الإعلام .. والدور الحقيقي

كتب بواسطة: بنان مرزوق | في رأي . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 2593

 الإعلام .. والدور الحقيقي

نسخة للطباعة
إنَّ هذا لسؤالٌ من المهم أن نسأله، ومن المهم أيضًا معرفة جوابه، خصوصًا إذا ما لاحظنا وصول الإعلام خلال السنوات الماضية -والشهور الأخيرة بالذَّات- إلى درجةٍ من القوة لا يُستهان بها، وإلى درجةٍ من التأثير يصعب إزالتها وتغييرها إذا ما كانت سلبيةً أو مُضلِّلة.
ودور الإعلام لا يُعرف إلاّ حال الأزمات -كما الصديق- و لايتّضح إلاّ في خضمّ الأحداث والصراعات -أكانت دوليةً أم محلِّية. في اللحظة التي يبحث فيها النَّاس عن الحق والصدق، ويُفتش فيها المجتمع عن النزاهة والانحياز، في اللحظة التي يصبح فيها الناس بالنسبة للإعلام عجينةً تُصلصلهم كيفما تشاء وفيما تشاء، وهي لحظةٌ إن تفحّصتها بعينٍ واعية سيتبيّن لك حينها العاقل من الجاهل، الصادق من الكاذب، ومُفتعل الخطوب من مُهدّئها.
فعلى الصعيد المحليّ مثلاً -وهو ما يُهمني الحديث عنه- حينما تحدث حادثة، وتولد شائعة فإنَّ الصحف تتحوَّل بشكلٍ ظريف لسوق خضرةٍ مليئة بالضوضاء/الغوغاء، الكلُّ يصرخ والكلُّ يدعوك أن تصدّقه! فالإعلام حال المُشكلة لا يخدم كثيرًا؛ إذ ترى -على سبيل المثال- من يعمد إلى ذكر جانبٍ واحد من القصَّة، ويؤجّج الحدث، ثُمَّ تجد من العامّة من يدافع ببسالة أو يُهاجم بضراوة مستندًا على هذا الجانب، والذي –ويا للبؤس!- قد يكون الجانب المُصيب أو المُخطئ من القصّة.
فعلينا أن نحرص دائمًا على معرفة الجانب الآخر من القصّة قبل أن نتحدَّث.
هذه الاندفاعات الإعلاميَّة التي تتكرَّر بشكلٍ دوريّ تؤثر سلبًا على المُتـلقي لتولِّد -في الغالب- آراءً، سرعان ما تتغيّر، فيتضح لأصحابها مدى التسرُّع والاندفاع. وتخدم -قطعًا- الخلافات في مجتمعٍ يتميّز عن غيره من المجتمعات في أنَّه يبحث بجدٍ وكدّ عن الثغرات التي تُفرّقه ثُمّ يحشر نفسه فيها! في مجتمعٍ لا يتهاون فيه البعض عن استباحة أعراض وسمعة بعضه البعض متى ما لمح الاختلاف.
والحديث عن الاختلافات/الخلافات يدفعني "لا إراديًّا" للحديث عن حفلات "تراشق المقالات" التي تُقيمها الأحزاب والتيّارات. إن الواحد منا ليُصلِّي صلاة شُكرٍ إذا ما مرّ أسبوعٌ واحد دون ضجةٍ إعلامية.. تراهم يقرعون الكلمة بالكلمة، والمقال بالمقال، والاتهام الكاذب باتهامٍ أبطل منه، حتَّى ولكأنهم ضرائر! والزوج ذو الحظ السيّئ في هذه الحالة ليس إلاّ الوطن، وأبناؤه ليسوا إلاّ المواطنين الذين سيُجبرون في مرحلةٍ ما على اتخاذ صف والوقوف على أحد الجانبين.
إنّ الإعلام إذا عكف على خدمة تيّارٍ معين ضد آخر، وأخذ يُفبرك الحقائق ويبثّ البلبلة بشكل خالٍ من المهنيّة فإنَّه يفقد قيمته الأساسية: الحياديّة، ولبئس الإعلام قد صار!! لا يُساهم حينها إلاّ في توسيع فجوةٍ من المُفترض عليه أن يُرمِّمها، يُعالجها، أو يُقنعنا بأنَّها ليست موجودة إذا تطلَّب الأمر ذلك!
لا أقول أن نتغابى، بل أن نتغاضى بفطنةٍ وحِكمة عمّا لا جدوى فيه و في ما لا نفع منه. ذلك أنّ التيارات المحلية أظهرت لنا أنَّه لن يمكنها أبدًا أن تقنع التيّار المخالف وتحاوره بطريقةٍ واعية وحضارية، جعلت الأمر يبدو عصيًّا غير قابلٍ للسلم، وهو ليس كذلك.
ولذا فإن السبيل الوحيدة لخفت هذه الضّوضاء هو تعايش هذه التيارات بعضها مع بعض، وتقبّل الاختلاف -أيّ اختلاف- ما دام لا يؤذي الطرف الآخر، أو يمسّ الدين ويخلع ركيزةً من ركائزه.
وللغزالي في هذا الشأن قولٌ فيه من السّدادة الشيء الكثير: (إذا سمحنا لأسباب الفرقة أن تنال منا، فلا مستقبل لنا؛ لأننا لن نكون).
نهاية: هل نحن مجبَرون على الخوض في كُلِّ شيء؟ للصمت مواضع، أحسنها و أجلُّها الصمت عند الفتن