قراءة في إشكـالات المنهج والإسقاط الجرح والتّعديل في ثوبه الجديد

كتب بواسطة: شيخ أحمد جينغ | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 3916

قراءة في إشكـالات المنهج والإسقاط  الجرح والتّعديل في ثوبه الجديد

نسخة للطباعة
من تجلّيات نعم الله على هذه الأمّة ما تعيشه من صحوة إسلاميّة مباركة كان لها دور في إيقاظها من عميق غفوتها، وتنبيهها من الإغفال والاستغلال، وكانت سببًا في بثّ الوعي وإذكاء الحماسة والطّموح، صحوة عقيدة سليمة وفكر إسلاميّ نيّر، أطلّت فنجم عنها اختفاء أشكال التبعيّة والتّقليد، وخفوت أصوات المنظّرين لصور التديّن المغشوش، وأضحى البحث عن الدّليل وعن صحّة الدّليل واحترامه وتقديسه، وجعله فوق كلّ الاعتبارات السّمة البارزة لها، والعلامة الفارقة، توجّه صوب التّراث تحقيقًا ودراسة وشرحًا. حضور لافت لمظاهر الالتزام والسّنن في المجتمعات الإسلاميّة وحتى الغربيّة، والتفاف حول المشايخ والدعاة ورواد الإصلاح، انكباب على الكتاب الإسلاميّ والشريط الإسلاميّ والفنّ الهادف الملتزم، ورفض للتّغريب والاستلاب الحضاريّ، ودعم للقضيّة الفلسطينيّة العادلة، وانحياز واضح لخيار المقاومة والممانعة.
ومع تصاعد هذا الإيقاع الإيجابي للصّحوة، والذي أثّر في رفع سقف نفوذ التيار الإسلاميّ، وتزايد اقتناع الجماهير بمشروعهم الإصلاحيّ، وامتداد قاعدتهم الشعبيّة: طفقت خيوط الكيد والمكر تُحاك ضدّ هذه الأمّة وصحوتها وشخصيّاتها، وكان من أكثر حلقاتها تأثيرًا وفتكًا: تلك الطعنات والجراحات التي نالت من لحوم وأعراض علمائها ودعاتها وأدبائها وشعرائها ومصلحيها، في محاولة بائسة ويائسة لتشويه الصّورة النّاصعة والسّمعة الطّيّبة قصد إسقاطهم وإسقاط مشروعهم الإسلاميّ، وليس غريبًا أن يقترف الغرب، أو العدو الصهيونيّ، أو الحكومات العميلة والدّاعمة لمشروع التّغريب في العالم الإسلاميّ هذه الخطيئة، ولكنّ المفارقة العجيبة والمؤسفة جدًّا أن تصدر هذه الممارسات من قبل مجموعات تنتسب إلى السّاحة الدّعويّة، وأن يمارسوا ضدّ إخوانهم سياسة الأرض المحروقة، فحرّكوا عاصفة هوجاء، ما زالت بصماتها وسماتها ماثلة للعيان، وأبقت السّاحة في حالة من السّخونة والفوضى، وما رافقها من اهتزاز في العلاقات وتنافر في القلوب، كلّ ذلك بدعوى تعاطي الجرح والتّعديل ضدّ الحزبيّين والمبتدعة ودعاة الفتنة والفوضى...!!، وقد جلبوا كلّ الشواهد النصيّة والآثار السّلفيّة التي استند إليها  المحدثون وعلماء الجرح والتّعديل في جرح الرّواة والشّهود لتعطيهم ضوءًا أخضر وحصانة للتّمادي في استكمال فصول مخطّطاتهم الهدّامة.
 والمتابع لما قدّمه هؤلاء على هذا الصّعيد يلاحظ الآتي:
 اعتبار أمور بعينها قوادح في صحّة المنهج، ومروقًا من السّلفيّة، كتأسيس الجماعات والجمعيّات للدّعوة  إلى الله  سبحانه وتعالى، وإقامة الأحزاب السياسيّة لمزاولة الجهاد  الدستوري، أو الانضمام إليها، أو التّّعاون معها، وبالتّالي إعداد معلبات جاهزة من عبارات التّصنيف مثل: (البدعي) و(الحزبي)، أو (الإخواني)، و(السروري)، و (التّبليغي)، وهلمّ جرًّا. وإطلاقه على من تسوّل له نفسه أن يقترف واحدة من هذه المحظورات عندهم، وإخراجه من باحات السّلفيّة الرّحبة!!
