الدراما التاريخية في رمضان وجبة دسمة للجماهير العربية

كتب بواسطة: السيد أبو داود | في الملف . بتاريخ : Aug 4 2012 | العدد :94 | عدد المشاهدات : 5589

الدراما التاريخية في رمضان  وجبة دسمة للجماهير العربية

نسخة للطباعة
يهتم الإعلام المصري والعربي منذ سنوات طويلة بالمسلسلات الرمضانية التي تعالج الجوانب التاريخية؛ لكي يقدم للمستمع أو المشاهد أحداث التاريخ في مسلسل درامي، بكل ما في العمل الدرامي من تشويق وإثارة وحركة وحيوية.
والدراما التاريخية تعتبر وجبة دسمة لغالبية الجماهير العربية، وكان الإعلام المصري رائدًا في تقديم الكثير من الأعمال التي ساهمت في نوع من توحيد الثقافة العربية والذوق الفني العربي من خلال متابعة هذه الأعمال الفنية، خاصة وأنه كان يقدمها كبار الفنانين المصريين الذين يتمتعون بجماهيرية كبيرة في كل البلاد العربية.
فأعمال مثل: "على هامش السيرة" و"لا إله إلا الله" و"الفرسان"، رغم الملاحظات الفنية عليها إلا أنَّ لها مردودها وقيمتها، وفتحت الباب أمام أعمال أخرى أكثر جودة.
فمسلسل "لا إله إلا الله" حكي قصص الأنبياء بأسلوب يجعل الإنسان العادي الذي لا يهتم بالقراءة، بل الإنسان الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب،- على دراية بدعوة الأنبياء جميعًا والتعرف على رسالاتهم وما لاقوه في سبيل تبليغ الرسالة والدين للناس، وفي المسلسل تفاصيل كثيرة ومهمة، وإن كان نقص الإمكانات المادية الفنية، وعدم جودة التصوير والشكلية في الأزياء... إلخ، كل ذلك جعل النتيجة العامة ومحصلة العمل ضعيفة.
وشاهد المصريون مسلسلات شهيرة مثل "الفتوحات الإسلامية" لمجدي وهبة، و"عمرو بن العاص" و"عمر بن عبد العزيز" و"هارون الرشيد" لنور الشريف، و"الفرسان" لأحمد عبد العزيز، والمخرج حسام الدين مصطفي، عن البطل سيف الدين قطز، و"الظاهر بيبرس" لرامز جلال، و"عقبة بن نافع" لأحمد ماهر، و"طارق بن زياد" لممدوح عبد العليم، بجانب مسلسلات "أبو حنيفة النعمان" لمحمود ياسين، و"ابن ماجه" و"النسائي" و"إمام الدعاة" و"عبد الحليم محمود" لحسن يوسف، و"ابن حزم" و"الأئمة الأربعة" لمحمد رياض وإبراهيم يسري.

