العمل الخيري والمتغيرات العالمية

كتب بواسطة: د. محمد الأحمري | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 2798

العمل الخيري  والمتغيرات العالمية

نسخة للطباعة
يميل الإنسان لما نقله مالك بن نبي عن الثقافة العامة: "نأكل القوت، وننتظر الموت". لهذا ثمة مشكلة في التفكير للمستقبل وهي أنها تسبب المصادمة مع عبَّاد المعتاد، أو الذين نجحوا في الماضي في أي وضع ونظام، فيلزمون المستقبل بالماضي، ولهم أدلة دائما حاضرة أقلها الابتداع والتقليد للمخالفين والكفار. والحمد لله أني أتحدث في بيئة إسلامية خيرية متشبعة بالتقليد للكفار فكرة وتنفيذا؛ لذا سوف يكون النقد على الأقل-فنجد المنسحبين من المستقبليين ـ غالبا ـ أكثر من الصابرين على التهم والتعيير بالتحريفية وبالخروج عن التقاليد.

علاقة المستفيدين
في مجتمعاتنا عدد هائل من المتبرعين ومن المتقاعدين والمتفرغين ومحبي فعل الخير، لو وجدوا طريقا لذهبوا إلى أعمال الإغاثة والتعليم، ولو ضمنت لهم المؤسسات السكن أو السفر فستجد أن مشاريعها الخيرية في البلدان الأخرى قوية ونافذة ومؤثرة. وبمعرفة شخصية أًدْرك أن العرب هم الأقل وجودا في مواطن الكوارث، مع العلم أنهم ينفقون كثيرا. وتحويل تبرعاتهم إلى مؤسسات دولية لها أهداف مضادة لهدف المتبرعين خسارة للمكاسب السياسية والاجتماعية الكبرى التي يجنيها منافسوهم في العالم- فتجد طائرة الإغاثة العربية تصل بالمساعدة، وترجع بطاقم الإغاثة معها أو بعدها بقليل، بينما تجد المؤسسات المسيحية أو غيرها تقيم ويقيم طواقمها لزمن طويل، وتعاود الحضور للمكان، وتتابع، وتقيم العلاقات الوطيدة المستقرة.
وقد تبين أن الجمعيات الإنسانية الدولية كانت خليطا من مبشرين وجواسيس ومنظمي ولاء للصهيونية وصانعي معارضات. وتقوم بعض الحكومات الإسلامية بإرسال التبرعات لتقع بأيدي الحاقدين على هذه البلدان المصابة، إلى درجة تزوير وتصوير أفلام اغتصاب وغيرها ـ كما نشرت الصحافة العالمية. ومرة في الصومال كانت هيئات الإغاثة الغربية تشترط على الفقراء الصوماليين أن يأخذوا مع الطعام الإنجيل؛ مما أثار الصوماليين المتوقدين أصلا؛ فأخذوا الطعام وأحرقوا سيارات الإغاثة. وقد تكون الأموال أصلا متبرعاً بها من بلدان إسلامية. فعملية الإغاثة عملية إنسانية سياسية أخلاقية. وبالرغم من أي هدف إنساني إلا أننا لم نجد مؤسسات تخلع هويتها وهوية بلادها وتتجرد من دورها وذاتها لمصلحة هيئات دولية، وهل لدينا نقص في الرجال أو النساء أن يساعدوا ويجدوا عملا نافعا، ويعودوا بأثر سياسي كبير.
وبما أنه يصعب وجود مستشار في كل موضوع؛ فليس أمام القائد في العمل الخيري إلا أن يشارك في ندوات ودورات متعددة وقراءات واسعة، ويعرّض عقله لعقول غيره، ثم يفتح للموظفين في مؤسسته أن يدرك بعضهم عمل بعض، ويسافر بعضهم لتغطية مشروع مختلف؛ فإدارة المؤسسات الخيرية ليست زعامة بل مشاركة.
كما أن وجود الشباب المتحمس في العمل الخيري ضروري، وبخاصة أن التقدم العلمي الهائل يفتح أبوابا قد لا يتخيلها من تقدم بهم العمر، فلا بد من الحماسة والجدة إلى جانب الخبرة والرؤية، والاستراتيجية منها التشوف لجديد التقنية وجديد الأفكار وحماسة الشباب؛ فهم عالم يختلف عن عالم سابقيهم.
المشرف على العمل الخيري قدوة في العمل والعطاء والمشاركة، فإن كان من مصادر سعادته أن يتشبه بالموظفين الحكوميين الكبار فهو يهدم فكرة المؤسسة التي يقوم عليها، فليس دوره أن يحافظ على مهابته أو أهميته من أن يقلعه طموحُ آخر؛ بل قيمته وأهميته من عمل ناجز ومشاركة تقنع بالفكرة والرسالة. ولهذا فمن المهم أن يعلم أن قيم البيروقراطية تتصادم مع قيم العطاء، وأخلاق وسلوك كل منهم يخالف الآخر. والقيادي في العمل الخيري إن نقل عادات وثقافة البيروقراطية لمؤسسته فهو يقتل روحها، ويفسد أخلاق العاملين فيها. ونحن هنا لا نقول إن السلوك السيء المنتشر في البيروقراطيات مناسب، ولا هو صحيح، ولكن بما أنه مرض أخلاقي وسلوكي سيء متجذر في ثقافة الحكومات فلتحرص الجمعيات الخيرية على المفاصلة التامة مع هذه الأخلاق المتردية، وتصنع لها قيما أرقى.
في بلدان كثيرة في العالم لا ينفصل العمل الخيري عن المسار الحكومي الرسمي؛ بل نخبة المجتمع في العمل الخيري والتجارة والسياسة والفكر يدورون بين أعمالهم الخيرية وبين التخطيط لحكوماتهم، وشخص مثل كوشنير -وزير خارجية فرنسا- جاء من منظمة عمل خيري إنساني هي: "أطباء بلا حدود"، وقد كان من أبرز روادها.

مسألة اللغة       
نجد -أحياناً- أن بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية تشترط اللغة الإنجليزية على الموظفين والمساعدين في العمل الخيري، وأنا أُفَضِّل عكس ذلك، فإن وجود الإنسان العربي المسلم الذي يتحدث لغة القرآن، ويساعد الفقير، ويعاني الناس معه تعلم لغته أو الترجمة له (وهنا إعطاء قيمة للمترجم؛ لأنه يعرف العربية أمام قومه، وهذا من وسائل الانتشار والتكريم والتميز)، ثم إنه (المتبرع) هو صاحب اليد العليا، وأولى أن تقدّر وتفهم لغته .

ترسيخ
العمل الخيري
المؤسسات الدينية لها الأغلبية في الجمعيات الخيرية، وهذا ليس في العالم الإسلامي فقط بل في أكثر دول العالم، يأتي بعدها الجمعيات المحافظة الأخرى، فنجد مثلا أن أكثر من ثلث الجمعيات الخيرية في أمريكا دينية، وحازت ثلث التبرعات التي قدمت عام 2007 بمقدار مئة مليار دولار، مما مجموعه 306 مليار . الحاجة تستدعي التعريف بالأهمية، والحث على مستوى الخطاب الديني والخلقي والاجتماعي.
كما أنه يجب الخروج بالموضوع الخيري إلى دوائر إعلامية أوسع من دوائر التدين، ونقاش القضايا الإنسانية، وجعل الوعي بهذه المسائل أمرا عاما في المجتمع، بقطع النظر عن حالة الشخص الدينية؛ فغير المتدين لديه نوازع إنسانية عميقة، وقد تكون مدخلا له إلى ما هو أحسن. وفي الغرب يصفون التبرع والإنفاق علاجا للحالات النفسية للمتدينين وللملحدين.

