المسيحيون العرب أسئلة الأقلية مسؤولية الأغلبية

كتب بواسطة: عبد الرحمن أبو عوف | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :81 | عدد المشاهدات : 2528

المسيحيون العرب  أسئلة الأقلية  مسؤولية الأغلبية

نسخة للطباعة
لم يكن المسلمون طوال أكثر من 14 قرنا، بحاجة للحديث عن تسامح دينهم، فوجود ملايين المسيحيين العرب وسواهم من أتباع الطوائف والعقائد الأخرى الذين يعيشون بين ظهرانيهم كشركاء في الوطن والحضارة، لهو خير دليل على ذلك، لكن هذا النموذج الفريد في التعايش تعرض لهزة قوية في السنوات الأخيرة، بسبب هجرة ملايين المسيحيين العرب لبلدانهم.. فهل ضاقت بلاد بأهلها.. أم أن "أخلاق الرجال تضيق"؟
في هذا التحقيق، نحاول استطلاع آراء ثلاثة من كبار المفكرين العرب حول أسباب هذه الهجرة، وتأثيرها على النسيج الاجتماعي والثقافي في عالمنا العربي؟ وهل من الممكن أن يأتي وقت يخلو فيه الشرق، مهد المسيحية، من أتباع المسيح؟ وما هي صحة ما يردده البعض من أن شيوع مناخ الاحتقان الطائفي والتطرف الديني، هو السبب الرئيسي وراء تلك الهجرة؟
هذه الأسئلة، وغيرها، وضعناها أمام المفكر الإسلامي فهمي هويدي ود.جلال أمين استاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والمفكر الإسلامي د.محمد عمارة، فماذا كانت إجاباتهم؟

أكَّد المفكر الإسلامي فهمي هويدي أنَّ المسيحيين في معظم البلدان العربية والإسلامية ليسوا أقلية؛ فالإسلام لا يقبل فِكْرَ الأقلية، وهذا المصطلح  غريب على الفكر الإسلامي وعلى تراثنا الحضاري، فهو يقوم على سُنَّة التعدُّد والتميُّز. لافتًا إلى أنَّ الغرب هو من يحاول تكريس ثقافة الأقليات في المنطقة لاستخدامها كأداةٍ للتدخُّل في شئوننا وتشويه ثقافة التعدُّد التي أقرَّها الإسلام وإشعال التوترات لاستخدامها كمسمار جُحَا؛ لإشاعة أجواء اضطراب وتكريس ثقافة تقسيم المنطقة.
وتابع: المسيحيون بين ظهرانينا يُعامَلون كمواطنين كاملي الأهلية يتمتعون بكافة حقوقهم. نافيًا أن يكون المسيحيون قد تعرَّضوا لاضطهاد لكونهم مسيحيين، بل إنَّ الاضطهاد قد وقَع بالفعل ضد المسلمين المُتَدَيِّنين في المقام الأول، حيث مُنِعوا لفتراتٍ طويلةٍ من العمل في الوظائف الراقية؛ باعتبارهم خصومًا للدولة، فيما فُتِحت الأبواب على مصراعيها لغيرهم.
وقدَّم هويدي دلائل على تمتُّع المسحيين بحريةٍ دينيةٍ، لافتًا إلى أنَّ أغلب البلدان العربية تفرض قيودًا شديدة على المساجد التي لا تفتح، إلا في أوقات الصلاة فقط، في حين تتمتَّع الكنائس بحرية تامةٍ، فيما كان يُمارَس حظرٌ في السابق على التحاق المحجبات بوسائل الإعلام العربية، حتى وصَل الأمر للحرمان من التعيين في الوظائف القيادية وعضوية هيئات التدريس في الجامعات.
وفرَّق هويدي بين اضطهاد المسيحيين العرب وإمكانية تعرُّضهم لأنواع من التمييز؛ فالاضطهاد اصطلاحًا يعنِي تعمُّد الانحياز ضدهم من جانب السلطة وتعقُّبهم لمصادرة حقوقهم وحرمانهم مِمَّا يُفْتَرض أن يتمتع به المواطن العادي من تلك الحقوق. أمَّا التمييز فهو سلوك اجتماعي يتحيَّز ضدهم بسبب معتقداتهم الدينية، مشيرًا إلى أنَّ بعض الأنظمة العربية قد مارست جزءًا من هذا وذاك، وهذا يعود إلى طبيعة هذه النظم الاستبدادية، فهي لا تنحاز للأغلبية المسلمة بل إنَّ هذه الإجراءات التمييزية قد طالت الجميع.
