موسم الهجرة إلى مكة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Aug 4 2012 | العدد :94 | عدد المشاهدات : 4089

موسم الهجرة إلى مكة

نسخة للطباعة
بدكانه القابع بجوار سوق الغزة المؤقت الواقع على مشارف المسجد الحرام يستدل "العم أحمد باشميل" صاحب محل الصرافة وتبديل العملات النقدية بالعملات النقدية على حلول المناسبات الدينية المختلفة حيث يؤكد لنا أن لكل مناسبة دينية عملتها الخاصة بها ففي أيام المولد النبوي الشريف تكثر لديه العملات المصرية وعملات شمال إفريقيا في حين يحمل شهر رجب معه عملات بلاد فارس وبعض من أجزاء العراق وجنوبي شرقي آسيا ممثلا في أندونيسيا وماليزيا بشكل خاص، إلا أنه يعود مستدركا شهر رمضان المبارك الذي يحمل مع نسماته المباركة أطيافا عدة من عملات نقدية من مختلف دول العالم في رسالة واضحة للوحدة التي تتم بين شتى الفرق الإسلامية حيث تختلط عملات شرق العالم الإسلامي مع غربيه في أيام معدودات.
مشاريع التوسعة الجديدة للحرم المكي لم تغب أيضا عن ذهن العم أحمد حين يسرد لنا أسماء حارات وأمكنة حجازية ذات نكهة مكاوية يمزج فيها بين الواقع والأسطورة وبين الماضي والحاضر حين يقول: بالنسبة للعملية الشرائية لم يختلف الأمر كثيرا عن السابق فكل ميسر لما خلق له إلا أن ما يميز تلك الأسواق القديمة النفس التراثي الذي تستنشقه خلال تجوالك في تلك الأسواق التي كانت تتميز برخص الإيجارات والحميمية السائدة في مثل هذه الأماكن حيث كان التجول وحده في مثل هذه الأسواق أمر يستحق التجربة، فمن منا لا يتذكر المنطقة التي شملتها الإزالة وعلى رأسها الشامية تلك الحارة المكيّة التاريخية، المحاذية للحرم المكي، والتي يذهب البعض إلى أن سبب التسمية يعود لموقعها الشمالي "اتجاه الشام" وآخرون يميلون إلى أنه نسبة إلى الشوام بائعي الأقمشة في سوق سويقة التاريخي، بالإضافة إلى أسواق ومراكز عديدة منها مركز النقد وسوق الصيرفي من جهة المدعى وأما من ناحية منطقة الغزة فكان سوقا الجفالي والرواسي من أبرز أسواق هذه المنطقة، إضافة للحارات الشعبية الشهيرة مثل حارة الباب والغزة والجودرية والنقا والقبة والجميزة، وحتى هذه اللحظة لا أرى بوادر تعويض تلك الأسواق الشعبية بأخرى غيرها لكن أتمنى من القائمين على مشروع التوسعة عدم إغفال مثل هذا الأمر نظرا لأننا بطريقة أو بأخرى نبقى أسرى المثل الشعبي المعروف " من ليس له ماض، فليس له حاضر" خصوصا وأنه تم توفير أسواق جديدة وراقية مثل تلك الأسواق التي تحتضنها أبراج زمزم.

نهاية الشامية
وكانت "الشامية" التي تعتبر أحد أعرق الأحياء المكية العتيقة المطلة على الحرم المكي، التي شكلت فارقا في تاريخ مكة المكرمة، قد شملها قرار الإزالة ضمن أكبر توسعة في التاريخ الإسلامي في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، لينتهي الفصل الأخير لهذا الحي الذي كان وما زال مركز ثقل اقتصادي وعمراني في مكة المكرمة.
ورغم ضخامة مشروع الإزالة إلا أن النفس الشعبي لهذه الأسواق لا زال موجودا يشهد بهذا سوق الغزة المؤقت الذي يتميز برخص أسعاره وكثرة المبيعات فيه وتنوعها, ويرتاده عادة عشاق الأصالة ومحبو القديم من الزوار والمعتمرين, حيث يؤكد لنا  العم أبوخالد أن أبرز المناطق التي شملتها الإزالة ومنها الشامية والغزة وسوق الليل وحارة الباب، التي كانت تحتضن الكثير من الأسواق والمحلات الشعبية انتقلت لسوق الغزة المؤقت، وما كان يميز تلك الأسواق التي شملتها الإزالة هي قربها من الحرم عكس هذا السوق الذي يبتعد عن الحرم قليلا إلا أنه يتميز بالبضائع التي كانت في تلك الأسواق بل وأكثر من ذلك، والجميل في هذا السوق أنه لا زال محافظا على صبغته الشعبية التي يجتذب بها زوار الحرم المكي من كافة الأطياف والأجناس.
وتكاد عينا الزائر لا تفارق محلات بيع المسابح والاكسسوارات لكثرتها وانتشارها في كل زاوية من زوايا تلك المنطقة حيث يشير لنا رحمة الله سيد صاحب أحد هذه المحلات إلى سبب اختيارهم لبيع المسابح لما لها من قدسية خاصة لدى أغلب زوار الحرم المكي سيما سكان المغرب العربي الذين يحرصون على مثل هذه المشغولات اليدوية من مسابح واكسسوارات وكريستالات وغيرها، مختتما حديثه عن نوعية المسابح المميزة والأصلية المصنعة من الكهرمان الألماني, التي تعتبر أغلى أنواع المسابح والتي تباع بالوزن، وعلى نقيضها الكهرمان البولندي الذي يعتبر من أرخصها حيث تباع المسبحة الواحدة بسعر خمسة ريالات.

عزوف عن الذهب
وفي خضم محاولاتنا لتأطير حدود الماضي لربطه بالحاضر تستوقفنا محلات بيع الذهب المبعثرة التي كانت فيما مضى متلاصقة بجانب بعضها البعض تصوغ من عقودها بريقا تجذب به الزوار والمعتمرين، حيث يروي لنا الصائغ فهد صالح تفاصيل محلات الذهب التي كان مقرها "الشامية" والتي تفرقت بعد قرار الإزالة.  وأضاف: الآن ترى محلات الذهب بعيدة عن بعضها البعض الأمر الذي أثر بشكل سلبي على هذه المحلات، حيث كنا في السابق نشهد إقبالا كبيرا من قبل الزوار والمعتمرين، عكس الأيام هذه حيث ساهم ابتعاد المحلات عن بعضها البعض في عزوف الكثير من الزوار المعتمرين عن التجول في محلات الذهب لبعدها النسبي عن بعضها حيث أنه من الصعوبة بمكان على الشخص أن يتجول في جميع محلات الذهب المنتشرة، عكس ما كان في السابق عندما كانت محلات الذهب جوار بعض، مختتما حديثه بالإشارة إلى أبرز زبائنهم الذين ينحدرون من الجنسية العراقية والإيرانية والإندونيسية.
وإن استطعت أن تعزل حواسك الخمسة عن هذا المحيط فإنك حتما لن تستطيع خاصة حاسة الشم التي تستيقظ مع محلات بيع العطورات والأعشاب والمخاليط الطبيعية من صندل وشيح وحب الرشاد وزهرة البشام وزهر الرمان وساق الحمام إضافة للروائح العطرية التي يوفرها البخور الجاوي، هذه الأجواء الشرقية تعيشها في أكثر من محل للعطارة من أبرزها محل عدنان صبغة الذي كان له من اسمه نصيب وافر حيث لا زالت لمساته العطرية ترسل نفثاتها منذ أكثر من ثلاثين عاما.
يقول عبدالعزيز أبوالليل البائع في المحل: لا زال هذا المحل يقدم خدماته للزوار والمعتمرين منذ أكثر من ثلاثين عاما في مهنة توارثها الشيخ عدنان صبغة عن أبيه عن جده، حيث أنهم يتميزون باطلاعهم على الطب الشعبي منذ أمد طويل الأمر الذي يجعل الكثير من الزوار والمعتمرين يركزون على شراء الأعشاب الطبيعية والصحية خاصة شعوب المغرب العربي بالإضافة إلى سكان منطقة الخليج الذين يكثر تواجدهم في أيام العطلة الصيفية والذين يحرصون على شراء العطورات والبخور الشرقي.
فيما لم يفوت المعتمرون الثلاثة رياض القحطاني  وبسام الفليح وحسام الزهراني الفرصة لاحتساء أكواب من ماء زمزم الطاهر، حيث أكد لنا رياض القحطاني أن الأجواء في هذه المنطقة تعتبر أكثر من رائعة نظرا للصبغة الإيمانية التي تصطبغ بها الأمر الذي يجعلك في غنى عن حساب الأيام وعد ساعات نهاراتها أو الانشغال بترتيب مواعيد لياليها، فيما يشير بسام الفليح إلى جمالية المنطقة المركزية بما توفره من خدمات حيث أن كل ما يحتاجه الزائر يوجد في هذه المنطقة، واختتم حسام الزهراني حديثهم بالإشارة إلى الجانب الأمني ورقيه في التعامل مع الزوار والمعتمرين  مؤكدا أنه لولا هذا التنظيم الأمني العالي ـ على حد تعبيره ـ لم نكن لنشعر بكل هذه الراحة والطمأنينة.
كل هذه الجولة تقضيها في محاولة منك لإحياء ماض تليد تحت أنظار برج زمزم التي يعتبر أحد المشاريع الضخمة في الشرق الأوسط كما أنه يشكل أكبر أبراج مشروع البيت ضمن أوقاف الملك عبدالعزيز لخدمة الحرمين الشريفين، محتلا بذلك المكان الذي كانت تحتله قلعة أجياد الشهيرة ليطل مباشرة على الحرم المكي الشريف، ومذكرا إياك بعجلة التطور الهائلة لحاضرنا اليوم، حيث يتميز البرج  بثلاثة أدوار لمواقف السيارات تتسع لـ1400 سيارة كما خصص فيه دوران للمحلات التجارية العالمية ودوران لمطاعم عالمية تسع لـ6000 شخص ودوران  لدور العبادة تسع لـ 50.000 مصلي.
كما يوجد بالبرج خمسة أنواع لأجنحة فندقية موزعة على 31 طابق سكني حيث يطالعك جناح الاستيديو بمساحته البالغة 38متر مربع والجناح الكبير تبلغ مساحته 55متر مربع، والجناح الأميري بمساحته البالغة  76 متر مربع، والجناح الملكي الذي تبلغ مساحته أيضا 76 متر مربع.
هذا التنوع الذي يجمع بين جمالية وقدسية التراث وتطور الحاضر يجعل الزائر يستلهم رحلته لهذه الأسواق بكل تفاصيلها، ليس على مستوى المكان فقط، بل حتى على المستوى الروحي الذي ما إن يبلغ حدود تلك الأسواق إلا ويجرفه منظر حرم آمن يغص بالطائفين والعاكفين والركع السجود