عقد سبتمبر
من أهم دروس أحداث سبتمبر ـ التي أتوقع أنها أصبحت قوية وراسخة في عقول المؤسسات ـ أن مسألة العلاقة الجيدة والشفافة بين العمل الخيري والحكومات -أيا كانت الحكومات- مسلمة أو غير مسلمة، شرقية أو غربية، فيجب أن تكون ضامنة ومساندة وحامية لعمل قانوني مفتوح وواضح، وأن تحمي الحكومة العمل الخيري في بلادها كما تحمي ذاتها وحدودها؛ فهو يعطيها مقابل ذلك ثقة وشعبية في داخل حدودها، ويعطيها أهمية وقيمة معنوية ورسالية ودعائية ومهابة خارج حدودها، مما لا تملك نظمها البيروقراطية أن تقدمها.
والمؤسسات الخيرية يد طيبة تمتد بالخير والمعروف، ومساهمة إيجابية في العلاقات الدولية، وهي قريب مما يسميه جوزيف ناي بـ "القوة الناعمة" لأي حكومة، كما أن المؤسسات والأعمال الخيرية والدعوية لا تتخلى عنها الأمم في ذروة الحرب والمآسي، فلما احتلت أمريكا أفغانستان جلبت المبشرين من كل مكان تحت ظلال الصواريخ والطائرات والإبادة، وجلبت المبشرين ـ حتى مبشري الكاثوليك ـ من كوريا. وقد بادر بوش الابن في أول عهده بدفع ثلاثة مليارات دولار مساعدات للكنائس، ولأعمالها الخيرية. ولما احتاجها في حرب المسلمين كانت على خط النار، دعاية وتجييشا وإعادة انتخاب له، وتحديدا لهوية الحرب بأنها دينية؛ فحرّك الأرواح والكنائس لما يراه رسالته ونداء الإله له، وإن كان هذا مثالا سيئا تجاه المسلمين، ولكن المجتمع الحي يحتاج للعناصر الحية ذات الهمة التي لا توجد في القطاع الرسمي ولا يستطيع تنفيذها وقت الحاجة.
وأهم من هذا النموذج ما استطاعت إسرائيل تجنيده من مؤسسات وأشخاص وجامعات، من خلال جمعيات عامة وخيرية، حتى لقد قرأت مرة دعايات جمعيات خيرية تجمع المال لعائلات ولجرحى الجيش الإسرائيلي ، وجمعيات خيرية تستدعي المثقفين الأمريكان والهنود والصينيين ومختلف المثقفين حول العالم لتحسين سمعتها وصورتها حول العالم. وهناك جمعية صهيونية متخصصة في تدريب وإقناع الصحفيين الشباب حول العالم بشرعيتها ومظلوميتها، تقدم التدريب، وبطاقات السفر، وإقامة لمدة شهر، مع جولات توعية . ولا ننسى أن "أيباك" ـ منظمة الضغط الصهيوني الأقوى في واشنطن ـ جمعية خيرية، تدير أكثر من ستة مليارات دولار نقدا تحت حسابها؛ لتخضع وتخرس وتصنع الرؤوس السياسية والإعلامية، قال رئيسها السابق للصحفي جولدبيرج وهما يتحدثان في مطعم: "لو أردت أن آخذ تواقيع ستين رجلا من رجال الكونجرس لأخذتها ولو على هذا المنديل". ومد بمنديل الطاولة في المطعم . وكذا معهد "سابان" الذي أقامه التاجر المصري اليهودي وسماه باسمه، وألحقه بمعهد بروكنجز، وقد افتتح فرعين في الدول العربية .
إن وجود مؤسسات خيرية لها شخصية -ولو مخالفة لهوية وتوجه الحكومة- أصبح من علامات صحة الحكومات، وحيويتها، وسلامة ضميرها. ولا يخاف من الخلاف في الرأي مع المؤسسات الخيرية إلا النظم القديمة التي فنيت في العهد الشيوعي، فقد كان القضاء على القطاع الثالث والنشاط الحر والحرص على تبعيته للحكومة إضعافا للمجتمع، وتدميرا للقوة، وإنهاء لسطوة ونفوذ الحكومة الروسية في الخارج، كما أن ضبط العلاقة المؤسسية بالسياسة معرفة وفن وقناعة، بحيث لا يتضرر العمل الخيري، ولا يخرج عن طريقه، ولا تتحكم في رقبته أي حكومة. و واجب الحكومات وضع الأسس المساعدة على الحركة الحرة للمؤسسات الوطنية غير الرسمية، وتشجيعها على ممارسة مبادرات حرة سياسية واجتماعية، فتعهد إليها بعلاج أزمات سياسية دولية، وحل مشكلات داخلية، وستجد الحكومات أن هذه المؤسسات أقدر وأقل تكلفة من بيروقراطيتها المغرقة في الإخفاق.

