سلطة البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليترك القاهرة متوجّهًا إلى منتجع شرم الشيخ الساحلي، وهو ما كان إيذانًا بنجاح الثورة وسقوط رأس النظام، وتدشين لبؤرة الثورة المضادَّة.
غير أنه مع هذا السقوط، فإن جسد هذا النظام لم يسقطْ بعد، ولا يزال عائقًا ضدّ تحقيق نجاح كامل للثورة، إلاّ أن حدث سقوط مبارك ومشروع توريث الحكم لابنه هو بمثابة الحدث الأبرز في مصر العام المنصرم، وكذلك خلال الحقبة الحديثة.
وطوال الشهور التي تلت الثورة المصريَّة كان الزخم الثوري واضحًا في شأنها، للمطالبة بمحاكمة مبارك وأسرته، إلى أن تحقّق ذلك، ولكن بعد مرور شهرين من تنحِّيه عن الحكم، ليتمَّ حبسه وولديه، علاوة على حبس معظم رموز نظامه، إما بالتورّط في قتل المتظاهرين السلميّين، أو بتُهم الفساد المالي على أشكاله المختلفة، لتعدّ هذه الواقعة ليست الأولى في العام المنتهي، ولكن في تاريخ المصريِّين أن يقوم الشعب بعزل الرئيس، بل وحبسه، والتأسيس للجمهوريَّة الثانية.
ثورة 17 فبراير
مثلما كانت ثورة الياسمين دافعًا لقيام نظيرتها المصريَّة، فقد كانت الأخيرة أيضًا محرّكًا للشعب الليبي للقيام بثورته في 17 فبراير الماضي، في الوقت الذي لم يكد يمرُّ فيه سوى أسبوع على الأكثر على نجاح الثورة المصريَّة، ليودع الليبيون تاليًا حكمًا ظلَّ جاثمًا على صدورهم لأكثر من أربعة عقود، كان هو الأبرز استبدادًا، والأكثر بقاءً في هذه الأنظمة وغيرها.
الثوَّار الليبيّون اتخذوا من بني غازي مركزًا لثورتهم، والتي ظلَّت لأكثر من ثمانية أشهر، استحرَّ فيهم القتل، ومارس ضدهم البائد معمر القذافي أبشع أشكال التصفية الجسديَّة من خلال حرب عصابات، كانت تجيدها كتائبه والمرتزقة الذين استعان بهم من دول إفريقيَّة.
ورويدًا رويدًا، كان الثوّار يحرزون تقدّمًا بفضل مثابرتهم وصمودهم وصبرهم، إلى أن دخلوا العاصمة، غير أنه لم يكن باقيًا لهم سوى سرت، مسقط رأس القذافي والذي فرَّ هاربًا كالجرذان كما كان يصف الثوّار دائمًا طوال أيام ثورتهم، ومعها بني وليد، وهى المعارك التي كان حصادها قتل القذافي، بصورة أو بأخرى، سواء كان اعتقاله قبل مقتله، أو أن أطرافًا آخرين من حلف "الناتو" هم من قتلوه، ليتمَّ بعدها إعلان تحرير ليبيا، في احتفال كان أقلّ ما يوصف بأنه انتصار للإسلام، عندما أعلن رئيس المجلس الانتقالي الشيخ مصطفى عبد الجليل إقامة الشريعة الإسلاميَّة في ليبيا، وإسقاط جميع القوانين المخالفة للشريعة.
الإعلان عن تحرير ليبيا جاء بعد إلقاء القبض على القذافي وقتله، لتكتمل ثلاثيَّة الرؤساء المطاح بهم، بين رئيس هارب متمثل في زين العابدين بن علي، ورئيس موقوف هو حسني مبارك، وبين رئيس ثالث أصبح مقتولاً.
ثورتا اليمن وسوريا
وترافق مع الثورة الليبيَّة اندلاع ثورتين في اليمن وسوريا، وهما الثورتان اللتان ما زالتا عالقتين إلى الآن، في ظلّ استبداد نظامي بشار الأسد وعلي عبد الله صالح في السلطة، واللذين يمارسان على نطاق واسع كافة أشكال التعذيب والقتل في أبناء شعبيهما، للدرجة التي جعلت الشعبين اليمني والسوري أشبه بالخراف التي يتمّ نحرها بدمٍ بارد من وقتٍ لآخر.
كل ذلك يتمّ أمام مراوغات من جانب نظامي بشار الأسد وعلي عبد الله صالح في سوريا واليمن، والتنصّل من الجرائم التي يتمّ ارتكابها على نطاق واسع، على الرغم من كل النداءات التي يتمّ توجيهها على نطاق واسع للنظامين لوقف جرائمهما في حق الشعبين. هذه النداءات تنوّعت بين مبادرة خليجيّة لحلّ الأزمة في اليمن ووقف مجازر النظام ضدّ الشعب اليمني.
وعلى الرغم من المبادرة العربيَّة التي تَمَّ تقديمها إلى النظام السوري لإنهاء جرائمه بحق الشعب هناك، إلاّ أن الأسد ظلَّ يناور لوقت طويل للّعب على عنصر الوقت في عدم الالتزام بهذه المبادرة، إلى أن كان قرار مجلس الجامعة العربيَّة بتجميد عضويَّة دمشق في الجامعة العربيَّة، ودعوتها للدول العربيَّة بسحب سفرائها من سوريا، وتطبيق عقوبات اقتصاديَّة على حكومة دمشق، لتصبح هذه القرارات واحدةً من القرارات المهمَّة التي شهدها العام المنصرم، التي سبق وتَمَّ تنفيذها بحق النظام الليبي السابق