الدروب التي صارت سطورًا

كتب بواسطة: عبدالعزيز البرتاوي | في رأي . بتاريخ : Aug 4 2012 | العدد :94 | عدد المشاهدات : 2577

الدروب التي صارت سطورًا

نسخة للطباعة
يمكن تقسيم مدن العالم إلى قسمين: ما نذهب لنسكن فيها، وما يأتي منها، ليسكن فينا. وأعتقد هنا أنّ "طيبة"، طيّبة بما يكفي لتكون في الشقّ الثاني من مدن العالم. من يسكننا بكل تفاصيله، ويُسكننا كلّ تفاصيله هو.
في المدينة المنوّرة، تجتاح "العابر" مشاعر شتّى، وهو هنا عابر لوصف المشي والمسيرة، لا للنسيان والذهاب. لأنّك حين تدخل المدينة، لا تخرج منها البتّة. تبادلك حتى أحجارها، ريّ الحكايات، وتدعّم نخلاتها معك تفاصيل القصة المشبّعة بندى الحنين وعذوق التمر.
وفي رمضان تحديدًا، تقتسم المدينة اللحظة والتاريخ، الماضي والحاضر في نفس الآن والذكرى. خصوصًا وأنت تعرف أنّ محمداً عليه السلام عبرَ من هنا، هو الذي كان في غير رمضان، يربط على بطنه الحجر والحجرين .. من فرط الجوع والصوم. حين نادى السماوات لأجل أن تهب نخل هذه المدينة -الذي يشبه نخيل أي مدينة في العالم ولا يشبهه- محبّة في قلوب الخافقين، واستجابت السموات. إنّه محمّد، وإنها المدينة.
في المدينة، الحائزة هذا الاسم التعريفيّ من بين كلّ "قرى" العالم الفسيح، تحت القبّة الخضراء، والمنائر الشواهق البيضاء، كسبّاباتٍ تمتدّ إلى السماء بالشهادة، على مرمرِ الساحاتِ المفتوحة، آن التأرجح بين طعمِ التمر، واللبنِ، و"الدقة"، و"الشريك" المديني الطازج. تلك الأشياء الممعنة في البساطة والرقّة، حين تحيلها عظمة رمضان، وحسّ الزمن المقدّس، لطقوسٍ من البهاء والهيبة والجلالِ والكمال، لا يمكن أن تكون لسواه من موائد الزمان والمكان.
تتلوّى دروب المدينة، كأسطر كتاب تاريخ كبير. تنافسها الجغرافيا نقشَ حكاية ما، تخيف المتأمّل، أن لا يرى الآخرون ما يرى، من رؤى، أو أن ينصتوا لما يسمع من هسيس الحكايات الفتّانة، المنسابة كنخلات متقاربات. كحزم نعناع أخضر. كقباب متجاورة جميلة، تغنّى بها نيكوس كازنتزاكي، حكيم الأدب اليونانيّ، ومُرقّص زوربا على وقع اللغة، وهو المسيحيّ الذي لم يرَ المدينة، إذ يقول: أنّه هناك حيث القبة الخضراء والنخل الشاهق، هناك حيث يهفو قلبي إلى الحقيقة.
فعلا، هناكَ يهفو القلب من فرحٍ وبهجة، حين يحتضنك أبناء الدروب المدينيةِ الطيّبة، مؤطّرين بعمائم الحجاز والطقوس الأريحية في تقبّل قلب ضيف، والتلهّف حبّاً لروح غريب. هنالك، حيث تتعتّق الذاكرة بالنعناع، والشذا بالشدى، وحيث تغدو التربة الحمراء لسفح "أحد"، كتابَ تاريخٍ كبير، وذاكرةَ أحداثٍ، وحكاية أجيال، مضرّجةً برغمِ الدهورِ بالتجدّد. هنالك وحدها .. تبتلّ العروقُ أكثر من أيّ مكان