رمضان في وجدان الأدباء

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في الملف . بتاريخ : Aug 4 2012 | العدد :94 | عدد المشاهدات : 4010

رمضان في وجدان الأدباء

نسخة للطباعة
ليس ثمة شك أن حياتنا تزخر بالعديد من المناسبات الاجتماعية والدينية التي أثرت في الأدباء فسجلها يراعهم في إبداعهم على مر العصور, وكانت لشهر رمضان مساحة كبيرة في معظم الأعمال الإبداعية لهؤلاء الأدباء والشعراء العرب منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا, والنماذج كثيرة ومتعددة؛ فتذكر الكتب أن في زمن خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال أحد الشعراء بمناسبة قدوم رمضان:
جاء الصيام فجاء الخير أجمعه ترتيل ذكر وتحميـد وتسبيح
فالنفس تدأب في قول وفي عمل        صوم النهار وبالليل التراويـح

أمير الشعراء ورمضان
وفي العصر الحديث صوَّر أمير الشعراء أحمد شوقي الصوم تصويرًا أدبيًّا, فيذكر في كتابه أسواق الذهب: الصوم حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع لله وخضوع, لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة يستثير الشفقة ويحض علي الصدقة, يكسر الكبر ويعلم الصبر ويسن خلال البر, حتي إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف أسباب المنع- عرف الحرمان كيف يقع، وكيف ألمه إذا لذع.
وعن عادات الناس وسلوكهم في رمضان قدَّم لنا يحيى حقي في كتابه الجميل من فيض الكريم صورة رائعة لتفاصيل الشعائر الإسلامية، والعادات الاجتماعية التي تعكس جوهر شعوره الديني، وتكشف عن حقيقة مواجده الروحية، حيث يقدم لنا تفاصيل ليلة الرؤية كما تسجلها عين يحيى حقي الصبي في بدايات القرن الماضي؛ فيضعنا بذلك أمام لوحة قلمية تنبعث من سطورها التواريخ وتنهض من بين حروفها تفاصيل هذا الموكب الجميل الجليل الذي يسجل احتفاء شعب بأجمل شعائره، وهو استقبال شهر تطهير النفس والروح والبدن معًا.

من وحي ليلة الرؤية
بالتأمل في عنوان هذا العمل الأدبي نلاحظ أن يحيى حقي  يكشف لنا بتسجيله الحساس احتفاءه بتلك الليلة المباركة قبل دخول الإذاعة والتلفزيون إلى حياتنا، وكيف كان الاحتفاء بليلة الرؤية مناسبة دينية تمتزج فيها عناصر الاحتفاء الشعبية والجمالية بالعناصر الروحية والدينية؛ حيث يتم الإعلان عن وحدة الأمة وعن انصهارها في بوتقة الوحدة الدينية، وقد شدت أبصارها إلى القبة الزرقاء، وانطلقت أرواحها من عالم الأرض إلى عالم السماء، ولم يكن هناك مذياع يجلب للناس أخبار الرؤية في منازلهم، وهم معزولون عن الآخرين، متقوقعين على أنفسهم، بل كانت جموع الصبية قبل الكبار تتجمع خارج باب المحكمة الشرعية في سراي رياض باشا، حيث يجلس القاضي ينتظر وفود الرسل الذين خرجوا إلى مختلف المراصد والأماكن؛ لرصد قطعة صغيرة من النور ليس في السماء ما هو أرشق منها ولا أجمل، وما أن تثبت الرؤية حتى تدار أكواب العصير على الحاضرين وسط هتاف الصبية: صيام صيام. بذا حكم قاضي الإسلام.
وينطلق الموكب وفي مقدمته ضارب الطبلة المغلفة بجلد النَّمِر فوق حصانه وخلفه فريق كبير من المشاة، يعقبهم موكب أرباب المهن الشعبية، كل مهنة يتقدمها شيخها يتبعه صبيانه وقد حملوا في اعتزاز أجمل أدوات مهنتهم التي يستعملونها في نوع راق من النشيد الإيماني، الذي يصوغ تضافر الفن والعمل في موكب يوحي وصف يحيى حقي الحساس له بأننا إزاء لوحة رائعة من التراث الشعبي التلقائي الجميل، وما أن يمر الموكب على مسجد حتى تضاء مئذنته ولا تنتهي مسيرته إلا وتكون مآذن القاهرة الألف قد أضيئت إيذاناً بدخول رمضان.
هذا هو الموكب الفلكلوري الصادق الوحيد الذي يعرفه شعبنا العربي والذي يجمع كل أسباب البقاء، ولكنه مع ذلك مات واندثر، وهكذا يصور يحيى حقي بروح مؤمنة تجليات وصور وفيوض النور التي يوحي بها شهر رمضان، وهي تؤكد حسه الروحي الشفاف النابع من أصالة شعبنا المؤمن.
ويؤكد كل صبي أنه سيصوم ولو يومًا واحدًا؛ لينعم ولو مرة واحدة بالجلوس مع الأسرة حول مائدة الإفطار، فشهر رمضان المبارك هو شهر جمع الشمل ليشاركهم لذة ترقُّب المدفع، واستطعام الفول المدمس كأول طبق، وصبر إلى أن يأتي دور الكنافة والقطايف وقمر الدين. وبعد العشاء تكسير اللوز والجوز والبندق ومضغ التمر والتين المجفف.
يقول يحيى حقي: في ليلة الرؤية، وهلالها ليس كبقية الأهلّة، يظهر خطفًا لا ليضيء، بل ليومئ ثم يغيب، لا أخليه من ميل للدلال والمعابثة، شأن كل مزهو بجماله رغم جلاله، يتجه ذهني بود وحنان إلى صديق، أمثاله من حولي كثيرون، وأقول في سري: تباركت يا شهر الصيام، ما أقوى سحرك وما أكبر حزبك.
تمر على هذا الصديق مواقيت الصلوات الخمس فلا يعرف له يومه ركوعًا وسجودًا، الماء عنده للاستحمام لا للوضوء، وساعته ماشية إفرنجي لا عربي، إنه مضرب عن الصلاة، حتى يوم الجمعة...
ثم يعلق يحيى حقي على سلوك صديقه قائلًا: حذارِ أن تظن أنه رجل
كافر، أو أنه رجل سافل، بالعكس، هو رجل طيب جدًّا، بل إنه يقول لك بلهجة الواثق: بيني وبين الله عمار، الدين عندي أن لا أؤذي أحدًا بفعل أو قول...ما أعجب التحول الذي يطرأ عليه حين يهل الهلال، كأن إيمانه على موعد مع رعشة خفية تشمل قلبه وتهيج كل أشواقه... أتأمله فأحسبه رجلًا آخر، ليس هذا صديقي الذي أعرف.. فصديقي يصوم رمضان كل عام منذ أن كان في سن الثامنة، لا يخجل من إغفال الصلاة، ولكنه يخجل كل الخجل من إغفال الصيام...

