زوربا الجنون وصفة للحياة

كتب بواسطة: عبدالمجيد إدريس | في قراءة نقدية . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 4319

زوربا الجنون وصفة للحياة

نسخة للطباعة
زوربا شخصيّة يونانيّة أثارت ضجّة في عالم الرّواية، حينما ظهرت في عام 1946 في رواية للكاتب اليونانيّ نيكوس كازنتزاكي؛ فقد تخيّل الكاتب الشّخصيّة. الرّواية أوضحت بشكل جيّد شخصيّة زوربا، وأغرقت في توصيفها، وأحاطتها بجمال لغويّ وتصوّريّ، بحيث إن القارئ –بالضّرورة- يميل ويتأثّر بتلك الشّخصيّة الأسطوريّة. وقد نجحت بالفعل في تقديم عمل إبداعيّ من النّوع الصّعب تكراره، ما يجعلك تحتار وتفكّر بشكل جدّيّ في كلّ مقطع يرد في الرّواية.
تتلخّص الرّواية في أنّها تروي أنّ أحد المثقّفين الذين يطالعون الكتب بنهم كبير، وهو في نفس الوقت رجل أعمال لديه مشاريع متعدّدة، يلتقي زوربا الشّخصيّة البدائيّة غير المتعلّمة؛ إذ يتصادف الاثنان، ويتجّهان في نفس الرّحلة إلى جزيرة (كريت)؛ إذ كان لدى المثقّف هناك مشروع لاستخراج الفحم، فيما كان زوربا رجلاً بلا هدف يرغب فقط في السّفر. ما حدث أخيرًا أنّ المثقّف أعجب بقوّة شخصيّة وشجاعة زوربا، فعهد إليه بتبنّي مشروع استخراج الفحم، لكنّ زوربا في النهاية فشل، وذهبت كلّ الطّاقات سدًى.
وخلال الرّواية تذكر مجموعة من الأحاديث والفلسفة تفسّر الحياة والوجود والتّباين بين النّظرة الماديّة الإلحاديّة التي تصوّر العالم على أنّه إرضاء كلّ الغرائز والشّهوات، والنّظرة التي تؤمن بالله وتلتزم بالقيم الأخلاقيّة.
تدور لغة الخطاب الرّوائي على لسان الرّجل المثقّف والذي افتتن بشخصيّة زوربا بعد تعرّفه عليه عن قرب، واكتشف بعد مرور الأيّام بأنّه لم يعش المعنى الصّحيح من الحياة عندما انحاز إلى جانبها الرّوحي؛ إذ اقتنع أنّه يجب أن تأخذها بالاتّجاه المادّيّ فقط.
من هو زوربا؟ ومن هو المثقّف؟
يقول الرّجل المثقّف عن زوربا: "إنّ هذا الرّجل لم يذهب إلى المدرسة، ولم يتبلّل عقله. لقد رأى من جميع الألوان وانفتحت نفسه، واتّسع قلبه دون أن يفقد شجاعته البدائيّة. إنّ جميع المشاكل المعقّدة التي تبدو بلا حلّ يحسمها هو بضربة واحدة".  
وزوربا يقول له:
" كوّم كلّ هذه الكتب، وأشعل فيها النّار. أنت لست أبله! إنّك رجل شجاع يمكن أن يصنع شيئًا".
هناك مجموعة كبيرة من الأحداث الموجودة في الرّواية تبيّن بشكل واضح حقيقة الشّخصيّتين؛ فزوربا يظهر بتمثيله الشّخصيّة الإلحاديّة الماديّة "سأله المثقّف ذات مرّة عن الإنسانيّة، فردّ زوربا: أنا لا أؤمن بشيء.. لو كنت أؤمن بالإنسان لآمنت بالله، ولآمنت أيضًا بالشّيطان وتلك مشكلة. إنّ الأمور يلتبس بعضها ببعض، وهذا يسبّب لي أيّها الرّئيس كثيرًا من الإزعاج".
وفي مقطع له يقول بأنّ "الدّين والأخلاق والوطن بنادق صدئة عتيقة".
وزوربا لا يسلم من الجنون؛ إذ ذهب ذات مرّة إلى بلدة مجاورة من أجل جلب بعض المعدّات للعمل، لكنّه يحدث أن يصادف امرأة أشارت إلى أنّه كبير في السّنّ، فيشتطّ غضب ذلك الرّجل، ويقوم بإنفاق كلّ المبلغ الذي يملكه على تلك الفتاة، وقد اعتذر للمثقّف صاحب المشروع على أنّه أهدر تلك النّقود في سبيل إنقاذ كرامة الرّجال.
ويطلق زوربا على الزّواج الحماقة الكبرى أو الفخّ: "إنّني رجل. إنّني رجل، أي أعمى. أنا أيضًا وقعت في الفخّ، وعلى رأسي أوّلاً كجميع النّاس، فتزوّجت، وسرت في المنحدر السّيّئ، وأصبحت ربّ أسرة، وبنيت بيتًا، وصار لي أطفال وإزعاجات".
إنّ زوربا قد عاش وفكّر في المآسي والظّلم الذي يحدث في العالم، ولم يستطع فهم أسباب حدوثها، لذلك اقتنع بالفلسفة التّالية:
لقد كففْتُ عن التّفكير بما جرى بالأمس، كففْتُ عن التّساؤل عمّا سيجري غدًا. ما يجري اليوم، في هذه اللّحظة، هذا ما أهتمّ به. إنّني: (ماذا تفعل في هذه اللّحظة، يا زوربا؟