وشدَّد على أنَّ التطورات السياسية الأخيرة في العالم العربي تؤشِّر- رغم علوّ الصوت الطائفي- إلَى عودة المسيحيين كشركاء كاملِي الأهلية في أوطانهم، بل سيكون لهم دور كبير كما كان لهم في بناء صُرُوح الحضارة الإسلامية.
لافتًا إلَى أنَّ وقوع بعض الحوادث هنا وهناك لا يشكِّل ثقافة أصلية داخل الشعب العربية ولكنَّه يعود للممارسات الاستبدادية التي حاولت تكريس نوعٍ من الوَقِيعة بين المسلمين؛ لضمان استمرارها في الحكم، فضلاً عن وجود نوع من التطرُّف في أوساط الطرفين دعَّم- دون قصدٍ- مخططَ النظم الاستبدادية.
وأبدَى هويدي تفاؤلاً بمستقبل أفضل للمسيحيين في المنطقة، فمن الطبيعي أن يتلاقَى المسلم العربي مع المسيحي العربي على أرضية الإسلام الحضارية الرافضة بشدَّة لكل أشكال الغلو والداعمة  للحرية الدينية، التي تستند فقط  للكفاءة كشرط أساسي ووحيد لشغل الوظائف العامة  الوظائف العامة، وتُعْلِي من قيمة الإنجاز دون نظر إلى النوع أو المعتقد الديني للأشخاص.
وبدوره يري د. محمد عمارة المفكِّر الإسلامي المعروف أنَّ هجرة المسيحيين من العالم العربي تُعَدّ خسارةً كبيرة للحضارة الإسلامية التي شارَك المسيحيون الشرقيون في بنائها، وأخلصوا في هذا الأمر بل هي خسارة للدين الإسلامي نفسه الذي يُقِرّ التعدديةَ الدينية باعتبارها سنّة من سُنَنِ الله التي لا تبديل لها.
وتابع: هجرة المسيحيين وانفلاتهم عن الهوية الحضارية لبلادهم يشكِّل عامل ضعف شديد للمسيحية بل يهدِّد بتلاشيها في نهاية المطاف، معتبرًا أنَّ خروج المسيحيين من الشرق يشكِّل بداية النهاية لقيمهم وموروثهم الحضاري؛ فمشاركتُهم في بناء الحضارة الإسلامية قد يشكِّل دافعًا لهم للإنجاز والحراك، فيما ستُكرِّس هجرتهم انقراضًا لهويتهم وخصوصيتهم الثقافية والدينية.
واعتبر عمارة أنَّ المخاطر على مسيحيي المشرق قد تصاعدت بعد خروجهم من حاضنة الانتماء الحضاري الجامع "والانغماس في الطائفية وسعي الكنيسة للتحوُّل من سلطة روحية لمتحدثٍ حصريٍّ عن المسيحيين في بعض البلدان مما جعلها تعانِي اليأس والاغتراب. مُحمِّلاً الغرب مسئولية تنامي الأجواء الطائفية في المنطقة، فالكنائس الغربية والتي لا تقوم بدورها في تنصير أبنائها وبني جلدتها بشكلٍ كرَّس  نوعًا من المعتقد اللاديني في حين يتركّز دورها في محاولة تنصير  المسلمين في المنطقة مما يعزِّز من مناخ التوتر الطائفي.
 ونفي أن يكون صعود ما أسماه البعض الإسلام السياسي والعودة للأصولية للإسلامية هي المسئولة عن الصعوبات التي تُواجِهُهم، بل على العكس تمامًا يجب النظر لهذه العودة باعتبارها تَحْفَظ انتماءهم وهويتهم، ومُدلِّلاً على ذلك بتصاعد الهجرات المسيحية من بلدان لا تشهد أي صرا عات طائفية.
ويرَي عمارة أن تراجع الوزن الديمجرافي للمسيحيين العرب يعود لعدَّة أسباب منها: تصاعد أرقام المهاجرين منهم للخارج، يليها اعتناق عددٍ كبير منهم للإسلام، فضلاً عن تضاؤل معدَّل الإنجاب بصورةٍ ملحوظةٍ، وهي الأسباب التي دفعت- بحسب د.عمارة- بعض مفكِّريهم للحديث عن إمكانية انقراضهم خلال العقود القادمة.
