التيارات في السعودية تنوع في الأفكار تضاد في الأهداف

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 3299

التيارات في السعودية تنوع في الأفكار تضاد في الأهداف

نسخة للطباعة
أرجع مثقفون وأكاديميون ظاهرة التصنيف في المجتمع السعودي، إلى تنوع المصادر الثقافية التي أصبح تنهل منها مختلف طوائف المجتمع السعودي، الأمر الذي اتسم معه الحراك الفكري السعودي بنوع من الصراع الذي يطفو على السطح بين وقت وآخر.

حيث يرى الأستاذ الجامعي والمستشار الثقافي د. سليمان الضحيان أن التصنيف نتيجة من نتائج وجود الخلاف الفكري، ويتساءل: هل يوجد خلافات فكرية في الأوساط الثقافية في السعودية؟ ليجيب: من الملحوظ أن المجتمع السعودي ظل في بيئة مغلقة ذات رؤية فكرية واحدة تجاه الأفكار، والوقائع، والأشخاص، وعلى هذه الرؤية نشأت غالب أجيال المجتمع، إلا أنه في العقدين الأخيرين حصل تعدد في مصادر التلقي نتيجة للانفتاح الإعلامي، وهذا أنتج لدينا اختلافا فكريا، واسعا، وملموسا، وهي ظاهرة طبيعية؛ إذ يستحيل أن تتعدد مصادر التلقي ولا ينتج عن ذلك خلاف في الرؤى والأفكار، ومن قوانين الفكر أن الأفكار المختلفة الرؤى تتصارع للاستحواذ على جمهور المتلقين، ومن أدوات الصراع "التصنيف"، أو بعبارة أخرى "القَـوْلَبة"، وأعني بها وضع المخالف في "قالَب" ذي دلالة سلبية لدى جمهور المتلقين للتنفير منه ومن أفكاره، فبمجرد ذكر "القالب" يستحضر ذهن المتلقي تلك الأوصاف السلبية، و"التصنيف" هنا نتج عن هذه التعددية الفكرية .
وهذا التصنيف هو ما تصنعه التيارات الفكرية في المجتمع السعودي- وهذا يحدث في كل مجتمع ناشط ثقافيا- فكل تيار في وسطنا الثقافي يحاول قَوْلَبة الآخر في قالّب سلبي.

أدوات للصراع
ويضيف الضحيان: "التصنيف" أو "القولبة"  - كما ذكرت - أداة من أدوات الصراع بين أصحاب الأفكار المختلفة، ولا يخلو منها أي مجتمع ذو ثقافة ناشطة، وقد وُجِد مثل هذا في تاريخنا الإسلامي؛ فقد حاولت كل فرقة من فرق الإسلام قَوْلبة الفرقة المخالفة لها، ولهذا شاعت التسميات التي تطلقها كل فرقة على الأخرى، فتلك الفرقة معطلة، والأخرى حشوية، والثالثة رافضية، وكلها تسميات ناتجة من صراع الأفكار في الحضارة الإسلامية.
ويرى الضحيان أيضا أن الإشكالية ليست في "التصنيف" و"القولبة"؛ إذ هي آلية من آليات الصراع الفكري في أي وسط ثقافي ناشط، بل الإشكالية في مجتمعنا السعودي أنه حديث عهد بالتنوع الفكري والثقافي، إذ لم يعْتَدْ على وجود خلافات في الرؤى والأفكار، وهذا ما أنتج تأزما في الخطاب الفكري تجاه المخالف لدى جمهرة واسعة من الطلبة العلم، والدعاة، والوعاظ.
ويضيف:  يهون الأمر لو بقي هذا التأزم في أوساط النخبة المثقفة من طلبة العلم والدعاة والمثقفين، لكن ما يحزن ما يقوم به بعض المتحمسين من نقل هذا التأزم في الخطاب إلى أوساط العامة في خطب الجمعة، والمواعظ، والمحاضرات الدعوية، وما ينقله آخرون إلى الأجيال الشابة فأحدث هذا تأزما لدى تلك الأوساط من العامة، والناشئة وهذا مما يهدد النسيج الاجتماعي في السعودي.