أعمال بين الضعف والإتقان
ومن هذه الأعمال ما كان متميزًا مثل "عمر بن عبد العزيز" و "هارون الرشيد" و "إمام الدعاة"، ومنها ما كان ضعيفًا مهلهلاً مثل "عمرو بن العاص".
ومن الفنانين من أجاد القيام بالأدوار التاريخية وتمرس فيها واكتسب خبرة كبيرة، مثل حسن يوسف، الذي أدى أدوارًا تاريخية عديدة مثل: "إمام الدعاة (الشعراوي)" و"الإمام المراغي" و"ابن ماجة" و"النسائي" و"عبد الحليم محمود".
ويجب الاستفادة منه في ذلك بشرط كتابة نصوص جيدة مثل النص الذي كتب به مسلسل "عمر بن عبد العزيز" الذي نجح نجاحًا كبيرًا وتلقاه المشاهدون بالقبول الحسن.
ولكن رغم أهمية الاستفادة من الفنان الذي أجاد في أدوار تاريخية كثيرة فإنه قد يكون المسلسل في حد ذاته جيدًا إلا إن الجمهور رُبَّما يمَل الشخصية الواحدة التي تجيد حياة الأئمة وكأنه دَرْب لا يمكن الخروج عنه.
كما أن قطاعًا من المشاهدين يرى أن الممثل قد يقوم بدور شخصية عظيمة بينما هو نفسه قد يكون شخصا سيئًا أو دون المستوى المطلوب، فالناس أذكياء ويميزون بين الممثِّل وبين الشخصية العظيمة التي يقوم بتمثيلها، والدليل هو نجاح فيلم عمر المختار في إظهار عظمة الشخصية مع أن الممثل وهو أنطوني كوين مسيحي، وليس مسلما أصلًا، ولكنَّ الرسالة وصلت، وهي بطولة عمر المختار ومروءته وزهده، ومن خلالها ظهرت بطولات شعبه.
ومن الكتَّاب من يجيد كتابة الدراما التاريخية سواء كانت دينية أو غير دينية؛ فالكاتب محفوظ عبد الرحمن على سبيل المثال يجيد هذا النوع من الكتابة، ولذلك أبدع لنا أعمالًا مثل: "القادسية" و"سليمان الحلبي" و"عنترة" و"محمد الفاتح" و"ليلة سقوط غرناطة".
والكاتب هنا يختلف عن الممثل في موضوع الملل؛ فإذا كان المشاهد يمل من الممثل الذي يؤدي الأدوار التاريخية المتعددة لشخصيات لها مكانتها الكبيرة، إلا إن هذا الملل لا يتسرب للمشاهد تجاه كاتب النص؛ لأنه لا يراه، وهناك كثير من المشاهدين لا يركزون على كاتب النص أو السيناريو وربما لا يعرفونه، وهنا فإن فرصته تكون أفضل في استغلال موهبته والكتابة الغزيرة في الأعمال التاريخية.
متابعة الجماهير للدراما التاريخية مرجعها الرغبة في استعادة لحظة تاريخية ومشاهدتها مجسدة بشخوصها المفترضين وأصواتهم، فما نعرفه ويوثر علينا يجعلنا متلهفين لمشاهدته حيًّا أمامنا، على اعتبار أن ماضينا أنتج واقعنا، في ضوء غياب شبه شامل لأعمال تطرح فعليًّا ما يعيشه بلدنا من قضايا شائكة سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية.
إن العمل الدرامي الديني يحظى بالقبول والمشاهدة؛ لأنه يتناول مرحلة معينة من التاريخ الإسلامي، يصور الأحداث التاريخية التي وقعت فيها أو في أكثر من مرحلة من مراحل التاريخ، أو يترجم لحياة علم من أعلام الإسلام، أو لرجل من الصالحين، أو يعرض سيرة وحياة بطل أو قائد إسلامي كانت له بصمته في تاريخ الأمة، ومنها أحبه المسلمون، ولذلك فإن المسلمين الحاليين يكون لديهم استعداد مسبق لحب الشخصية، وبالتالي حب من يمثلها شريطة أن يكون العمل مكتوبًا بلغة جيدة.
لكن العمل الدرامي التاريخي لا يتوقف عند الأعمال الدينية والتاريخ الإسلامي، فقد يكون موضوع العمل الدرامي مأخوذًا من واقع الحياة أو مستقى من وحي الخيال، أو هو عبارة عن قصة من روائع الأدب العالمي، تعرض لحدث أو أحداث من الماضي البعيد أو القريب.
ولكن، رغم كل ما قدمناه في السطور السابقة، إلا أن ما يصدم الناس أن السينما المصرية- رغم عمرها الطويل وريادتها- لم تقدم إلا اثني عشر فيلمًا تاريخيًّا ودينيًّا، من بين قرابة الأربعة آلاف وخمسمائة فيلم التي قدمتها السينما المصرية على مدى مائة سنة سينما.

