إعلام الفصل العنصري

كتب بواسطة: دعاء الوافي | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 2878

إعلام الفصل العنصري

نسخة للطباعة
دور الاعلام لا يقتصر على الأخبار ونقل النصوص فقط، بل يتعداه إلى أكبر من ذلك، حيث يقوم بزرع استجابات معينة في أدمغة الناس، ويملك قدرة توجيههم إلى حيث يريد. يملك الإعلام الهيمنة الأكبر في مؤسسات المجتمع، وقد يضاهي دور المؤسسات التعليمية والتوجيهية في التأثير، بل يتعدّاها، ومن هنا تكمن أهميته ويكمن خطره!. قد يركز على إبراز جانب معين وقد يقوم بإقصاء ثقافة كاملة أو بيئة كاملة وينجح في ذلك
ورغم تباين وتعدد وسائل الإعلام واختلاف أهدافها ومشاربها، إلا أنها قد تلتقي في انحيازها إلى فئة أو مسار تصنيفي معين يتبع لثقافةٍ ما، فتوجه معظم رسائلها لتدعيم هذه الفئة وتُغيب بشكل قد يكون كاملا أو تشويهيا للفئات التي تخالفها. وكلا الأمرين حاصل وموجود. لا نختلف على اهتمام قناة بصنف مذهبي أو عرقي أو ديني معين، فالتخصص وارد في الإعلام ومهم، لكن ما يعنينا هنا هو ثقافة إقصاء الآخر وتسريب رسائل تشويه أو عِدَاء للطرف المختلَف معه، مما يسهم في توسيع الفجوة بين فئة وأخرى وزرع بذور مشاحنة قد تتفشى مع الوقت. هذه المشكلة ليست مقتصرة على الجانب السياسي أو الحواري، بل تتجاوزه أيضًا إلى الجانب الترفيهي والدرامي والثقافي، فبدلا من أن يكون الإعلام عنصرا فعالا في التقريب الثقافي والفكري بين الأطياف المجتمعية المتعددة، نجده يقوم بفصل يتفوق على الفصل الجغرافي في أحيان كثيرة!
بالتأكيد  فإن التهمة ليست للإعلام وحده وبشكلٍ رئيسي، وإن كان أهمها، إلا أن المؤسسات المجتمعية الأخرى كالبيت والمسجد والمدرسة تلعب دورا كبيرا في  صياغة مفهوم "التصنيف"،  والتأثر بالرسائل الاتصالية قد يكون تأثرَ فئات اجتماعية كما أورد "لازويل" في نظريات الاتصال، إذ أنّه أرجع التأثر العقلي والنفسي بالإعلام إلى الفئوية الاجتماعية، فكل فئة تتأثر بشكل مشابه لبعضها البعض، وهذا التأثير يتم على شكل جماعات لا على شكل أفراد، وتبعا لتأثير المؤسسات المجتمعية والاتجاه الفئوي السائد، يجيء البرنامج التلفزيوني أو المادة الصحفية كمدّعم ومثبّت لهذا الاتجاه بتمرير رسائل وتعزيز صور وأحداث مختارة بعناية لهدف محدد، قد يكون هدفا سياسيا، أو استهدافا مباشرا للعصبية بأنواعها، أو قد يكون تجاريا ربحيا –دعائيا- بغرض إثارة حدث يجذب فئة كبيرة من المشاهدين. وكل هذا، بغض النظر عن تبعات هذه التشنيج.  وإن أردنا مثالا معاصرا، فقد نجد قناة كـ "صفا" مثلا، ترتكز في منهجيتها على التناول النقدي للمنهج الشيعي، ونجد قناة كـ "العالم" ترتكز في أهدافها على تشويه الفعل السني، ويغضّون الطّرف عما يمكن أن يجمع بينهما تحت مظلة الوطن والتاريخ والمصير المشترك.
الجمهور من الطرفين يتشرب كل ما يراه باحتقان يتزايد متابعة إثر متابعة. قد تكون بعض التغطيات منصفة لخطأ ما، هذا وارد، لكن أن يتم التركيز على الأخطاء فقط والاختلافات والتباينات، فهذا سير ممنهج ومنظم نحو "الشللية"، التي لم ولن تخدم أهداف أي طرف، إلا أنها تؤدي إلى مناخ فكري انتقائي يستقبل ممن يريد ويرفض ممن يريد دون النظر إلى نتَاجه بحيادية.
في مجتمع كالمجتمع المصري – على سبيل المثال – نجد حدثًا  يصنع في كل مرة احتقانا دينيا بين المسلمين والأقباط، وفي كل مرة يكون المؤجج للصراع، هو خطة إعلامية مسيّسة لغرض ما يخدم مصلحة معينة في مكان وزمان معينين!. التأجيج الإعلامي: إعلان صريح للاتجاه نحو التصنيف!
قد لا يحمي الإعلام المغفلين, ولا يوعّيهم! وهذا من حقه إذ أنّه يوجه فقط والخيار للمتلقي. لكن كتشريع إعلامي أو سياسة إعلامية نحتاج للكثير من الضوابط والشروط التي تخرج مادة وتمنع أخرى، نحتاج إلى نظرية "حارس البوابة"، ليس في المواضيع السياسية فقط أو الأخلاقية بل حتى في موضوع اجتماعي كالتصنيف، لأن تهميش هذا الصراع الإعلامي البارد يسبب خللا في التركيبة المجتمعية قد لا تظهر عواقبه إلا في الأزمات، وهذه هي المشكلة. الإعلام ينجح في زرع وتعزيز صورة مرادة لكنّها دائما قابلة للتغيير إذا وجد البديل أو المعزز الإيجابي، والإعلام المضاد ناجح كثيرا إذا ما تم بناؤه على أهداف وأسس صحيحة، قد لا يحدث التغيير الجذري حالا، لكنه يساهم في التخفيف من حدة الصور السلبية ومحاولة المواءمة بين التيارات المختلفة. يكفيه التركيز على الجوانب والقواعد المشتركة بين الفئات، والتمهيد للتعايش المُنتِج الفعال برسائله وبرامجه و أساليبه, وإثارة بعض الأفكار التي تساهم في تدعيم النسيج الاجتماعي كفكرة إعادة النظر في المناهج الدراسية وتحييدها عن الفكر التصنيفي والطائفي, ومحاولة إعلاء الصوت الغير استفزازي المحايد على حساب إخفاض الصوت المؤلب والمثير للتحزب.  دائما هناك خطط موجودة وخطط بديلة، وإذا كانت الخطة المعززة للشللية قد نجحت، فالخطة البديلة للقضاء عليها تملك ذات نسبة النجاح إذا وجدت الإرادة الإعلامية والشعبية الحقيقية لهذا الهدف