واعتبَر عمارة أن قضية مشاكل مسيحيي الشرق مفتعلة وتُحرِّكها دوائر غربية ترغب في إشعال موجات اضطراب في المنطقة وتكريس الاختلاف بين أبنائها. مطالبًا عقلاء المسيحيين في الشرق أن يستيقظوا من "الحلم العنصري المجنون"ويعودوا للحاضنة الوطنية باعتبارها السبيل الوحيد لحماية أنفسهم وكنيستهم الوطنية.
وشدَّد عمارة على ضرورة تضافُر جميع أبناء الأمة مسلمين ومسيحيين، والتَّنَبُّه لخطورة المشروع الأمريكي الصهيوني الساعي لزعزعة الاستقرار في المنطقة، عن طريق نبش الطائفية وتغذية الفتنة.
د.جلال أمين أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة اعتبر أنَّ  المسيحيين  العرب يُعبّرون عن رافد أساسي فى الثقافة العربية، كنيستهم هي كنيسة العرب وحضورهم الحى الفاعل الممتد على مدار قرون شاهد عيان على تعدُّد الثقافة العربية وإمكانية تعايشها مع المختلف دينيًا بل تفعيل الشراكة معه في بناء الأوطان والحضارات.
ولفت للدور الكبير الذي قام به المسيحيون العرب فى مشروع النهضة العربية عبر إسهامات رصينة  فى عالم الفكر والسياسة، والاقتصاد، وانخرطوا فى المشروعات السياسية الكبرى التي عرفتها الحقبة شبه الليبرالية فى النصف الأول من القرن العشرين ولكن ما لبث  أن تقلص حضورهم تدريجيا وواجهوا تحديات شديدة أبعدتهم عمن صدارة المشهد .
وحدد أمين هذه التحديات في  شيوع ثقافة عدم التسامح، وظهور آراء فقهية تنال من مواطنتهم وتراجع مشاركتهم فى المؤسسات السياسية الديمقراطية والأجهزة الإدارية والبيروقراطية وحصرهم جميعًا في إطار تمثيل طائفي تَحْتَكِره المؤسسات الدينية بشكلٍ مُقَنَّن أو غير مقنن. معتبرًا أن تراجع أعداد المسيحيين العرب لأقل من 20 مليون نسمة يكشف الصعوبات التي توجههم في بلداننا.
وأشار إلى أنَّ هذا المناخ المحتقن هو المسئول عن تصاعد هجرة المسيحيين إلى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا مما أضعف من وزنهم الديمجرافي في المحيط العربي لدرجة أنَّهم يوشكون على الانقراض، مثلاً في فلسطين المحتلة والتي تُعَدّ معقل المسيحية في المنطقة تلاه تكرّر نفس السيناريو في العراق نتيجة استهدافهم ودور عباداتهم بشكل جنونِي، بل إنَّ هذا الأمر قد بدأت بعض ملاحمه تظهر في مصر رغم أجواء التآلف بين الطرفين خلال الثورة على النظام الفاسد المستبدّ.
ولم يَفُت أمين أن يعزوَ مناخ الاحتقان الطائفي في المنطقة لتصدُّر المتطرفين وأنصاف العلماء المشهدَ الديني على عكس ما كان يحدث في بداية القرن الماضي، حيث كان علماء بوزن محمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا ومتولي الشعراوي يُكرِّسون قِيَم التسامح والمودة واحترام الآخر، ففي هذه الحقب لم يكن يُسْمَح لحوادث مثل التي رأيناه في مصر والعراق أن تُهدّد النسيج الوطني في مجتمعاتنا.
ولم يستبعد د.أمين وجود دوافع اقتصادية وراء تصاعد المدّ الطائفي في عددٍ من بلدان المنطقة؛ فالضائقة الاقتصادية وتصاعد معدلات الفساد يمكن أن يضعف ثقة طبقة كاملة بنفسها ويضاعف القلق مما يمكن أن يأتِي به المستقبل حيث يعجز الكثيرون عن توفير احتياجاتهم الأساسية فيلجئون للتنفيس عن أوضاعهم بحوادث طائفية أو يغادرون البلاد لموطن آخر قد يستطيعون معه استعادة ثقتهم بأنفسهم.
وشدَّد د.أمين على أنَّ إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة وإنهاء كافة أشكال التمييز والاعتماد على معيار الكفاءة كسبيل وحيدٍ للحصول على الوظائف في مختلف دواويين الدولة وحظر كافة أشكال التمييز والرهان على الإصلاح السياسي والديمقراطية كسبل لمواجهة الاحتقان الطائفي وقطع الطريق على مَن يحاولون استخدام هذا الملف.