البدايات الأولى
وكان أول فيلم ديني في السينما المصرية هو "ظهور الإسلام" عام 1951م، أخرجه إبراهيم عز الدين عن قصة "الوعد الحق" لطه حسين، وقام ببطولته الفنان الراحل عماد حمدي في دور عمَّار بن ياسر، والفنانة كوكا في دور أمه سُمَيَّة، وأحمد مظهر في دور أبي جهل، وقد نجح الفيلم نجاحًا كبيرًا.
ثم شاهدنا فيلم "بلال مؤذن الرسول" عام 1953م، وبعده جاء فيلم "وا إسلاماه"، وهو فيلم تاريخي مصري وإنتاج مشترك بين مصر وإيطاليا، واستند الفيلم إلى رواية وا إسلاماه للمؤلف الكبير علي أحمد باكثير، وأخرج الفيلم إنريكو بومبا وأندرومارتن.
ثم كان الفيلم الذي أثار جدلاً كبيرًا وهو "الناصر صلاح الدين" عام 1963م، وبعده جاء فيلم "فجر الإسلام" عام 1971م، ثم جاء فيلم "الشيماء"، ثم فيلم "هجرة الرسول".
وقد توقع المصريون المزيد من إنتاج الأعمال الدرامية الدينية، خاصة مع توفر وانتشار الروايات والقصص الدينية لكبار الكتَّاب والأدباء المصريين؛ مثل طه حسين، والعقاد، والسحار، وعلي أحمد باكثير، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وغيرهم، ومع وجود عشرات الروايات والقصص الدينية الجميلة التي تبرز الصورة المضيئة لديننا الحنيف، إلا أن هذا لم يحدث؛ للطبيعة الخاصة للأعمال الدينية التاريخية على مستوى الكتابة والإخراج والإنتاج والميزانيات الكبيرة.
وفي ظل الأجواء المسيطرة حاليًّا على السينما، ومع تغيُّر طبيعة الشباب الذين هم القطاع الأكثر إقبالًا على دور السينما، ومع انتشار "موضة" أفلام الشباب- أصبح الحديث عن التاريخ أمرًا سمجًا وغير مرحب به؛ فالشباب الآن يهتم بالأغاني، وموضات الملابس، وقصات الشعر، وليس بالتاريخ الذي يعتبرونه مادة دراسية ثقيلة.
ومما يزيد من ابتعاد المنتجين عن الأعمال الدرامية التاريخية، وجود إشكالية في التعامل مع التاريخ ذاته؛ فمصادر التاريخ متعددة؛ فهناك المصدر الأكثر انضباطًا وتوثيقًا ومصداقية، وهناك المصدر الأقل ضبطًا والذي قد يسمح بمرور معلومات غير صحيحة تسيء للتاريخ الإسلامي، وهكذا فإن النص المكتوب للعمل الدرامي التاريخي هو الذي يحدد مصداقية العمل، وهو الذي يتوقف عليه قَبول الناس له.
ونتيجة لتعدد مصادرنا التاريخية تعددًا كبيرًا، أصبح لدينا خلاف على تاريخ الدولة الواحدة والشخصية الواحدة والواقعة الواحدة، ومن هنا تعددت رُؤَى المخرجين والكتَّاب بتعدد النصوص التاريخية التي تحمل هذا الخلاف.
وقد كان من الممكن التقليل من شأن هذه الخلافات لو تم رد الأمر إلى أهل الاختصاص والمؤرخين، ولكنَّ هذا لم يحدث من جهة أن كاتب السيناريو يغوص بنفسه في المصدر التاريخي ويختار الرواية التي تعجبه والتي قد تحتوي على صراع درامي أكبر، ومن جهة أخرى لأن المؤرخين لدينا مختلفون فكريًّا وسياسيًّا في رؤيتهم للتاريخ العربي والفكر العربي والإسلامي والثقافة العربية والإسلامية، حسب تصنيفهم (يَسَاريّ – عِلمانيّ – شُيوعيّ – لِيبراليّ – إسْلاميّ)، فكل واحد من هؤلاء مختلف مع الآخر في: تقييم المصدر التاريخي، وفي توجيه التاريخ، ثم في تفسيره وربط أحداثه ببعضها.
إننا عندما نتكلم عن فترة الصحابة مثلاً، نجد كثيرًا من تاريخهم في كتب الحديث، ونجد معظم الأحداث التاريخية المروية عن المؤرخين أمثال الطبريّ وغيره مذكورة بالأسانيد التي بها نستطيع معرفة صحة المادة بالتعاون مع المختصين- وبالمناسبة فإن كتب الحديث عمومًا أكثر موثوقية ودقة من كُتب التاريخ والأدب في رواية الحادثة- وكثير من الأحداث التاريخية مروية في كتب الحديث، وعليه فلو أن حادثة معينة رُويت في البخاريّ مثلاً ورُويت نفس الحادثة في تاريخ الطبريّ وكان ثَمَّة اختلاف بين الروايتين فلا شك أن رواية البخاريّ أصدق؛ لأنه اهتم بتحقيق الروايات واعتنى بالصحيح منها على وجه الخصوص وهو شرط لم يشترطه الطبريّ في تاريخه كما هو معلوم.
وإذا تعددت الروايات في الحديث عن الصحابة نغلِّب الجانب الذي يراعي مكانة الصحابة ومقامهم ويتوافق مع القرآن الذي مدح الصحابة، والسنة التي أثنت على مكانتهم.
وبناء على ذلك لو اتهم أحد الصحابة بشهادة الزور في رواية في الوقت الذي تروي عنه كتب الحديث الصحيح خلاف هذا من صلابة دينه وصدق إيمانه وحسن تقواه وما ورد من فضائله- فلا يلتفت إلى ما يخالف ذلك.