 تتبع زلاّت العلماء والدّعاة، والقدح فيهم بسببها، والتّحذير من الأخذ عنهم، ومتابعة كتاباتهم وبرامجهم، ويستدلّون كثيرًا بقول التابعيّ الجليل محمد بن سيرين: (إنّ هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم)، وقوله: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سمّوا لنا رجالكم، فينظروا إلى أهل السنّة فيأخذ حديثهم، وينظروا إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم). وهناك حقيقة لا بدّ من كشفها والتوقّف لتكريسها، وهي:
 أن علوم الحديث بأنواعها وعلم الجرح والتعديل خصوصًا قامت على الجديّة واستهداف الغايات الساميات بأنظف الوسائل وأنبلها، فلم توجد هذه العلوم للعدوان والبغي على الآخرين، يقول الحافظ ابن الصلاح: (علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وينافر مساوئ الأخلاق ومشاين الشّيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا...)، و قواعده في منتهى الصّرامة والصّراحة لا تحابي أحدًا على أحد، وقد اتفقت كلمة العلماء قديمًا وحديثًا ـ إلاّ من شذّ من بعض المتصوّفة والعقلانيّين ـ على تبرير عملهم، وقبول كافّة الأدلّة العقليّة والنقليّة والآثار التي ساقوها في هذا الباب، من أجل جرح الرّواة الضّعفاء للحاجة إليه، وتوثيق الثقات، وأنّ ذلك من الذبّ عن الشّريعة المكرّمة وليس من الغيبة المحرّمة؛ وذلك لأنهم أرسوا ركائز لهذا العلم منعًا من الانزلاق وراء العواطف والمؤثّرات النفسيّة، وسأتعرّض من هذه المرتكزات ما يتّصل بموضوعنا، فمنها:                                                     
 أنّ الجرح والتّعديل عندهم لا يقبلان إلاّ من عالم تقيّ ورع صادق بريء من التعصّب، عارف بأسباب الجرح والتّزكية، يقول الحافظ الذهبيّ: (والكلام في الرّواة يحتاج إلى ورع تامّ وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله)
 تشديدهم على تفسير الجرح والكشف عن علّته، ولقد كان لذلك أهميّة قصوى؛ إذ به يعرف موضع الجرح من حيث القبول والردّ، وتظهر قوّته في اقتضائه الجرح المحكيّ أو ضعفه، فقد يطلق أحدهم الجرح استنادًا إلى ما اعتقده جرحًا، والواقع خلافه، وبخاصّة إذا كان الإمام متشدّدًا يقدح في غلطين وثلاثة، فهذا شعبة بن الحجاج – وهو من المتشدّدين على جلالة قدره – يترك حديث رجل فلمّا سُئل عن السّبب والعلّة، قال: (رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه).
والإمام الجليل الحكم بن عتيبة قيل له: (لِمَ لمْ تروِ عن زاذان؟ فقال: كان كثير الكلام). وقد اتّفق النّقاد على إهدار مثل هذه الأسباب، لذا عقد الخطيب في كفايته بابًا بعنوان: (ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة).  فأورد  فيه مثل هذه الحكايات.
ومن الضوابط المهمة جدًّا: التّشديد على نقل الجرح مع التّعديل في حال تواردهما على راوٍ، وكان الإمام الذهبيّ يتضايق كثيرًا من آفة ذكر الجرح دون التّعديل. يقول في ترجمة أبان بن يزيد العطار: (...وقد أورده ـ أيضًا ـ العلامة ابن الجوزيّ في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثقه...) ثم قال: (وهذا من عيوب كتابه، يسرد الجرح ويسكت عن التّوثيق...)
 ومن القيود الضّابطة ـ أيضًا ـ: رفض الجرح النّابع من اختلاف العقائد، أو دافع التعصّب المذهبيّ، أو الحقد والحسد، والمنافسة بين الأقران، لذا لم يلتفت المحدثون إلى كلام ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد في إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولا إلى كلام محمد بن يحيى الذهلي في البخاريّ، ولا إلى كلام النسائيّ في أحمد بن صالح المصريّ الحافظ، ولا إلى كلام ابن معين في الشافعيّ ـ إن أراد الإمام الشافعي ـ مصداقًا لقول الصادق المصدوق عليه الصّلاة والسّلام: (دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء...).           
ولقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: (استمعوا علم العلماء ولا تصدّقوا بعضهم في بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدّ تغايرًا من الإبل في زروبها...)
 أمّا أصحاب فكر الجرح الجديد:
فطفل الإسلام الذي يفتقر إلى أبسط المؤهلات العلميّة الأوليّة يجرح شيخ الإسلام الذي علا كعبه في العلم والعمل!!
والجرح عندهم  يُطلق لسبب ولغير سبب، وإن أوقعوه لسبب فالغالب أنّه غير مؤثّر.
