عادات رمضان في مصر عبر العصور

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 7868

عادات رمضان  في مصر عبر العصور

نسخة للطباعة
على مرِّ العصور اختلفت مظاهر رمضان من عهدٍ إلى آخر؛ فكان لكل عصر سمات وعادات ومظاهر خاصة به، تختلف عن غيرها.. منها ما استمرَّ، ومنها ما بَقِي، ومنها أيضًا ما اندثر وأصبح في طَيِّ النسيان.
إلا أنَّ الكثير منها وخاصة ما ارتبط بالموروث الشعبي لا يزال ساريًا إلى اليوم، وقد يندهش المرء عندما يعلم أنَّ بعضًا من هذا الموروث يعود إلى 3 آلاف عام، وتحديدًا أيام المصريين القدماء، عندما كان يستخدمها "الفراعنة" بطريقةٍ مغايرةٍ.
وعلى الرغم من اندثار بعض المظاهر الشعبية، بفعل تطورات العصر الحالِي، التي عادةً ما تُصاحب الاحتفال بقدوم الشهر المبارك، إلا أنَّ الكثير منها مازال ساريًا إلى اليوم مِمَّا يعكس التأثيرات الروحانية التي يتركها الشهر الفضيل في الوجدان الجمعي.
ومن خلال الدراسات الأثرية التي أجراها عددٌ من المؤرخين والأثريين فإنَّ الأنشودة الشهيرة المرتبطة بقدوم رمضان "وحوي يا وحوي .. أيوحا"، كان يستخدمها المصريون القدماء، حيث يستند الباحثون إلى أنَّ كلمة "أيوحا" معناها "القمر" عند "الفراعنة"، وكانت الأنشودة يؤدِّيها صغار "الفراعنة" تحيةً للقمر، إلى أن أصبحت منذ العصر الفاطمي تحيةً خاصة بهلال رمضان.
وفي هذا السياق فإنَّ العصر الفاطمي يعدّ شاهدًا على بداية هذه المظاهر والاستعدادات لاستقبال شهر رمضان التي ظلّت تشهدها مصر منذ ذلك الحين. وحسبما يذكر المؤرخ إبراهيم عنانِي فإنّه في العام 155هجرية خرج أول قاضٍ لرؤية هلال رمضان وهو القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذي ولِي قضاء مصر، وخرج لرؤية الهلال، وتبعه بعد ذلك القضاة.
وفي ذلك كانت تعدّ لهم "دكة" على سفح جبل المقطم عرفت "بدكة القضاة"، يخرجون إليها لرؤية الأهلة، فلما كان العصر الفاطمي بنَى قائدهم بدر الجمالِي مسجدًا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان.
وفى عهد المماليك كانوا يُشاهِدون الهلال من منارة مدرسة المنصور قلاوون بالنحاسِين لوقوعها أمام محكمة الصالحية، فإذا تَحقّقوا من رؤيته أُضِيئت الأنوار على الدكاكين، وخرج قاضي القضاة في موكبه تَحُفُّه الفوانيس بالشموع والمشاعل حتى يصل إلى داره.
وكان من عادات المصريين آنذاك إذا حلَّ الشهر الكريم أن يتمَّ إغلاق جميع قاعات "الخمارات "بالقاهرة، وحظر بيع الخمور تمامًا، إلى أن رأَى الوزير المأمون تعميمَ ذلك في سائر الدولة  فكتَب به آمرًا جميع ولاة الأعمال بأن ينادَى على الناس أن مَن تعرَّض لبيع شيء من المسكرات أو شرائها سرًّا أو جهرًا فقد عرَّض نفسه لتَلَفِها وبرئت الذمة من هلاكها.
وفى عصر الدولة الأيوبية كان الملك الكامل يُغْلق "الخمارات" ويعتقل البغايَا في رمضان، ويغلق المطاعم والمقاهي، كما كان ينزل بنفسه في أول يومٍ من رمضان فإذا صادَف مفطرًا أمر بضربه, كما كان المحتسب يقوم بالمرور للتأكُّد من وَفْرَةِ وجودة السلع ونظافة السَّقَّائين.

