علي شريعتي عصِيُّ على التصنيف

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 4893

علي شريعتي  عصِيُّ على التصنيف

نسخة للطباعة
رجلٌ حليق، يلبس "بدلة وربطة عنق"، درس في فرنسا، تربّى في محيط دينيّ، يُحاضِر بحضور الآلاف من كافّة الأطياف لعدّة ساعاتٍ ارتجالاً، يُعلّمهم كيف ينتقدون بوعي، يعيشون ببصيرة، كيف يفكّرون في دينهم، ويرسم لهم معالم طريق الحضارة. اُتّهمَ في إيران بأنّه "وهّابي"، وأخرى بأنّه "متسنّن"، وثالثة بأنّه "زنديق"، في المقابل، صُنّف في بلاد السّنة بأنّه "شيعيّ". أمّا هو، فكان يعدّ نفسه مسلمًا، ببساطة، انخلع عن التّقليد المُتحجّر، وثار على المُتسلّطين باسم الدّين دائمًا. هذا هو "علي شريعتي" باختصارٍ لأربعين سنةٍ تقريبًا، كانت هي رصيده من الحياة. سُجن، عُذّب، أُهين، وأخيرًا نُفي. اختار العيش بكرامة، على أن يخضع ويتنازل عن مبدأ تفكيره الحرّ. كان أصيلاً في مبادئه، واعيًا لمجتمعه، مع احتكاكه بكثير من رموز الثّقافة في فرنسا. تعلّم أنّ الوجودية لا تكون إلاّ حين يعي الإنسان أنّ وجوده في الدّنيا متعلّق بكرامته في العيش والحريّة. شريعتي: المفكر والمصلح الاجتماعيّ، الذي لا يعرف من أراد تصنيفه على أيّ أساس يمكنه ذلك؛ لأنّه سيقع في ورطة فكرة: "تغريبي ويحثّ النّاس على التّديّن"!؟

 نقطة البداية
شريعتي يقرّر في كتابه "العودة إلى الذّات" مبدأ انطلاقه في الانتقاد:".. ينبغي أن أوضّح أنّني لست ضدّ اليقين والإيمان والانتساب إلى مدرسة فكريّة صريحة ومتميّزة، بل إنّ كلّ جهادي من أجل ذلك، أي من أجل الانتساب إلى مدرسة صريحة ومتميّزة؛ فالإنسان "حيوان متعصّب"، وكلّ مصائبنا حدثت من أنّ جيلنا القديم ابتُلي بالتّحجّر، وابتُلي جيلنا الجديد بالعبث والخواء، أي لا إلى دين ولا إلى إلحاد؛ فهو جيل دون اتّجاه، دون أيديولوجيّة، ودون مبدأ عقائديّ، ودون شخصيّة، ودون تعصّب، ودون هدف .. لا شيء بالمرّة. وهذا دليل على التّوفيق العظيم الذي بلغه هؤلاء في برنامج جعلنا خالين من أيّ شيء".
بعد عامين من وفاة شريعتي نجحت الثّورة التي كان هو أحد أهمّ ركائزها الفكريّة لدرجة إطلاق وصف "مهندس الثّورة" عليه. وفيما يحدث اليوم في واقع ثوراتنا التي تحفّنا من كلّ جانب، يصبح واجبًا استحضار أصحاب المشاريع الاجتماعيّة، الذين ثاروا على بصيرة. في عام 1977 توفّي المفكّر الإيراني "علي شريعتي" –رحمه الله- في لندن عن ثلاثة وأربعين عامًا تقريبًا، بعد أن عاش لسنواتٍ في مُشاركةٍ فكريّة-وجدانيّة داخل مجتمعه، ومات في غربةٍ منفيًّا عن وطنه، ودُفِن في أرض تملأ تُربتها جثث الأعزّاء: الشّام. في هذا الوقت بالذّات يجدُر بنا تذكّر نِتاجَ هذا المهندس الاجتماعيّ، نتذكّره كي نعرف الفرق بين الثّورة الاجتماعيّة الرّاسخة، وبين الثّورة العمياء الآتية كردّة فعل فوضويّة، وبتغيير مؤقّت. نتذكّره لنعرف أين وكيف ينبغي تركيز الوعي، الأفهام، والجهد.
