طفولة قلب «أبي معاذ»

كتب بواسطة: محمد الشهري | في رأي . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 3198

طفولة قلب  «أبي معاذ»

نسخة للطباعة
الساعة  12:12 دقيقة أغلقت الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب الندي "طفولة قلب"، أضحكني وأبكاني وجعلني أستشعر أكثر غنى الذكريات الإنسانية بالمواقف والأحداث والصور العبر حينما تقيدها الأقلام المتأملة . وما أجمل أن يحمل المفكر أو العالم قلم أديب ، يسيل بكل عذب زلال .. تجري حروفه باتجاه أعيننا فلا تستقر إلا في حبة القلب .
منذ أن عرفت نفسي واسم هذا الرجل يتردد صداه في أذنيّ ، وأشرطته تملأ المكان بصوته الذي يبدأ عادة بهدوء لا يكاد يُسمع وينتهي بحدة وتدفق يظن السامع أنه لن يتوقف ، ولا أنسى حين كُتب اسمه أمام عيني "بالنار" على أرض مظلمة.. تعبيرا عن الشوق إليه ولوعة فراقه وهو في سجنه الذي "صقله" فخرج لامعا براقا .
فكان تأثير هذه النار عظيما على "طفولة قلبي".. فتصبح لوعتي عليه، لا تختلف كثيرا عن لوعة جيل المحاربين القدامى من أبناء الصحوة الذين عرفوا الرجل منذ بدأ يتدفق، إلى أن وجد ما يعدل مسار هذا التدفق إلى "حجرة الثلاثة أمتار"، إلى أن خرج غيثا عميما أينما حل نفع.
أعرفه منذ أن أتتني نصيحة تقول لي -وهو في عزلته- اسمع أشرطة أبي معاذ إن أردت أن تفهم كثيرا من الأسرار ولتصنع لنفسك ثقافة عالية، فبقيت معه ومعها زمنا اقرأ المكتوب منها والمسموع،
تستوقفني الاختيارات الرائعة والأبيات المنتقاة والأفكار المحلقة التي قل أن يجدها أحد عند أحد غيرك.
فأبديء في أشرطتك أو كتاباتك وأعيد وأنت هناك في عزلتك تترقب زيارة جديدة ، أو تتلمذ على يد "أبي المنذر" أو تنشد: "يا نائما غره طول المنام" أو أنك تذرع غرفتك جئية وذهابا تمارس رياضتك اليومية، وربما تكون وقتها تستمتع بحصة التشميس، أو أن لفحة يأس تود أن تلفحك وأن تطردها بأفكارك الإيجابية.. وبخوف وتوجس أقلب صفحات إلكترونية عنوانها "من وراء القضبان" فاقرأها سريعا
سريعا ثم أُمضي عليها "shift + delete" لتصبح هناك في اللاشيء وأسلم من مساءلة وملاحقة متوهمة، كهاجس غريب قريب من ذلك الهاجس الذي جعلك تأرشف أوراقك في " الصالحية"!
أظن لو كنت تعلم أني وغيري كثير كثير نتمتع بممارسة الحرية -بتوجس مضحك- على بقاياك مما لم تحاصره القضبان، لابتسمت بامتنان وعلمت -ومثلك يعلّم مثل هذا- أن لا شيء يحاصر الروح المتدفقة والعقلية المنتجة.
لم أعرفك ولم ألقك ولم أكن من ذلك الجيل الذي كان يمني نفسه بعد كل شريط يسمعه أسبوعا كاملا ليلقاك مرة أخرى في شريط آخر ، يروي غليله ويشبع نهمته .. لكنني بقيت زمنا أردد من حيث لا تعلم :
" فسلمان منا ومنا الطريري
 ومنا ابن باز ومنا سفر "
.. وألحنها لحنا ما زال يجري على لساني ، والأول والأخير في هذ البيت هما خلاصته وغايته ومنتهاه .. ولا تعلم أنني كنت أجلس في زاوية من الزواية البعيدة عن أعين أهل الدار لأردد قصيدة أتى بها أخي من مكان ما وألحنها لحنا تذرف معه دموعي حين أهمس:

قعدت بحجري والسرور يلفني
وشنفت سمعـي تالياً سورة العصر
أراك تعزيني بها وتلومني
على جزع تخشاه من حادث الدهر
تمـنيت حتى وقـفة عند نعشه
تَرُدُ إلى نفسي الذي ضاع من صبري
وفي غيابك هناك وغيابي عن وعي كامل لما يحدث كانت الأخبار تأتي وتذهب، تمر على أذني فأعرف منها وأنكر، ويدخل مدرس التاريخ فيشير إشارة أفهم منها أنه يقصدك، فاسأله ببراءة لماذا أنت هناك، فيبتسم ويقول: "يا ابني، لا تشغل رأسك" فلم أسمع نصيحته بل أشغلت رأسي بك وبصحبتك حتى علمت ما لم يعلم أقراني عنك، ووقتها -ذلك الصباح المدرسي-  أظنك كنتَ نائما نومتك التي لا يفسدها عليك إلا اليد التي تطرق الباب تؤذنك بالافطار، أو أنك كنت جالسا بين يديك "نفح الطيب" أو غيره، لتبذر بذرا وتقطف ثمرا يانعا، يتلقفه الناس منك اليوم في نعيم أنت فيه معهم، وما علموا -وربما علم بعضهم- أنك كنت هناك تبذر وتقطف لمثل هذا اليوم.
خرجتَ، وخرجت معك مشاعر تفيض حماسا وشوقا، بين من شد الرحال ليراك ويهنيك ويهنأ بك، ومن يتحدث بسرور وتلذذ عن لقائه بك وماذا قيل لك وماذا قلت.. والسامع يتلهف لمزيد، ويسأل عن تفاصيل أكثر ويود لو ينتزع الأحرف من فم المتحدث انتزاعا. وتهدأ الضجة قليلا ليأتي صدى بكائك " هناك " على بغداد صوتا نسمعه في " ماذا بعد العراق ؟! "، وإشاعات تقول : أدركوه قبل أن يمنع، وأخرى
تؤكد أنه منع.. وكأنه رغبة خفية في أن تعود "تلك المرحلة" بكل حماسها وأحداثها الغنية، ورغبة في أن يتوقف الزمن عند حدود "الشريط : ما له وما عليه"، لكنك آثرت غير ذلك، وبدلا من أن توقفك الجموع المحبة، جعلتها تسير خلفك بين "محب ومكره ومبغض وثائر"، فرسمت طريقا جديدا بنفسك،
لا يحسن أن يرسمه غيرك.. ينظر إليك كل من ينظر فلا يملك إلا أن يقف تقديرا لك، يتفق معك فيشكرك ويعجب بك وربما "تبهره" فيرى الحق معك أينما اتجهت، ويختلف معك فيعترف أنه يقدرك، أو يصمت حياء من أن يقول هذه أو تلك،
ويتجني عليك.. فيلبسك لبوس "الانتكاسة والانقلاب ونقض الغزل"، فتصمت عنه وربما تشكره ، وأظن والله أعلم بما في النفوس أن خفية نفسه تقدرك أو "تتعجب منك" وقدرتك على ما تفعل ، ومن فضل الله عليك.
وربما خسرت من محبيك القدامى قدرا، فسُمع من مبجليك بالأمس كلمات تقول: وماذا عند سلمان؟! ومن قال أن "سلمان " عالم؟ وسلمان ليس من أهل الفتوى؟! لكنك وجدت بكل "رجل من أهل العراق عشرة من أهل الشام" يسمعون لك ويقدرونك ويحترمونك.
أعود فأسمع بعض قديم قديمك، وأستمتع بالأرقام فيه والإحصاءات والدراسات السياسية والتحليلات التي كنت تثيرها، فأتمنى أن لدينا نسخة أخرى من سلمان تثير تلك القضايا المهمة وتكشف كثيرا من المستور وتهتم بتحليل قضايا كتلك التي كنت تثير، نسخة أخرى لأنني أعلم أنك اليوم لا تطيق فلا نحملك بالأماني ما تحتمل.. فلا أدري إن كانت تلك الأمنية بقية من بقايا الحنين للماضي بكل ما يحويه وبكل تفاصيله، أم لأن المجتمع قد فقد من يعرض ذلك العرض. أم غير ذلك - وأظنها كذلك-!
وقد قالوا تغيرت ! وغيرت ! ..
وأما أنا فأقول لقد كان الماضي جميلا، والحاضر جميلا كذلك.. ولن يجد من يعيّر الناس بالتغيير، أحدا من الناس يسير وفق رغباته وما يريد وما يحب وما يكره، فإن كان قد وُجد من أبي معاذ بعض ما لايُحب، فقد وجد الناس منه فيضا مما يُحب ويقدر، وإن ساء بعضنا تحولات، فقد سرته تحولات، وحسب الناس من أفاضل الناس وروادهم أن يكون الخير غالبا على غيره، وأن يلقوا من الصواب أضعاف أضعاف الزلل، والحاكم والمحكوم عليه من بني آدم لا يفارقهم الخطأ والزلل.
لا أدري.. ما علاقة هذا بـ "طفولة قلب"؟!، إلا أن تلك الأحرف المنتظمة الندية، قد أخرجت من ذهني بعض ما هو مبعثر فيه عن "سلمان - أبي معاذ"، الذي رافق هذا الذهن منذ أن بدأ يرى الحياة، ومنذ أن بدأ يعي أنه يسمع، فسمع نقاشا يختلف حول سلمان، وما زال يسمع ذلك النقاش يتكرر كما هو أو قريبا مما كان.
وإنها فرصة لعلاقة أقوى مع محبي سلمان "بسلمان" ومعرفة به أكثر، كما أنها فرصة لمن يختلف مع سلمان أن يقرأ سلمان وهو يكتب بعفوية وصفاء قلب وحبر أديب. فإن وجد المحب بعض ما يحب، فقد يجد من لا يحب عذرا لمسلم نحسبه يقدم الإنصاف والعدل على ما يهتم الناس به من الحب