التصنيفات الفكرية استقطاب سياسي

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 2888

التصنيفات الفكرية استقطاب سياسي

نسخة للطباعة
مع فتح أجواء الحريات ببلاد الثورات العربية كانت معها موجات عديدة من بروز تيارات فكرية على الساحة السياسية، الأمر الذي جعل هذه البلاد بمثابة ساحة للاستقطاب السياسي، على نحو ما صارت تشهده بلاد الربيع العربي حاليا من جانب هذه التيارات.
وعلى الرغم من أن هناك تيارات نشأت في رحم الأنظمة المستبدة التي أسقطتها الثورات العربية، إلا أن أجواء الحرية كانت بمثابة النسيم الذي أصبحت تتنفسه تيارات أخرى، بعدما كانت الأنظمة السابق تكبح جماحها، وتمارس ضدها أشد أنواع الاستبداد.
وربما تكون الأضداد الفكرية هي النموذج الأوضح في القراءة السابقة، فمثلا التيارات الليبرالية أو اليسار عمومًا نشأت في رحم أنظمة اشتراكية وقومية، إلى أن كانت الأنظمة الأكثر رأسمالية وانفتاحًا بمثابة الحضن الدافئ لهذه التيارات، لتغدق عليها فتدخلها حظيرتها السياسية، فتحظى برعايتها.
هذا الإغداق، وعلى الرغم من أنه كان يقلق الأنظمة الاستبدادية ذاتها، إلا أنه كان يروق لها وجود مثل هذه التيارات، ليس رغبة فيها أو حبًا فيما تطرحه من أفكار ورؤى، ولكن كان بغرض أساس، وهو مواجهة التيارات الإسلامية، التي كانت تعاديها الأنظمة الاستبدادية، وتنصب لها شباك الصيد ما بين اعتقال وتصفية جسدية.
ولذلك استخدمت الأنظمة الديكتاتورية التيارات الفكرية المختلفة المشار إليها لقمع التيارات الإسلامية، عن طريق إقصائها من كافة المؤسسات الثقافية، فضلا عما مارسته ضدها الأنظمة ذاتها من إقصاء من كافة المؤسسات التنفيذية وأجهزة الحكم المحلي، خلاف ما واجهت به ذات الأنظمة هذه التيارات من قمع على أوجه متعددة، للحيلولة دون بروز هذه التيارات بشكل يعمل على إثارة القلق لهذه الأنظمة، أو يكشف جورها وفسادها، في الوقت الذي تلاقت فيه هذه الرغبة مع رغبة تيارات فكرية أخرى مناوئة للتيارات الإسلامية بعزلها سياسيا وثقافيا واقتصاديا، كما تم قمعها أمنيا على المستويات كافة.
مصير مشترك
هذا الغير عانى من استبداد وفساد الأنظمة، ولكنه أبدًا لم يكن مثل الاستبداد الذي عانى منه الإسلاميون، والإقصاء الذي تعرضوا له من قبل الجميع، في الوقت الذي لم يكتف فيه كل المناوئين بممارسة هذا الكبت والإقصاء بحق الإسلاميين، بل راحوا يمارسون أشكالا عدة من التشويه والتزييف بحق التيارات الإسلامية.
واليوم، ومع موجة الثورات العربية التي تشهدها بلاد العالم العربي، فقد تزايدت حملات التشويه للتيارات الإسلامية من جانب ذات التيارات التي كانت تناصبها العداء، وخاصة مع البروز الأكثر لقوى التيار الإسلامي، والشعبية الجارفة التي حصدتها هذه القوى، مقابل ما رأته التيارات الأخرى من تدني شعبيتها في الشارع العربي ببلاد الثورات.
ومع الصعود الإسلامي، رأت تيارات أخرى أحقيتها في الإعلان عن نفسها، على نحو ما ظهر في بروز تيارات ومذاهب مثل الصوفيين، وان كانت الأنظمة المستبدة تدعمها لخرق الإسلام الصحيح من خلالها، إلا أنها وجدت لنفسها فرصة قوية ليكون لها دور وتواجد على الساحة.
الشيء نفسه فعلته الشيعة التي رأت لنفسها الفرصة سانحة للإعلان عن نفسها في خضم الحضور الطاغي للتيارات الإسلامية، للدرجة التي جعلت الصوفية والشيعة يسعون إلى العمل على إعداد أحزاب سياسية لها، وتدافع عنها، على الرغم من الرفض الشعبي والديني لإنشاء حزب شيعي، فضلا عن رفض مؤسسة الأزهر ذاتها لانتشار ما يعرف بالحسينيات في مصر، على نحو ما كان يسعى إلى إقامته بعض الشيعة في مصر.