مجتمع حديث
ويعتبر الضحيان مجتمعنا بأنه مجتمع حديث، لا يوجد لديه أي ثقافة وطنية جامعة عابرة للتصنيفات، ولم تترسخ لديه البنى المكونة للمجتمعات الحديثة؛ ومازالت البنى التقليدية تلعب دورا هاما في تشكيل الوعي الجمعي ، ولم تتضح بعدُ - في ذهن المواطن البسيط- الأدوار المنوطة بكل فئة من فئات المجتمع، ولهذا أصبح وعيه الديني والثقافي والسياسي والاقتصادي بكل أبعاد هذا الوعي يشكِّله إمامُ الجامعِ مثلا، أو داعية متحمسٍ، أو شاعر شعبي نشطٍ، أو ممثلٍ تلفزيوني، وإذا كان التصنيف حاضرا في طرح تلك الفئات فهو بالضرورة سيكون حاضرا في ذهن المتلقي البسيط.
وعن انتقال التصنيف من الدوائر الكبرى إلى الصغرى يراه الضحيان ظاهرة طبعية؛ معتبرا أنه الآن فقط بدأ مجتمعنا ينشط ثقافيا، وزاد: حيثما تكون الثقافة نشطة يكون الخلافُ، وحيث يكون الخلافُ يكون الصراعُ على النفوذ والهيمنة على الجمهور، وحيث يكون الصراعُ يكون "التصنيفُ" و"القولبةُ"، وهي إحدى أدوات الصراع كما سبق أن ذكرت.
والذي أعتقده أنَّ التأزم من التصنيف والقولبة هو ما يحولهما إلى ظاهرة مستفزة، ومؤرِّقة لكثيرِ من ذوي النفس المرهفة من الدعاة، والمثقفين، وبمرور الوقت واعتياد المجتمع على الخلاف الفكري يخُفُ التأزم، ويتحول التصنيف إلى ظاهرة طبعية، ويدرك غالبية الجمهور أن كثيرا من تلك التصنيفات هي في حقيقتها "هجاء".
ويستشهد الضحيان بتحول مؤسسات المجتمع العامة إلى مجال صراع بين التيارات حين يقول: في وسط مغلق لا يسمح للتوجهات الفكرية بالتعبير عن نفسها بحرية من خلالِ تكوينِ مؤسساتها الخاصة بها، تتحوَّل مؤسساتُ المجتمعِ العامةِ من تعليمٍ، وإعلامٍ، ومساجدَ، ومؤسساتٍ خيريةٍ إلى مجال صراع بين تلك التوجهات والتيارات، لتطرح من خلال تلك المنافذ خطابها الموجه للتأثر على الجمهور، لكن المراقب لواقعنا المحلي يلحظ أنه في الآونة الأخيرة تحولت تلك التيارات إلى أدواتِ تَحَكُّم لضبط إيقاع مسيرة المجتمع، وكثير من القائمين على تلك التيارات يدركُ ذلك، وإن غفل جمهورها عن ذلك.  معتبرا ما يحصل بين التيارات الفكرية في الغالب اختلاف تضاد، لكنه في أكثره - حسب علمه- تضاد في جزئيات ، ثم إنَّ كل تيار فكري يحمل في داخله اختلافات في أكثريتها هي اختلاف تنوع.
ويختتم الضحيان مشاركته برؤيته التي يرى فيها الدولة المدنية الحديثة هي دولة "مواطنة"، ويزيد: المواطنة عابرة للأديان، والفرق، والمذاهب، والقبائل، والتوجهات الفكرية، فهي إذن مستوعبة لتلك التصنيفات ، وكافلة لكل توجه فكري حقَّهُ بالتعبير عن نفسه، وحقه في المشاركة ببناء الدولة من خلال الانتخاب الحر، وإذا وُجِدَت دولةٌ لا يتمتع فيها المواطنون بحق متساوٍ في التعبير عن توجهاتهم الفكرية، أو حقهم بالمشاركة في بناء الدولة فهي لا تُعدَّ "دولة مدنية حديثة" حسب ما يطرحه علم السياسة المعاصر.