ثورة العقل
قبل ثورة السلاح
الذي يستقصي نِتاج "شريعتي" يجد أنّه ركّز دومًا على الثّورة العقليّة-الثّقافيّة، لأثرها على العمل بشكل مباشر؛ فقد اعتبرها أساسًا لا ينبغي تجاهله لحساب الثّورة المسلّحة، بل كان يعتقد أنّ الثّورة لن تنجح ما لم تتغيّر العقول وأساليب التّفكير في المجتمع. الثّورة عند شريعتي كانت نواتها التّربية، لا مجرّد ردّة الفعل أو التّخريب. كان شريعتي يُخاطب أفراد النّاس وعلماءهم ومثقّفيهم. كان ينشر لهم نقاط الوعي التي ينبغي عليهم أن يركّزوا جهودهم عليها، وألاّ يغفلوا عن رؤية الأشياء كما هي، لا كما يُراد لهم أن يروها. أرشدهم إلى مفهومي "النّباهة والاستحمار"، ومثّل لهم خلال ذلك كيف ينبغي على كلّ أحدٍ منهم أن يُحلّل الأشياء ويراها.
كانت شهادة الدكتوراه الأولى التي أخذها في "علم الاجتماع الدّينيّ"، وشهادته الثّانية في "تاريخ الإسلام"؛ لأنّه أدركَ أنّ الإسلام هو المحرّك الأوّل الذي لابدّ أن يُحفّزَ النّاس على التّوجّه إلى الحضارة، خاصّة في رقعةٍ يمثّل الدّين والعقيدة محرّكها الأساس، وأنّ التّديّن هو أمرٌ فطريّ في النّاس، ولهذا، فالتحضّر عنده لا يكون في أيّ مجتمع بإغفالِ جانب الدّين.     
"المجتمعات البشريّة بكلّ أصنافها وبدون استثناء، كانت مجتمعات مُتديّنة في جميع مراحل التّاريخ، أي أنّ الدّين كان الأساس الفكريّ والثّقافيّ لكلّ المجتمعات في طول التّاريخ..". اهتمّ شريعتي بجغرافيّة الأفكار، فحثّ من أراد التّغيير الفكريّ بأن يعي طبيعة المكان الذي يتفوّه فيه بحديثه -دينًا وعُرفًا-: "لا يهمّ منطِق الكلام، بقدر ما تهمّ جغرافيّته".
فرّق شريعتي بين أنواع المثقّفين والمفكّرين وانتقدهم، وكتب عن العلمانيّة الثّقافيّة وظروف نشأتها، كان يحثّ المثقّفين التغرّبيين دومًا على عدم استعداء النّاس ومهاجمة دينهم، ألاّ يتبنّوا مصطلحات غيرهم من دون إعادة تعريف أو إيضاحٍ لها، وألاّ يغرقوا في "الإغراب" عن مجتمعاتهم، كما في "مسؤوليّة المثقّف". في المقابل، انتقدَ علماء الدّين، مُدرِكًا لحجم مكانتهم في المجتمع المسلم. انتقد "التّشيّع" ذاته، وفرّق بينه كعقيدة صافية تدعو إلى الحُريّة، وبين ما يُراد له أن يكون: وسيلة إشغال واستعباد. كتب "دين ضدّ دين" ثائرًا على التّقليديّة والجمود والتسلّط على الأفراد باسم الدّين، وأكّد على هشاشة التّديّن الذي يكون وليدًا للخوف، وأنّ أساس "التّوحيد" هو الرّغبة. في كتابه "دين ضدّ دين" يؤصّل شريعتي لمبدئه في انتقاد التّديّن، وحصره في ذلك التّديّن المُقعِد عن الوعي: ".. لقد كان دين "الملا" يُنتج الأفيون للمجتمع بإنتاجه لمواعظ من هذا القبيل: "أنتم لستم مسؤولين؛ لأن كلّ ما يحصل هو حاصل بإرادة الله ومشيئته!"، ويحثّهم: "لا تشكوا من الحرمان، ولا تتألّموا فإنّكم ستُجزَون في مكان آخر!". "اصبروا على كلّ شيء لكي يُضاعِف الله لكم الأجر!". هكذا كانوا يَخمدون احتجاج الفرد و يُجمّدون حركته الإراديّة. كان الجبابرة يستخدمون العنف في مواجهة النّاس وإخماد ثوراتهم. لكن الدّين كان ينتهج طريقة أُخرى في وأد النهضة، وردّ الانتقاد، وإخماد ثائرة الغضب والاحتجاج، وهى تبرير الموقف بطريقةٍ كهذه: "إنّ كلّ ما حصل قد حصل بمشيئة الله، فأيّ احتجاج واعتراض سيكون بمنزلة الاحتجاج على الله ومشيئته"، هذا ما قصده شريعتي بدينٍ يتعارض مع الدّين ذاته.