عادات قديمة
وفي مستهلِّ الشهر الكريم كان يجلس السلطان في ميدان القلعة ويتقدَّم إليه الخليفة والقضاة الأربعة بالتهنئة، ثم يستعرض كميات الدقيق والخبز والسكر والغَنَم والبقر المخصصة لصدقات رمضان.
وكان لقدوم الشهر المبارك احتفالات شعبية ورسمية، فقد كان الخليفة يخرج في مهرجان إعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب "أحد أبواب القصر الفاطمي"، متحليًا بملابسه الفخمة وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة، وفي أيديهم الرماح والأسلحة، وأمامهم الجند، ويسير في الاحتفال التجار صانعو المعادن والصاغة، وغيرهم الذين كانوا يَتبارُون في إقامة أنواع الزينة على حوانيتهم فتبدو الشوارع والطرقات في أبْهَى زينة.
 وتكشف الدراسات التاريخية أنَّ المصريين هم أول من ابتكروا "الطبلة" في السحور، فكان المسحراتِي ينادِي بأسماء الأهالِي في المنطقة التي يختصُّ بها، وهى العادة التي لا تزال قائمة إلى اليوم، وتتواجد بكثرة في المناطق الشعبية.
أما أشْهَرُ من قاموا بالتسحير فشخص يدعى "ابن نقطة"، وهو المسحراتي الخاص للسلطان الناصر محمد، وكان "ابن نقطة" شيخ طائفة المسحراتية في عصره وصاحب فنّ "القومة"، وهى إحدى أشكال التسابيح والابتهالات حسب الطرق الصوفية.
وعلاوةً على ذلك فإنَّ الفانوس، تلك العادة التي لا تزال حاضرة في المشهد المصري اليوم، كان أول ظهور له في مصر خلال العام 1500 ق.م وكانت الفوانيس توضع في القصور والمعابد وعادة ما كان يتمُّ صناعتها من الذهب أو الفضة المُطَعَّمة بالذهب مع الزجاج الملون، وإن كان بعض المؤرخين يعتبرون أنَّ الفانوس كلمة فارسية معناها "المشعل".
وظلَّ الفانوس يتطور في مصر من عصر إلى آخر، ففي أثناء الحملة الفرنسية كان الأهالِي يضعون الفوانيس أثناء الليل كعلاماتٍ تدلُّ الجنود المصريين على أماكن الجنود الفرنسيين لينقضوا عليهم.
هذا التطور ذاته في استخدامات الفانوس انعكس على شكله وتصنيعه بالرغم من أن صناعته في الوقت الحاضر ليست من صناعة العرب والمسلمين، فضلاً عن أنه أصبح يأخذ أشكالاً تناسب أحداث الواقع ومناسباته المختلفة.
ويعدّ الفانوس من أبرز الطقوس التي ارتبطت بالشهر، فهو أول الهدايا الرمضانية في حياتنا يُقْبِل على شرائه الجميع كبارًا وصغارًا كلَّما هلَّ الشهر المبارك، فمن كان يمتلك الفانوس، كأنَّما امتلك زهوةَ الأطفالِ وفرحة رمضان.
وللفانوس تاريخ طويل، حيث مرَّت صناعته بتطورات عدة حتَّى وصلت اليوم إلى تقاليع عديدة ومبتكرة وقام علية صناع مهرة.
وتَدُلُّنا كتب التاريخ على أن الفوانيس في مصر عُرِفت منذ اليوم الأول لدخول الفاطميين في الخامس من رمضان عام 362 هجرية، وكان الفاطميون يُسْرِفون في تقديم الهدايا للأطفال احتفالاً بقدوم المُعزّ لدين الله الفاطمي، فقام الأطفال بحمل الفوانيس المضاءة لاستقباله والحصول على هدايا مقابل ذلك.
وتكرّرت هذه العادة لترتبط بشهر رمضان، ولتكون أحد أبرز ملامح الاحتفال بشهر رمضان لدَى الأطفال والكبار على السواء منذ حكم الفاطميون مصر وحتى الآن. وبتطور الزمن واستخدام تكنولوجيا الأضواء والأصوات، فقد اختَفَت الفوانيس الصاج- ذات الشمعة- وظهرت فوانيس أخرى حاملة معها أُنْشُودات مختلفة، غير أنَّ أكثر الفوانيس رواجًا هو فانوس القدس الذي يشهد إقبالاً متزايدًا.
ويقول المؤرخ الدكتور أيمن سيد فؤاد: إنَّ الفوانيس ظهرت في مصر منذ عصر المعز لدين الله الفاطمي، وذلك عندما وصل إلى مصر استقبله المصريون ليلاً يحملون الفوانيس، وهذا كان أول الاستخدام، أي الاستخدام الأول للفوانيس وذلك حسب المصادر التاريخية.
وكان ليل رمضان يستخدم فيه الشموع، حيث كان من عادات المدينة الإسلامية أن تنام بعد صلاة العشاء وتتراجع الأنشطة، ولكن في ليل رمضان كان يضطر الناس إلى الاستيقاظ للسحور فكانت القناديل تُقَاد بالزيت قبل أن تتحوَّل إلى فوانيس.
ويتحدث المقريزي عن الأضواء التي كانت تُضاء في ليل رمضان، عندما يتناول "سوق الشماعين" في القاهرة وسوق الشماعين هذا كان مخصصًا لبيع الشمع، ولكن لم تكن شموعًا عادية بل كانت شموعًا مختلفة الحجم وكبيرة جدًّا لدرجة أن بعضها كان يُحْمَل على عجل، وكانت هذه الشموع تستخدم للإضاءة في الليالي الدينية، سواء للمسلمين أو لغيرهم.