وكم جرّحوا من دعاة سبقهم أمثال سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز، والعلاّمة محمد بن صالح العثيمين، و ناصر السنّة محمد ناصر الدين الألباني، والعلاّمة ابن جبرين ـ رحم الله الجميع ـ إلى تزكيتهم والثّناء عليهم.
وتراهم يتكلّفون جدًّا في محاولة القدح في أئمّة هذا العصر، ولا يتخيّرون من الألفاظ أطيبها وألطفها وأنسبها شأن الجهابذة النّقاد -رحمهم الله- فيطلقون العبارة القاسية والنابية بلا حدود؛ فتجد أحدهم ـ رحمه الله وعفا عنّا وعنه ـ يؤلّف كتابًا للردّ على إمام جليل وعالم علاّمة، سمّاه: (إسكات الكلب العاوي......)
ومن إخلالهم البيّن لقواعد هذا العلم: تصديقهم لكلّ من هبّ ودبّ من الشّباب المتحمّس في نقولاتهم عن المشايخ الكبار وبناء جرحهم عليها دون تقصٍّ للحقائق، وكثيرًا ما يكون باطلاً مركّبًا لا نصيب له من  الصّحّة، أو نتيجة إساءة فهم لكلام العالم ومغزاه.
إنّ أصحابنا وإن زعموا أنّ منهجهم امتداد لمنهج هؤلاء الأفذاذ فإنّ كلامهم هذا لا يعدو كونه دعوى عارية للفوارق الجوهريّة بين المنهجين، أضف إلى ذلك  الإشكالات المنهجيّة التي تحفّ  بجرحهم.
فالمحدّثون الأوائل رصدهم في قواعدهم لبعض أهل البدع والأهواء، و جرحاتهم تستهدف الفسّاق والكذّابين وسيّئي الحفظ ومن في حكمهم.
أما إخواننا فقواعدهم وعباراتهم القاسية معدّة سلفًا لخيرة علماء الأمّة ودعاتها!! ويكفيك برهانًا على سقوط هذا التوجّه وتهافته وإفلاسه الوقوف على قائمتهم السوداء التي تضمّ الخيرة المهرة من جلّة العلماء، ناهيك عن القنوات الفضائيّة الإسلاميّة وبعض الصّحف والمجلات والدّوريّات الطّيّبة النّافعة، مثل: المجد ـ اقرأ ـ الرسالة ـ الدليل... ـ كتاب الأمة ـ المجتمع ـ البيان ـ الإسلام اليوم ...
ومن يمعن النّظر يتجلّى له: أنّ المحدّثين إنّما تعرّضوا للأشخاص لعدم وجود آليّة أخرى تصلح معيارًا للتّقييم والنّقد؛ فهم أمام من يحمل كلامًا منسوبًا إلى النّبيّ ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ فلا يتّجه رفضه مبدئيًّا لاحتمال أن يكون كذلك، فاضطروا للبحث والنّظر في حال النّاقل وشخصه جرحًا و تعديلاً للوقوف على صدقه من كذبه.
أمّا هؤلاء فبين أيديهم علماء درسوا الشّريعة وتخصّصوا فيها، ولهم كتابات ومقالات، يحاولون الاستدلال بالكتاب والسنّة معتمدين على فهم أوتوه  يتفاوت فيه البشر، وهم مع ذلك معرضون للخطأ والنّسيان ووقوع الأوهام، فما هي الضّرورة الملجئة إلى التعرّض لذواتهم؟ فهم إمّا: مصيبون، وهذا ما نتمنّاه، أو مخطئون لسبب أو لآخر، (من ذا الذي ما ساء قطّ؟ ومن له الحسنى فقط؟)، فيتوجّب تنبيههم على الخطأ ـ إن كان فادحًا غير مسوّغ ـ، فإن أذعنوا وتراجعوا فبها ونعمت، وإن أصرّوا على المضيّ في الخطأ فيبيّن خطؤهم للنّاس كيلا يقعوا فيه، مع صون المخطئ والحفاظ على مكانته كعالم  داعية.
وممّا جاء به هؤلاء، وهو عندي من الهرطقات المحدثة، النّكير على منطق: (الموازنة بين السلبيّات والإيجابيّات، والحسنات والسيّئات، والإصابات والأخطاء!!)، مع أنّ منهج المحدثين قائم على هذا الأسّ، فرفضهم له كفيل بنسفه ، أو الدّلالة على التّباين الواضح، والتّمايز المكشوف بين المنهجين، وهو الحاصل. فالرّواية عن بعض أصحاب البدع الاعتقاديّة دون بعض، والإلزام بذكر الجرح والتعديل معًا، والاعتداد بغلبة  أخطاء الرّاوي على إصاباته وتصنيفه في سلك الثّقات الضّابطين، أو ترجح كفّة أخطائه على الكفّة الأخرى، وبالتّالي إلحاقه بأصحاب الأوهام الكثيرة، والاعتداد بموافقته للثّقات العدول عادة أو شذوذه وتفرّده عنهم غالبًا، كلّها تعتبر مبادئ عامّة وهامّة في علوم الحديث، وهي عين الموازنة التي رفضها القوم، ومن تمرّس على كتب الأئمة، وأكثر الاحتكاك بها ظهر له تشبّثهم بهذا الأصل الأصيل، و هاك نتفًا من كلامهم:
 يقول التّابعي الجليل الإمام سعيد بن المسيب (ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي سلطان إلاّ وفيه عيب ولا بدّ، ولكن من النّاس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله).
