الأنانيّة الإصلاحيّة

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في رأي . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 3193

الأنانيّة الإصلاحيّة

نسخة للطباعة
الإصلاح ليس حكرًا على جنسٍ ولا حركة. الإصلاح مسؤوليّة "عامة"، لابدّ أن يشعر كل فردٍ في المجتمع أنّه جزء من المشكلة، وأنّه من الحلّ أيضًا. المشكلة الكبرى أننا لانزال نعتمد صورة المصلح "الفرد" الذي يتكلم بلسان المجموع، ويردّدون "عقله". هذا الزمان، وبتغيّرات المُحيط، يرفض زمن "الرّعاية".
إشكاليّة مجتمعنا أنّه منقسمٌ بين عقليّتين. إحداهما مستسلمة لكل ما يُقرّر، والأخرى ترفض كل ما يُقرّر. الرجل –مثلاً- يُعتبر الأحقّ بحمل كامل المسؤولية، وأنّ المرأة والطفل والشباب كلهم يقعون في دائرة رعايته.   
يُقابل هذا، استسلام الطّرف الآخر من المعادلة لهذا. في الوقت الذي "يثور" فيه من حولنا على "أنانيّة الكبار". هذا فقط مثال واحد، ولكن ذات المنطق تجذّر في كافة تيّارات المجتمع (دينيّة، ليبرالية..الخ). يقول (أوسكار وايلد): "الأنانيّة ليست أن يعيش المرء كما يهوى، بل أن يطلب من الآخرين أن يعيشوا كما يريد هو أن يعيش"!
مشكلة مجتمعنا أنّ من يعملون فيه على إيجادِ الحلول، هم ذاتهم من يساهمون في توسيع الفجوة وتعقيد المشكلة. أضرب هنا مثالاً ولكم القياس.   
عاشت المرأة في مجتمعنا لوقتٍ طويل دور "المُسيَّر" حتى اعتادته. بل ساعدت أحيانًا على كتم صوت بنات جنسها، ويمكنني القول مرتاحًا: إنّ المرأة هي الجلاّد الحقيقي للمرأة. بعض الّلاتي لم يرضينَ بدور "الضحيّة" هربنَ إلى نموذج "الحركة النّسويّة"، مغفلاتٍ الجانب الاجتماعي والجغرافي لتأسيسها، وأنّها أساسًا لم تكن إلاّ حركة سياسية في محيط انطلاقها، والمجتمع ينصلح اجتماعيًّا لا سياسيًّا، وهو ما سبّب كثيرًا من العُقد والحروب الوهميّة. يُقال: النساء يخترنَ أحيانًا تبنّي ممارسات خاضعة (الّنساء هنّ أسوأ أعداء أنفسهنّ). تُصبح أحيانًا معركة الحقوق، معركة إثباتِ "جنس" لا إثبات حقوقٍ ودفاعًا عنها!
جاء أخيرًا اقتراحٌ بإنشاء "وزارة المرأة"، في خطوةٍ جذّرت المشكلة بفصل المرأة عن كونها جزءًا من المجتمع، واعتبارها منفصلة عن الصورة الإنسانية العامة للمجتمع، وهو ما حذّر منه "بن نبي" قديمًا؛ لأنّ هذا لا يصبّ إلاّ في اتّجاه إحساس الجزء على أساس أنّه مجموعٌ مُنفصِل عن البقيّة.
المُفترض أن يكون الاقتراح بإنشاء "وزارة للإنسان" تُعالج مسألة المرأة بجانب مسائل المجتمع الإنسانيّة الأخرى، وأن تخرج هذه الوزارة بنقطة البداية لإصلاح إنسانيّ عام يرتفع بالفردِ في مجتمعنا –إنسانيًّا- بغضّ النّظر عن (تيّاره/جنسه/لونه) الذي ينتمي له. أقول هذا واعيًا بأنّنا في بقعةٍ كان يُجاوِرُ فيها "مسلمٌ" "يهوديًّا" بسلامٍ إنسانيّ.. فما بالنا بمُسلمِين في ذات المجتمع؟!
الإصلاح بعد 11 سبتمبر أصبح مختلف المعالم، مُتشابه الحدود إلى درجةٍ كبيرة. في طيّاته العدل والمساواة والحرية. فيه ظهرت الأنانيّة في أوضح صورها. أصبح كل فريق إصلاحي يرى نفسه الأجدر بكسب شرف التغيير، وأصبح من الصّعب قبول الأطراف الإصلاحيّة التي قد تُشارِكه الشرف.
الأنانية الكبرى ألاّ تعترف بأهمّية إصلاح الغير. مثال "أبو جهل" هو الأبرز هنا: "... تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا؛ حتى إذا تجاثينا على الركب، وكُنّا كفرسي رهان قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء فمتى نُدرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدّقه ..."!
يقول (مارتن لوثر كينج): "إن لم نتعلّم أن نعيش كلّنا كالإخوة، فسوف نموت كلّنا كالأغبياء"