 - إنّني أنام
 - إذن، نمْ جيّدًا!
- ماذا تفعل في هذه اللّحظة، يا زوربا؟
- إنّني أشتغل.
- إذن، اشتغل جيّدًا!
 - ماذا تفعل يا زوربا؟
 - إنّني أعانق امرأة.
- إذن، عانقها جيّدًا، يا زوربا، وانسَ كلّ الباقي؛ فليس في العالم شيء آخر، ليس فيه إلاّ هي وأنت، هيّا!
أمّا ذلك المثقّف فقد بدا كالعاجز في الرّواية منطقيًّا وعقليًّا أكثر من اللازم. يظهر هذا عندما يسرد واصفًا ما حصل بعد إحدى المآسي التي حصلت في القرية التي كان يُقام فيها المشروع المأساة، فيروي قصّة انتحار شاب ابن أحد أعيان القرية بسبب حبّه لأرملة جميلة رفضت الزّواج به بعد محاولات عديدة منه. المثقّف لم تثره تلك الأحداث. يقول مشيدًا بتلك المشاعر الإنسانيّة: "إنّني لمعجب بهؤلاء النّاس الممتزجين بقوّة وحرارة في الآلام البشريّة: بافلي الذي ألقى بنفسه بشجاعة في البحر ليطفئ ألمه. وديليكاتيرينا التي كانت تصرخ بذبح الأرملة كالخروف، ومافراندوني الذي كان يرفض أن يبكي أو حتى يصرخ أمام الآخرين. أنا الوحيد الذي كان عاجزًا ومنطقيًّا، ولم يغلِ دمي، ولم أحبّ ولم أحقد بقوّة. إنّني أرغب الآن أيضًا في أن أسوّي الأمور بإلقاء مسؤوليّة كلّ شيء بجبن على عاتق القدر".  
الكاتب يسخر من نفسه ومن المثقّفين المتأمّلين فيقول في أحد المقاطع: "تمدّدت على سريري، وأطفأت المصباح، ورحت مرّة أخرى حسب عاداتي اللاإنسانية أعدّل الواقع، وأسحب منه دمه ولحمه وعظامه، وأحيله إلى فكرة مجرّدة، وأربطه بقوانين عامّة، حتى أصل إلى الاستنتاجات الفظيعة بأنّ كلّ ما حدث كان ضروريًّا".
وبعدها يقول عن زوربا إنّه "إنسان حقيقيّ، إنسان حارّة دماؤه متينة عظامه، يترك دموعًا حقيقيّة تنساب حين يتألّم، ولا يضيع فرحه بإمراره في غربال الميتافيزيقيا الدّقيق حين يكون سعيدًا".
ويعيش المثقّف بعد تعرّفه على زوربا مجموعة من الصّراعات الفكريّة والدّاخليّة ويشير إلى أنّ هناك إشارات وإنذارات كانت تأتيه بأن لا حياة أخرى بعد هذه الحياة. يقول: "إنّ الرّوح التي تسمع هذا التّحذير القاسي والمليء في الوقت نفسه بالشّفقة لتعزم على أن تقهر صغائرها وضعفها، أن تقهر الكسل والآمال الكبيرة الباطلة، وعلى أن تتشبّث بكلّيّتها بكلّ لحظة من اللّحظات التي تمضي إلى غير رجعة".    
الفرق بين المثقّف وزوربا يظهر بشكل مباشر في هذا المقطع الذي يبيّن كيف يجب أن نكون في الحياة؛ هل من النّوع اللّطيف الرّائق أو المتوّحش.
يقول زوربا:
أيّها الرّئيس: إنّك – استميحك عفوًا – إنسان يهتمّ بأصغر هموم الآخرين. إنّك إذا وجدت قملة إلى جانب لحافك أيّام الشتاء فإنّك تضعها تحته كي لا يصيبها برد. كيف تستطيع أن تفهم لصًّا هرمًا مثلي؟ إنني لو وجدت قملة لسحقتها. ولو وجدت خروفًا لحززت عنقه، ووضعته على السّفود، وتلذّذت بأكله مع الرّفاق. قد تقول لي: إنّ هذا الخروف ليس لك. إنّني أعترف بذلك. لكن دعنا، أيّها الأخ، لنأكله في البدء! وبعد ذلك نتحدّث ونتناقش بكلّ هدوء عمّا هو ملكك وعمّا هو ملكي. إنّك تستطيع أن تتكلّم قدر ما تشاء، بينما أنا منهمك في تنظيف أسناني بعود ثقاب. ورنت الباحة بقهقهته.
على أيّة حال في النّهاية يريد الرّاوي أو المثقّف أن يقتنع بوجوب التّغيير، ويذهب لأن يكون زوربا آخر مشتعلاً بالحياة وأحاسيسها والبعد عن سرحان المثقّفين، وأن يتغيّر، ويكون هو ذاته لا ذاتًا أخرى، لكن زوربا يشير إليه بأنّه حتى يتغيّر فإنّه بحاجة إلى الجنون.
"هذا صعب أيّها الرّئيس صعب جدًا. لا بدّ لذلك من شيء من الجنون. الجنون..أتسمعني؟ أن تجازف بكل شيء، لكن لك أنت عقل متين وسوف يتغلّب عليك".
ويضيف:  
- "أنت تفهم! أنت تفهم، وهذا ما سيضيعك. لو كنت لا تفهم لكنت سعيدًا"