"مسؤولية المرأة"
كان يحثّ المفكّرين وعلماء الدّين على تنمية الوجدان الدّينيّ عند النّاس، وعدم تحويل التّديّن إلى قائمة بالممنوعات والمسموحات فقط، وفكّ البشر من التّصنيف على أساس هذه القائمة. حثّهم على ترغيب أفراد المجتمع في الدّين كي يُرفَعَ عنهم نقاب "الرّياء": ".. لكي يصلوا إلى دينٍ ليس وليدًا للجهل وليس وليدًا للخوف، كما يقول المادّيون، ويَصدُقون القول!"، ويشير: "لقد شجب القرآن مِرارًا موقف أُناسٍ يتعرّضون إلى عاصفةٍ في البحر فيبكون ويتوسّلون إلى الله خشية تحطّم سفينتهم، إلاّ أنّهم ينسون كلّ ذلك بعد الوصول إلى البرّ، وبعد أن يُنقذهم الله ممّا كانوا فيه. إنّ هذا الدّين هو دينٌ ناجمٌ عن الخوف، وهو الدّين نفسه الذي يتّهمه المادّيون في القرن التّاسع عشر بأنّه وليد الخوف". لم يقبل شريعتي من علماء الدّين أن يحصُروا النّاس في "سَلَفٍ" لابدّ لهم من تقليدهم بعماءٍ، وإلاّ خرجوا عن معنى التّديّن الصّائب –في نظرهم-، الذي تخرجُ به المعاني والقيم إلى الحياة العمليّة، لا أن تظلّ حبيسة الكتب، ومحصورة بالتّلقين. أفردَ كتابًا يُفرّق فيه بين التشيّع "الصّفويّ والعلويّ"، فالأوّل –كما يرى- أدّى إلى ثورة في النّظرة إلى التّديّن، والآخر أدّى إلى تقديس التّقليد. ولإدراكه بأهميّة المرأة كفردٍ أساسيّ في المجتمع، أفرد لها كتاب "مسؤوليّة المرأة"، وأدرج تحته أفكارًا خاطب بها وعي المرأة ليُخرجها من دائرة التّعامل معها كتابعٍ لا وعيَ له، ومن كونها مجرّد أداة لكلّ طرف، أو وسيلة استهلاكيّة رخيصة، إلى عضو فاعل في المجتمع.