خصوصية سعودية
ويتفق الناشط الحقوقي د. محسن العواجي مع د. سليمان الضحيان في أن الجميع كان تحت خيمة الممنوع عقودا  من الزمن فوجد نفسه فجأة في الفضاء الفسيح نسبيا وهي فرصة لعرض كل البضاعة في سوقها ونحن على ثقة بالله وبرسالاته بأن الحق في ميدان المنازلة الحرة سيدمغ الباطل وسيبصح الباطل زاهقا.
ويعتبر العواجي أن للسعودية خصوصية لا توجد في أي مكان آخر، مؤكدا على أن الإسلام عامة والإسلاميون خاصة يتمتعون بهامش قدري وتمكين فطري لا ينافسهم فيه أحد، ولا تكافؤ البتة بين التيار الإسلامي وما سواه من التيارات لا من ناحية القبول في المجتمع ولا حتى من ناحية الحسابات سواء الرسمية منها أو الأهلية أو الفكرية، ولا ناحية العدة والعتاد وفحوى الخطاب وهذا يفرض على الإسلاميين حسن إدارة هذه النعمة  وتحمل النتوءات الاستثنائية أكثر من غيرهم وليكن الرسول صلى الله لعيه وسلم الأسوة في كل شي مع المخالف، ولذا لا داعي للأحلاف لعدم التكافؤ بل المطلوب هو التعايش و الرفق بالآخر ودعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وقول التي هي أحسن دونما أي تنازل عن ثابت معلوم من الدين بالضرورة.

انتماء كوني
ويختتم العواجي حديثه بأن غاية الخلق العبادة "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" والعبادة اسم جامع لكل ما  يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال وهي أيضا القيام بحق الله وحق عباده، وحقوق العباد شاملة لكل ما يعود بالنفع والمصلحة وبالعدل بين أفراد المجمتع، ومع العولمة والانتفاح الفضائي والانترنت أصبح الموطن منتميا للقرية الكونية  المتداخلة  أكثر من انتمائه الجغرافي الضيق.

المظلة الكبرى
من جهته شاركنا الأكاديمي ورئيس نادي جدة الأدبي د. عبدالله السلمي بقوله:  يفترض أن تكون هناك مظلة كبرى في الانتماء والفكر، وأعني بهذه المظلة الدين الإسلامي ثم اللغة العربية ثم الوطن، ومن الطبيعي أن نتحرك ضمن هذه الدائرة، لذا لا أستبعد كثرة التصنيفات داخل المجتمع، وهذه التصنيفات أظهرتها في معالم العقل العربي السعودي رخاوة العيش وترف الحياة وعدم وجود مشروع وحدوي يحتوي مثل هذه التصنيفات.
الحوار الوطني
ومشروع الحوار الوطني؟ يجيب السلمي: للأسف لا أرى أن مشروع الحوار الوطني حقق مثل هذه الأهداف؛ لأنه تحول إلى حقول مدرسية ومشاركات شكلية، تتكرر فيها الأسماء المكررة لذات المواضيع التي لا تمس المواطن العادي، ومركز الحوار هنا مثله مثل الوسائل الإعلامية ومنابر المساجد التي أتمنى أن تعاد صياغة التفكير فيها بشكل عام؛ لأن ما نجده أن كل جماعة أوكل تيار أو كل جماعة يكون لديها مكتسب معين ويكون طرحها للحفاظ على هذا المكتسب والمفترض من وجهة نظري أن يكون هذا الطرح موظف للحفاظ على المكتسب العام الذي يخدم الوطن.
ويختتم السلمي حديثه بأن الدولة المدنية الحديثة لا بد أن تستحضر المكونات الصغرى المكونة للاتجاهات العقلية المختلفة لشعب هذه البلاد، شريطة أن يكون هذا الاستحضار ضمن المظلة الكبرى المؤلفة من الإسلام والعروبة والوطن؛ لأن الدولة التي لا تسمح بهذا التحرك هي دولة جامدة هامدة حسب تعبيره