مصالح ذاتية
التيارات التي ظهرت إبان الاستبداد والأخرى التي انتعشت في أجواء حرية الثورات جميعها سعت إلى ممارسة أشكال عدة من الاستقطاب لتشويه بعضها البعض، للدرجة التي جعلت المشهد استقطابيًا بامتياز، وهو ما كانت له آثاره النفسية والعكسية على ذات التيارات وحضورها في أوساط الرأي العام، الذي رأى أن هذه التيارات تسعى إلى تحقيق مكاسبها والحصول على أغراض خاصة بها، وتغليب مصلحتها على مصلحة الوطن وأبنائه، الأمر الذي أوجد بينها وبين دعم هذه التيارات هوَّة سحيقة، في الوقت الذي لا تزال التيارات الليبرالية والأخرى المناهضة للتيار الإسلامي تعمل على تشويه هذا التيار، فيلقى حضوره وتأثيره في أوساط بسطاء الناس.
ولذلك فإن هذا الاستقطاب كانت له آثار نفسية واسعة على أوساط الرأي العام، الذي وجد في نخبه وقواه السياسية صراعًا أيدلوجيًا، ففقد فيها الثقة، وهذا ما أوجد بينه وبينها فجوة عميقة تضاف إلى تلك الفجوات التي كانت قائمة إبان الأنظمة السابقة، عندما سعت إلى تجريف جميع التيارات والأحزاب السياسية.
وكما أن التيار الإسلامي انقسم إلى تيارات متعددة، كإخواني وسلفي وجهادي، كان الحال نفسه مع التيارات اليسارية التي تعددت أيضا فظهر منها القوميون والليبراليون والعلمانيون وغيرهم، علاوة على الشيعة أنفسهم الذين ظهر بينهم الاثنا عشرية وغيرها، بجانب الصوفية والسرورية وغيرها من التيارات، وجميعها كانت فرصة للعب الأنظمة الاستبدادية عليها، وكان الحال نفسه بعد قيام الثورات، حيث لعبت الأنظمة الانتقالية على ذات التباينات بين هذه التيارات، فاستخدمتها كما كانت تعمل على ذلك الأنظمة الاستبدادية.
الأمر كان ملاحظا بشكل كبير في مصر وتونس، عندما تم اللعب على ورقة التيار السلفي وتشويه صورته، ووصفه بالمتشدد، وكان الحال نفسه مع جماعة الإخوان المسلمين، التي يتم وصفها دائمًا بالاستحواذ والهيمنة، بل وتشويه صورتها واتهامها باتهامات باطلة، على نحو ما صار يتردد في المشهد المصري من قبل المحسوبين على النظام المخلوع بأن عناصر الجماعة كانوا متورطين في الموقعة المعروفة إعلاميًّا بـ"الجمل"، والتي شهدت عدوانًا من جانب قيادات وأعضاء الحزب الوطني المنحل على المعتصمين في ميدان التحرير إبان الأيام الثمانية عشر للثورة.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة د.سيف عبد الفتاح يؤكد من جانبه أن التيارات التي بدأت تمنح لنفسها حق التيارات المدنية أصبحت تغالي في تقديم نفسها للرأي العام العربي بأنها هي المدافعة عن الدولة المدنية المضادة للدولة الدينية، ونسوا أو تناسوا عن جهل أو خلافه أن نشوء الدولة المدنية كان في العصر اليوناني، ونشأ مصطلحها ليكون ضد الدولة العسكرية، وتمييزا بينها وبين الدولة الدينية التي كانت تسيطر عليها الكنسية في العصور الوسطى بعد ذلك.
غير أنه في دولنا العربية- كما يقول د.سيف عبد الفتاح- تم استخدام مصطلح الدولة المدينة موازيًا للدولة العلمانية التي تسعى التيارات اليسارية إلى إقامتها، ولكونها تعلم أن هناك رفضًا شعبيًا للعلمانية، لكونها تصطدم بالدين، فقد بحثت هذه القوى اليسارية عن مصطلح مرادف للدولة العلمانية، وهي الدولة المدينة، وجعلتها نقيضًا للدولة الدينية، التي لم ينادِ بها أحد من الإسلاميين، في الوقت الذي نفهم فيه أن الدولة المدنية هي الدولة التي لا يحكمها العسكر، وليس على النحو الذي تذهب إليه قوى التيارات اليسارية.
إلا أنه مع القراءة السابقة، فإن د.عبد الفتاح يؤكد أن هناك قوى وطينة تعمل لصالح أوطانها، وتعمل على تغليب مصلحتها أكثر من غيرها، وإن اختلفت أفكارها مع تيارات أخرى كالإسلامية مثلا. ويشدد في هذا السياق على ضرورة أن تتجاوز خلافاتها لتكون على مستوى قيام الثورات التي قامت بها شعوبها