شريعتي، بمظهره الهادئ، ولباسه الأوروبيّ، لم يكن خامل العقل، ولا "تغريبي" التّفكير. كان يبحث بوعي عن عُمق الأشياء، ولم يكن يرضى أبدًا أن يُسلّم عقله لغيره ليفكّر به بدلاً عنه، بل أشاع في النّاس أن يُفكّروا بعقولهم، وألاّ يكونوا إمّعات لأيّ نوع من "الرّموز". وأعلن بصراحة: ".. إنّه لمِن سوء الحظ ألاّ نُدرك ما يُراد بنا، فيصرفونا عمّا ينبغي أن نفكّر فيه من مصير مجتمعاتنا، أو أفكّر فيه أنا من مصيري "كإنسان"، إلى أن نفكّر في أشياءٍ نحسبُها راقيةً جدًّا وعظيمةً ومشرّفة، فيُصيبوا الهدف دون أن نشعر! ومن أجل هذا قلتُ: إذا لم تكن حاضر الذّهن في "الموقف" فكن أينما أردت؛ المهم أنّك لم تحضر الموقف، فكن أينما شئت؛ واقفًا للصّلاة أم جالسًا على مائدة خمر، كلاهما واحد. إنّ المستعمرين لا يدعونك لما تستاء منه دائمًا، فيُثيرون انزعاجك فتنفُر منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه! بل يختارون دعوتك حسب حاجتهم، فيدعونك أحيانًا إلى ما تعتقده أمرًا طيّبًا من أجل القضاء على حقٍّ كبيرٍ، حقّ مجتمعٍ أو إنسان، وأحيانًا تُدعى لتنشغل في حقٍّ آخر، فيقضون على حقٍّ آخر هو "أوْلى". عندما يشبّ حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم إلى الصّلاة والتّضرّع إلى الله، ينبغي أن تعلم أنّها دعوةُ خائن، فكيف بدعوةٍ إلى عملٍ آخر؟! فالاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، ما هو إلاّ "استحمار"، وإن كان عملاً مقدّسًا أو غير مُقدّس". بهذا الحديث كان يُخاطب شريعتي عقول الآلاف من الشّباب وأفراد المجتمع في محاضراته، ويُوجّههم إلى ترتيب الأولويّات، حين تختلطُ عليهم الدّعوات. كان شريعتي يؤمن بأنّ الإنسان من حقّه أن يكون حُرّ نفسه في إعمالِ فِكره وطلبِ حقّه؛ فالإسلام ما هو إلاّ "عبادةُ الأحرار".
في خلال سياق نتاجات شريعتي، نجد أن الرّابط الأوضح، هو نشرُ فكرة عدم الاستغراق في السّطحية، والثّورة على كلّ مصطلحٍ أو عبادة ليس مصدرها فِكرٌ حُرّ، وأكّد كثيرًا على رفضه لفكرة أن يكون الإنسان مخلوقًا جبريًّا خاضعًا للوراثة والبيئة والتّاريخ والمجتمع، ولكنّه أيضًا ليس منفصلاً عن ذلك كلّه، فرفَض الأحاديّة في فَهمِ الدّين وقصَدَ شُموليّته، وعدم تبعيضه بحسب المصلحة: ".. الإنسان التّكاملي الحيويّ، السّاعي نحو الحريّة، يسبِقُ كلّ هذه العوامل الجبريّة والعلميّة والمادّيّة، ويتغيّر من صورة "المعلول" إلى صورة "العِلّة" بقدر نُضج إرادته ووعيه الذّاتيّ. ومن هنا فإنّنا حينما نذكُر لفظةَ "إنسان"، فإنّما نقصد اكتشافه لتلك العِلّة التي لعبت في مسيرة الطّبيعة والتّاريخ دور العامل والخالق والصّانع والمُدبّر والمستخدم الواعي. ومثل هذا الإنسان يستطيع أن يُسيطِر على المسار المادّي والعلميّ للتّاريخ بقدر ما تعبأ إرادته، بالإضافة إلى وعيه ومعرفته المادّية والطّبيعيّة". وهاجم شريعتي بعنف، الإنسان المحصور في زاوية "المستهلك" كما في كتابه "الإنسان ومدارس الغرب".
اهتمامه بهذه الثّوريّة الواعية جعله يُفصّل عنها الحديث في كتابه "بناء الذّات الثّوريّة"، بحيث يجعلها أسلوب تربية، وأنّها مسؤوليّةٌ تقع على عاتق كلّ فرد من أفراد المجتمع. فشبّه شريعتي الإنسان بالفلاّح الذي إن حافظ على البذرة وجدَ الثّمرة، وإلاّ ضاعت منه بكسله وإهماله: ".. وفي هذه التّربية لا يستند القرآن الكريم إلى مسائل ذهنيّة أو مثاليّة أو ميتافيزيقيّة، لكنّه يستند في كلّ الظّواهر والمظاهر إلى عوامل الطّبيعة: "والشّمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنّهار إذا جلاّها، واللّيل إذا يغشاها، والسّماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفسٍ وما سوّاها"، هذه هي العوامل المُقدّسة التي ينبغي أن تُستخدمَ في بناء النّفس، وفي إنبات هذه البذرة المدفونة داخل طبائعنا، وداخل الجَبر الوراثيّ والتّاريخ والنّظام الاجتماعيّ لنا. وهنا: أنتَ المسؤول، أنتَ فلاّحُ بذرتك: "قد أفلح من زكّاها": أي تعهّد تلك البذرة بالرّعاية، "وقد خابَ من دسّاها": أي أخفاها في باطن التّراب".