 ويقول العلاّمة ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ (...ولكن من قواعد الشّرع والحكمة ـ أيضًا ـ أنّ من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنّه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنه مالا يُعفى عن غيره، فإنّ المعصية خبث، (والماء إذا بلغ قلّتين لم يحمل الخبث) بخلاف الماء القليل فإنّه يحمل أدنى خبث يقع فيه...).    
 وقال ـ أيضًا ـ: (ومن له علم بالشّرع والواقع، يعلم قطعًا أنّ الرّجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، و هو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة، هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين...).
أمّا اعتبار هذه الجماعات والأحزاب فرقًا فقصور في الفقه ظاهر، وسطحيّة في الفهم بيّنة؛ فهذه الجماعات أسّست خصيصًا للدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وليس لها أصول تنفرد بها عن أهل السّنة والجماعة، وقد توجد عندهم بعض القواعد والمبادئ المستمدة من القرآن والسّنة، شأنهم في ذلك شأن أصحاب المذاهب الفقهيّة الأربعة وغيرها الذين استمدّوا منهما قواعد لمذاهبهم على سمع وبصر العالم من غير نكير، واختلافهم أيضًا من جنس اختلافهم؛ لأنّه اختلاف في بعض الوسائل الدّعويّة، وبعض الأهداف البعيدة أو القريبة تبعًا لاختلافهم في تقدير الظّروف وتكييف الواقع بتحدّياته، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (إنّ هذه الفرق إنّما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلّي في الدّين وقاعدة من قواعد الشّريعة لا في جزئيّ من الجزئيّات؛ إذ الجزئيّ والفرع الشّاذّ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرّق شيعًا، و إنّما يقع التّفريق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية...).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأمّا رأس الحزب، فإنّه رأس الطّائفة التي تتحزّب، أي: تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك، ونقصوا، مثل التّعصب لمن دخل في حزبهم بالحقّ والباطل، والإعراض عمّن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحقّ أو الباطل، فهذا من التفرّق الذي ذمّه الله تعالى ورسوله).
فهما إذن نصّان حاسمان من إمامين لكلّ واحد منهما وزنه العلميّ والعمليّ والاعتباريّ.
وأمّا قول ابن سيرين فيحتمل أنّه مع الفريق الذين مالوا إلى رفض الرّواية عن المبتدعة مطلقًا، وهو رأي مالك، ويحتمل أنّه رأي ساد في بدايات هذا العلم ثم انقرض بعد تكامل بناء هذا العلم ونضجه، ويقوى عندي هذا الاحتمال بدليل أنّ ابن سيرين يعتبر أول من تكلّم في الرّجال. وقد توفي سنة  110هـ، وهو على كلّ الأحوال رأي، و العمل المتأخّر ليس على إطلاقه فيصحّ ضمن هذه الحدود، ولا ينهض دليلاً على دعواهم.    
واستنادًا إلى كلّ ما سبق أقول لكلّ من تلطّخ  بهذه اللّوثة الفكريّة:
تراجعوا عن هذا المسلك الخاطئ والفاشل في آن واحد، وتعاونوا مع إخوانكم في حمل الهمّ الإسلاميّ وإن اختلفتم، فما تمثّله الطّوائف الضّالة من التّحدي مواجهته تغني عن التّهارج الداخليّ، والتّسبّب في التّوتير الدّاخلي، وتسميم الأجواء، وتلغيم السّاحة. لقد استهلكتم سنوات عديدة من أجل النّيل من إخوانكم، وقد أثبتت تجربتكم فشلكم، وهاهي ذي كلّ الرّهانات والمؤامرات  تتهاوى وتتداعى وترتطم بصخرة الحقيقة المرّة وتنكسر؛ فالجماهير على بكرة أبيهم يهتفون للإسلاميّين، والتّاريخ  سيكتب عنكم، ولن يرحمكم.
وما مِن كاتبٍ إلاّ سيبلى       
ويبقي الدّهرُ ماكتبتْ يداهُ
فلا تكتبْ بكفّكَ غير شيء     
يسرّك في القيامة أن تراهُ