موائد الإفطار
خلال العصور القديمة كان الولاة والسلاطين يهتمون بإفطار المساكين وإقامة الولائم ويقومون بالإشراف بأنفسهم على هذه الموائد، ففي العصر الفاطمي كان يعهد فيه للقضاة بالطواف بالمساجد في القاهرة والأقاليم لتفقد ما تَمّ إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق المصابيح والقناديل وإعداد الولائم والموائد.
وكان لأحمد بن طولون حديقة إلى جوار مسجده، وتحت أشجار هذه الحديقة كان ابنه خمارويه يقدم موائد الإفطار والسحور للناس طوال الشهر، وأسس مدرسة لتعليم الطهاة ذاعت شهرتها، وتسابق الملوك في طلب الطباخين المتعلمين فيها مقابل أجور عالية.
وفى القرن الثالث الهجري أيضًا كان ابن طولون يهتمُّ بأمر العمال خاصة في شهر رمضان وقد خرج ذات مرة لزيارة مسجده وقت بنائه، فرأى الصناع يعملون إلى وقت الغروب، فقال: "متى يشترِي هؤلاء الضعفاء إفطارًا لعيالهم، أصرفوهم عند صلاة العصر" فأصبحت سنة من ذلك الوقت، فلمَّا فرغ رمضان قيل له: لقد انقضَى رمضان فيعودون إلى عاداتهم فقال: "قد بلغني دعاؤهم وقد بركت به وليس هذا مما يوفّر العمل".
واهتمَّ سلاطين المماليك بالتوسُّع في البِرِّ والإحسان طوال الشهر المبارك فاعتاد السلطان برقوق طوال أيام ملكه أن يذبح في كل يوم من أيام رمضان 25 بقرة يتصدَّق بلحومها، بالإضافة إلى توزيع الخبز والأطعمة على أهل المساجد والخوانق والروابط والسجون بحيث يخصُّ كل فرد رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة, وانتهج سنته من أتَى بعده من السلاطين، فأكثروا من ذبح الأبقار وتوزيع لحومها، كما كان يعدّ سلاطين السلطان بيبرس 5 آلاف رطل من السمن والجبن في كل يوم من أيام شهر رمضان.
كذلك اعتاد سلاطين المماليك على عتق 30 رقبة بعدد أيام الشهر الكريم، بالإضافة إلى إشاعة كافة أنواع التوسعة على العلماء، بحيث تُصْرَف لهم رواتب إضافية في رمضان، خاصة ما يصرف من السكر وقد بلغ كمية السكر في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون 3 آلاف قنطار قيمتها 30 ألف دينار.

أسواق رمضان
 وعن الأسواق التي كانت تَنْشَط فيها الحركة التجارية خلال شهر رمضان, يرصد المؤرخ إبراهيم عنانِي الأسواق المصرية في الشهر المبارك, وهى نفسها الأسواق التي أصبحت تنتشر اليوم في الأسواق المصرية المختلفة، وهى الأسواق التي كانت تختصُّ ببيع الشموع الموكبية التي تزن الواحدة "عشرة أرطال" فما دونَها، وكان الأطفال يلتفون حول إحدَى الشموع وبأيديهم الفوانيس يُغنّون ويتضاحكون ويمضون بموكبهم في الحواري من بعد الإفطار حتى صلاة التراويح.
وكان سوق الحلاويين من أبهج الأسواق ومن أحسن الأشياء منظرًا حيث كان يصنع فيه من السكر أشكال خيول وسباع وغيرها تسمى "العلاليق"، إضافةً إلى سوق السمكرية داخل باب زويلة ويعرض أنواع "الياميش" و"قمر الدين".
كما كانت وكالة "قوصون" بشارع باب النصر مقرًّا لتجَّار الشام ينزلون فيها ببضائع الزيت والصابون والفستق والجوز واللوز والخروب, ولما تخربت وكالة قوصون انتقلت تجارة المكسرات إلى وكالة "مطبخ العمل" بمنطقة التمبكشية في حي الجمالية بالقاهرة التاريخية، وكانت مُخَصّصة لبيع أصناف النقل كالجوز واللوز