بهذا المنطق انطلق شريعتي دائما في مُخاطبة وعي الإنسان في كافّة طبقات المجتمع. أشار إليهم بإمكانيّة التخلّص من حتميّة الواقع، وتغيير الظّلم، وأنّه لا يمكن التّوجّه إلى التّسليم بالسّيطرة واللاإنسانيّة. ونراه على امتداد كتاباته يقدّم الكثير من الرّموز والأساطير الموجودة في المجتمع، ويأخذها كما هي، ويُحاول تفكيكها واستيعابها، وإعادة تقديمها للنّاس كي يفهموها. كان جانب استحثاثِ النّاس على عقدِ المقارنات بقصد المُقاربة، وليس التّصنيف، وإعادة التّفكير باستقلال عن الموروثات من أهدافه الأبرز في نِتاجه الفكريّ. بسط شريعتي أغلبَ أفكاره الأساسيّة في أشمل كتبه "العودة إلى الذّات"، وهو يعتبر النّواة الجامعة لنتاجه الفكريّ.
لا يكفي في خلال زاوية تقديم عرضٍ كاملٍ عن مفكّر مثل "شريعتي"، وخصوصًا أنّه شخصيّة جدليّة، يوقِع المتحدّث ذاته تحت طائلة التّصنيف، ولكونه أثار ما لا يُراد له أن يُثار من قِبَل أصحاب الأيديولوجيّات المختلفة. يقينًا، إنّ الذين ماتوا لا يُستطاع الحكم على أشخاصهم، ولكن فقط مناقشة أفكارهم، نختلف معها أو نتّفق. نردّ ما لا يُقبل منها، أو يصلح للواقع الاجتماعيّ، أو نأخذ بأفكارهم أو بعضها، بغرض تطويرها لما يصلح لمجتمعٍ حاليّ، من باب الأخذ بالحكمة والاستفادة من التّاريخ.
من خلال استحضار كَمّ العداوة التي كانت حاضرة دومًا في حياته، من كلّ جانب، أُسلّط الضّوء على حالته النفسيّة اتّجاه ما يعتقد، وهذا جزءٌ من رسالةٍ أرسلها إلى طُلاّبه من سجنه: "... إلهي ويا ملجئي الدّائم، علّمني كيف أحيا؟.. أماّ كيف أموت؟.. فإنّي سأعرفه". ثَبَتَ شريعتي على ما كان يعتقد أنّه الحقّ، من غير جمودٍ يُصادم مصلحة المجتمع، وطلب من الله أن يُعلّمه كيف يحيا حياته على بصيرة، فقد كان يقينه بأنّ الحياة هي ما يستحقّ الإنسان أن يدعو بالثّبات ليعيش فيها، ومن كان صادقًا مخلصًا فيها فإنّ الله العَدل لن يخيّب نهايته ورجاءه. لكي يخرج الإنسان من دائرة التّصنيف، التي تنفي الأصل بوجوب الاستفادة من كلّ تجربة بشريّة، لابدّ من وعي أنّه لا يملِك إنسانٌ الحقيقة الكاملة، ولا أدوات الفَهم الكامل؛ لأنّه لا يمكن لإنسان أن يشمل بعقله كلّ زوايا الأمور، ولو كان أشمل النّاس في الفِكر، وأعلمهم بأساليبه. لابدّ للإنسان أوّلاً أن يعترف بإمكانيّة الاستفادة من نِتاجِ الآخرين، بغضّ النّظر عن خلفيّاتهم ونقاط انطلاقاتهم الفكريّة؛ فكلّ أحدٍ يؤخذ منه ويُردّ إلاّ رسولنا الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه