حريق المسجد الأقصى .. الجرح لم يندمل

كتب بواسطة: أسامة نبيل | في متابعات . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 5301

حريق المسجد الأقصى ..  الجرح لم يندمل

نسخة للطباعة
في الحادي والعشرين من أغسطس الجاري، يَمرُّ العام الثاني والأربعون على نكبة المسلمين الكبرَى التي أصابت المسجد الأقصى؛ ففي مثل هذا اليوم يستذكر المسلمون جميعًا الجريمة النكراء التي ارتُكِبَت ضد مسجدهم الأقصى المبارك، والنيران التي أضرمتها في جنباته يد الحقد المسعور والتطرّف الممقوت، فقد تخطَّى السائح اليهودي المتعصّب (مايكل دينيس) كلَّ الحدود، وتجاوز كل القوانين والمواثيق، وأحرق بِلَظَى كراهيته وسواد فِعْلَتِه مسرَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقِبْلةَ المسلمين الأولَى.
مجرم إرهابي حَظِيت فِعلتُه بدعمِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم؛ فقد أعاقت عمليات الإطفاء وتباطأت في محاولات الإنقاذ، وحظي هو شخصيًا بالحماية القانونية؛ فقد ادَّعى محرِّضوه إصابته بالعَتَه واختلال قواه العقلية، وقد دان العالم هذا العدوانَ، واستنكره وامتعض منه! وكفَى! وهذا نهجه من قبلُ ومن بعدُ في قضايا الأمة الإسلامية والعربية.



بداية الكارثة
استَيْقظ العالم صباح يوم 21 أغسطس 1969، على حريقٍ ضخمٍ شبَّ في الجناح الشرقي للمسجد الأقصى، وأتت النيران على كامل محتويات الجناح بِمَا في ذلك منبره التاريخي المعروف بمنبر صلاح الدين، كما هدَّد الحريق قُبَّةَ المسجد الأثرية المصنوعة من الفضة الخالصة.
ففِي هذا اليوم الموافق الـ8 من جمادى الآخرة 1389هـ، أقدم نصرانِيٌّ مُتصَهْيِن استرالِي الجنسية اسمه (دينيس مايكل)، جاء فلسطين باسم السياحة، أقدم على إشعال النار في المسجد الأقصى، والتَهَم الحريقُ أجزاءً مهمة منه، ولم يأتِ على جميعه، ولكن احترق منبر نور الدين محمود الذي صنَعه ليضعه بالمسجد بعد تحريره، ولكنه مات قبل ذلك، ووضعه صلاح الدين الأيوبي، والذي كان يُعتَبَر رمزًا للفتح والتحرير والنصر على الصليبيين، واستطاع الفلسطينيون إنقاذ بقية المسجد من أن تأكُلَه النار، وقد ألقت قوات الاحتلال الإسرائيلي القبضَ على الجانِي، وادَّعت أنه مجنون، وتَمّ ترحيله إلى استراليا؛ وما زال يعيش حتى الآن في استراليا، وليس عليه أي أثر للجنون أو غيره.
ومما يؤكِّد تورُّطها في الأمر، ما قامت به سلطات الاحتلال بقطعها المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد في نفس يوم الحريق، وتعمَّدت سيارات الإطفاء التابعة لبلدية القدس- التي يسيطر عليها الاحتلال- التأخير؛ حتى لا تشارك في إطفاء الحريق، بل جاءت سيارات الإطفاء العربية من الخليل ورام الله قبلها، وساهمت في إطفاء الحريق.
الأجزاء المتضررة
من الحريق
أمَّا أهم الأجزاء التي طالَهَا الحريق داخل مبنى المسجد الأقصى المبارك فهي:
 منبر "صلاح الدين الأيوبي" بهدف حرق عنوان النصر الذي أحْرَزَه القائد صلاح الدين الأيوبي عندما حرَّر القدس من الصليبيين سنة 1187م، (583هـ)، وهو يعتبر قطعةً نادرةً مصنوعةً من قطع خشبية، معشَّق بعضها مع بعض، دون استعمال مسامير أو براغٍ أو أية مادة لاصقة، وهو المنبر الذي صنعه "نور الدين زنكي"، وحفظه على أمل أن يضعه في المسجد إذا حرَّره، فلما مات قبل تحريره قام "صلاح الدين الأيوبي" بنقله ووضعه في مكانه الحالي بعد تحرير المسجد من دنس الصليبيين.
 مسجد "عمر" الذي كان سقفه من الطين والجسور الخشبية.
 محراب "زكريا" المجاور لمسجد "عمر".
 مقام الأربعين المجاور لمحراب "زكريا".
 ثلاثة أروقة من أصل سبعة أروقة ممتدة من الجنوب إلى الشمال مع الأعمدة والأقواس والزخرفة وجزء من السقف الذي سقط على الأرض خلال الحريق.
 عمودان رئيسان مع القوس الحجري الكبير تحت قبة المسجد.
 القبة الخشبية الداخلية وزخرفتها الجبصية الملونة والمذهبة مع جميع الكتابات والنقوش النباتية والهندسية عليها.
  المحراب الرخامي الملون.
 الجدار الجنوبي وجميع التصفيح الرخامي الملون عليها.
 ثمان وأربعون نافذة مصنوعة من الخشب والجبص والزجاج الملون والفريدة بصناعتها وأسلوب الحفر المائل على الجبص لمنع دخول الأشعة المباشر إلى داخل المسجد.
 جميع السجّاد العجمي.
 مطلع سورة الإسراء المصنوع من الفسيفساء المذهبة فوق المحراب، ويمتد بطول ثلاثة وعشرين مترًا إلى الجهة الشرقية.
 الجسور الخشبية المزخرفة الحاملة للقناديل والممتدة بين تيجان الأعمدة.
وقد تَمّ تصوير عملية الإطفاء التي قام بها الشباب المقدسيون الذين استعانوا بالبراميل ونقلوا المياه يدويًّا من الآبار الموجودة في ساحات الحرم القدسي الشريف، وأخرجوا السجاد المحترق إلى الساحات الخارجية، وجمعوا القطع الصغيرة التي بقيت من الحريق من آثار منبر صلاح الدين الأيوبي، وهي محفوظة  الآن في المتحف الإسلامي في الحرم القدسي الشريف.

الغضب
لعلَّ جولدا مائير رئيسة حكومة الاحتلال في ذاك الزمان، كانت تخشى شروق شمس اليوم التالي، حيث كانت تظنُّ أن الأرض ستميد تحت أقدامها، وأنَّها لن تقوم لدولتها قائمة، لكن طلع النهار وأشرقت الشمس، ولم يحدث شيء من مخاوفها.
هبَّ أبناء الشعب الفلسطيني من كل مكان لنصرة مسجدهم، وانطلقت سيارات الإطفاء من مدن نابلس وبيت لحم والخليل وغيرها، وهرع أهل البلدة القديمة في القدس إليه سراعًا، يحملون الماء بأيديهم، يخمدون به النيران التي سرت إلى منبر صلاح الدين فأحرقته، وامتدت حتى وصلت إلى سقف المسجد فخرقته.
فتداعى قادتها خلال شهر من الكارثة إلى مؤتمر قمة لهم في المغرب، قرّروا فيه تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، التي تضمَّن ميثاقها العهد على السَّعْي بكل الوسائل السياسية والعسكرية لتحرير القدس الشريف من الاحتلال الصهيوني.
ثم أُنشئت لجنة القدس عام 1975م بهدف متابعة تنفيذ القرارات التي تتخذها منظمة المؤتمر الإسلامي والهيئات الدولية الأخرى التي تؤيدها أو تتماشى معها، والاتصال مع أية هيئات أخرى، واقتراح المناسب على الدول الأعضاء لتنفيذ المقررات وتحقيق الأهداف، واتِّخاذ ما تراه من إجراءات، ويهدف إنشاء لجنة القدس أيضًا إلى تنفيذ جميع قرارات المنظمة المتعلقة بمواضيع الصراع العربي الإسرائيلي؛ نظرًا للترابط الجذري بينه وبين قضية القدس وفلسطين.

أبشع الجرائم
كانت جريمة إحراق المسجد الأقصى من أبشع الاعتداءات بحق الحرم القدسي الشريف، كما كانت خطوة يهودية فعلية في طريق بناء الهيكل اليهودي المزعوم مكان المسجد الأقصى، وكانت الكارثة الحقيقية والصدمة التي أعقبت هذا الاعتداء الآثِم أن قامت محاكم الكيان الصهيوني بتبرئة ساحة المجرم الاسترالي بحجة أنه "مجنون"!! ثم أطلقت سراحه دون أن ينالَ أي عقوبة أو حتى إدانة!!
وصرَّح المجرم (دينيس مايكل) لدى اعتقاله أن ما قام به كان بموجب نبوءة في سفر زكريا، مؤكدًا أن ما فعله هو واجب ديني كان ينبغي عليه فعله، وأعلن أنه قد نفَّذ ما فعله كمبعوث من الله!!
وعلى الرغم من أن الدلائل وآثار الحريق كانت تشير إلى تورُّط مجموعة كاملة في الجريمة، وأن هناك شركاء آخرين مع اليهودي المذكور، إلاّ أن قوات الأمن الصهيونية لم تجرِ تحقيقًا في الحادث، ولم تحمّل أحدًا مسؤولية ما حدث، وأغلقت ملفّ القضية بعد أن اكتفت باعتبار الفاعل مجنونًا!!
ويقول اليهود: إن (تيطس) قد دمّر الهيكل الثاني الذي يزعمون أنه كان مقامًا مكان المسجد الأقصى في 21/8/70م، ولذلك فإنَّ هذا التاريخ يمثِّل ذكرى حزينة لديهم، ولذلك لديهم الدافع لارتكاب اعتداءات ضد المسلمين وضد المسجد الأقصى للإسراع في بناء الهيكل الثالث المزعوم، ولهذا يلاحظ أن الاعتداءات اليهودية عادةً ما تزداد في شهر أغسطس من كل عام منذ احتلال اليهود لأرض فلسطين!!
ولم يكتفِ اليهود بإحراق المسجد الأقصى قبل (42) عامًا، كما لم تكن جريمة الإحراق حدثًا عابرًا، بل كانت خطوة على طريق طويل يسيرون فيه