مرض الفردية
من النصوص الهجائية الكثيرة التي قرأناها بأيدي ناقدة أو حاقدة قول أحدهم: إن المجتمع المسلم مجتمع الفرد، وليس مجتمع الجماعة؛ أي أن المسلمين فيهم فردية قاتلة، فالشخص متى تولى منصبا دمر سواه، يدمر الأشخاص والأفكار المخالفة له، فغيره أو منافسه المسلم ما هو إلا: "مجمع من باطل من الفكر والسلوك، ولا نجاح ولا خير إلا بالقضاء عليه"، فيصبح هم كل مؤسسة تقام للبناء أن تحقق الهدم قبل البناء، وتنتهي بعدم تحقيق هدفها الذي قامت من أجله، فلا ينجح هدم ولا بناء.
 شهوات المتبرعين
في رمضان، وعند إشارات السير قبيل الأذان أو بعده، يزدحم أناس يوزعون الإفطار على الركاب، ويسببون ما يسببون من إعاقة وربما حوادث ليتصدقوا على من لا يحتاج ولا يريد. وهذه مشروعات ومبالغ كبيرة. وأمثال هذه الأعمال المصروفة في غير حقها ـ للأسف ـ كثيرة؛ ولهذا فإن من المهم أن تنشأ رقابة على المستغلين للتجار ولأعمال الخير؛ لتذهب إلى مصارفها الصحيحة؛ لأنه في هذه الحالة علاج مريض أو إصلاح الطريق، أو تنظيف الحي يعد أكثر أجرا وأبقى من توزيع هذا الطعام.

الأفكار والأحزاب
إن الجهد الفكري للمؤسسات القائمة لا يتناسب مع تمويلها ولا مع دورها، ولا مع أمل الناس فيها؛ فهناك ضخامة في الأموال والعائدات، وفقر فكري مروع. ولما تنشره هذه المؤسسات تقول: ليتها لم تفعل! إن الأفكار أساس حشد الناس لأي موقف، خير أو غيره، ولا تملك الجمعيات الخيرية أن تبعد الروح المحركة لعملها عن مؤسساتها التنفيذية، فعدد الذين تطوعوا في حملة أوباما في فلوريدا ـ فقط ـ كان أكثر من مئتي ألف متطوع، أغلبهم من الشباب.
والعمل الخيري بحاجة ماسة للمتطوعين، وليس صحيحا القول بأن الموظفينـ فقط ـ هم الأساس للعمل الخيري؛ بل عمدة العمل على المال الطوعي، والوقت الطوعي، والخبرة الطوعية، وهذا لا يتحقق لو بقيت أفكار الناس في المجتمع بعيدة، أو غير واضحة عن العمل الخيري، أو أصبحت أفكارا غامضة نائية في هامش المجتمع. لابد من الأفكار الكبيرة المقنعة التي أسست للعمل الخيري أن تعلو فوقه، وأن يصبح ثمرة لها، وأن يعيد العمل الخيري للأفكار التي أسسته قيمتها.
ثم إذا كانت المؤسسات الخيرية تهتم ببطون وأجساد الناس وتتنكر لعقولهم وأرواحهم؛ فهي تتنكر لمستقبلهم وتهمله. وقد تجد المؤسسات ملجأ للتأثير الفكري والروحي في العلاقة مع الحكومات؛ فإن الحكومات تقيم التعليم ومؤسساته، وحبذا لو ساهمت المؤسسات التطوعية في غرس روح لهذا التعليم