أعمال مناسبة
ربما كانت الأعمال الوثائقية هي الأكثر مناسبة للسياق التاريخي، لكننا من جهة لا نملك القدرات الفنية التي تجيد إنتاج الأعمال الوثائقية المتميزة، ومن جهة أخرى فإن العاملين في الحقل الفني لدينا والمخرجين يصرُّون على صياغة العمل بشكل يناسب الدراما التلفزيونية، على اعتبار أن لهم الحق في تغيير بعض التفاصيل لتناسب سياق العمل دون الإساءة للشخصيات الأساسية، وعلى اعتبار أن هذه الإعادة هي التي تجعل من الدراما التاريخية مختلفة عن التاريخ المَحْض.
وهناك قطاع واسع من المثقفين في العالم العربي غير مقتنع بوجهة نظر العاملين في الوسط الفني؛ مِن كتَّاب ومخرجين وممثلين فيما يخص تحوير النص التاريخي تحت أي ظرف، ويصرون على ضرورة التزام الكاتب تمامًا بالوقائع التاريخية، ويشترطون في الكاتب أن يكون مؤرخًا أو مهتمًّا بدراسة التاريخ، وقادرًا على التعرف على المصادر التاريخية، ومعرفة خصائص كل مصدر ومميزاته، والانتقادات العلمية الموجهة ضده، ثم الدفاع عن صحة معلوماته.

عوامل منفرة
وإذا كانت الدراما التاريخية المصرية رائدة إلا أن ما فيها من افتعال ومبالغة في رسم أبعاد الشخصية، والمكياجات العجيبة المثيرة للضحك من طراز اللحى الملتصقة بشكل مفضوح وفج على وجوه الممثلين، أو محاولات التنميط الشكلي البائس، للدلالة على المؤمن والكافر، والطيب والشرير- كان عاملاً منفِّرًا، وهو ما سمح في وجود عوامل أخرى مثل: عدم وجود النصوص الجيدة، وارتفاع ميزانيات الأعمال التاريخية، إلى بروز الأعمال الدرامية التاريخية السورية ونجاحها وتميزها وافتناع المشاهد العربي بها وتحمسه لها.
فأعمال مثل: "الظاهر بيبرس" و"ملوك الطوائف" و"الزير سالم" و"الحجاج بن يوسف الثقفي" و"عبد الرحمن الداخل"، الملقب بـ"صقر قريش"- لا يمكن أن ينساها المشاهد العربي لجودتها وتميزها.
وتعود أسباب نجاح الأعمال الدرامية التاريخية السورية إلى: أنها على المستوى الشكلي، تخلَّصت من حالة الفقر المدقع في المشهد البصري كما كان الحال في الدراما التاريخية المصرية. وعلى المستوى الفني، اهتمت بالتفاصيل الحقيقية، أو المقاربة للحقيقة، إلى حدّ المطابقة. وعلى صعيد التصوير، ابتعدت الدراما التاريخية السورية عن الأماكن المنغلقة، والديكورات الفقيرة؛ فأتقنت فن الديكور تمامًا، وتمكَّنت من إعادة إنتاج المكان بشكل بالغ البراعة، كما نجحت في مسألة الماكياج، والملابس والأزياء، والاكسسوارات. أما على مستوى المضمون فإن الدراما التاريخية السورية انتهجت خطًّا جديدًا يقوم على "تعشيق" الروايات التاريخية المتعددة في محاولة قراءة الوقائع، وبناء الأحداث، ورسم الشخصيات من جوانبها المتكاملة، فقرأت التاريخ قراءة أكثر منطقية وأكثر قدرة على الإقناع.
كما أن مدرسة الدراما التاريخية الشامية متميزة في فصاحة اللغة العربية، فالحديث باللغة العربية في المدرسة الشامية أكثر ضبطًا.
وإذا كانت الأعمال الدرامية التاريخية المصرية عوملت مؤخرًا معاملة غير جيدة؛  حيث كانت تعرض في أوقات يصعب على المشاهد متابعتها؛ قبل الفجر وبعده، وفي أوقات العمل الرسمية؛ صباحًا وظهرًا، بالإضافة إلى مشكلة ارتفاع تكلفة الإنتاج؛ حيث تتخوف شركات الإنتاج من الخوض في إنتاج مسلسل تعرف مقدمًا أن تكاليفه ستكون كبيرة وعملية التسويق قد تكون صعبة؛ أما الأعمال الدرامية التاريخية السورية توفرت لها الميزانيات الكبيرة وتخلصت من الأخطاء التي وقعت فيها الدراما التاريخية المصرية فجاء هذا النجاح
الكبير