عقلانية التفكير الإسلامي
وفي كتاب يحيى حقي، من فيض الكريم، يؤكد من خلال حديثه عن المناسبات الدينية مدى عقلانية التفكير الإسلامي العامر بالحكمة ومدى بعدنا عن تلك الحكمة العميقة الكامنة في جوهره واستغراقنا في مظاهر الشعيرة وحدها دون الاهتمام بحكمتها أو مراميها العميقة.
فيقول: ليس في كتاب غير القرآن مثل هذا الإلحاح المفضل على الإنسان ليعمل عقله ويتدبر الكون ويفهم أسراره ومثل هذا الحثِّ على العلم وطلب العلم الذي ارتفع إلى مقام الفرائض... إنه يفتح الباب على مصراعيه أمام قوى الإنسان العقلية لتتفجر وتنطلق من مكانها بغير رهبة، ثم يتساءل: هل بعد هذا إقرار بكرامة الإنسان وبرهان على الوثوق به والأمل فيه? ليس في القرآن لعنة تلاحقه منذ مولده.
ثم يربط يحيى حقي بين النزعة العقلية الواضحة في الإسلام وكراهيته للتعصب، ويؤكد أن السماحة وسعة الأفق من فضائل هذا الدين الحنيف.
وقد جرت عادة الشعراء أن يرحبوا بهلال رمضان الذي يأذن ببدء هذا الشهر الكريم، ويتفننوا في وصفه ويعدوه أمارة خير وبشارة يُمْنٍ وبركة، فيقول الشاعر ابن حمديس الصقلي:
قلت والناس يرقبون هلالا         يشبه الصب من نحافة جسمه
من يكن صائمًا فذا رمضان        خط بالنور للورى أول اسمه
أما الدكتور طه حسين فيرسم صورة أدبية للحظات الإفطار, فيقول: فإذا دنا الغروب، وخفقت القلوب، وأصغت الآذان لاستماع الأذان، وطاشت نكهة الطعام بالعقول والأحلام؛ فتري أشداقًا تنقلب، وأحداقًا تتقلب بين أطباق مصفوفة، وأكواب مرصوفة, تملك على الرجل قلبه، وتسحر لُبَّه، بما ملئت من فاكهة، وأترعت من شراب, الآن يشق السمع دوي المدفع, فتنظر إلى الظماء وقد وردوا الماء, وإلى الجياع طافوا بالقصاع, تجد أفواها تلتقم، وحلوقا تلتهم، وألوانا تبيد، وبطونا تستزيد, ولا تزال الصحائف ترفع وتوضع، والأيدي تذهب وتعود، وتدعو الأجواف قدني قدني, وتصيح البطون قطني قطني, ومع تعدد أصناف الطعام علي مائدة الإفطار في رمضان فإن الفول المدمس هو الصنف الأهم والأكثر ابتعاثا للشهية.
وكانت الشاعرة علية الجعار من أكثر الشعراء احتفاء بشهر رمضان, ففي ديوانها ابنة الإسلام نجد مقطوعة شعرية بعنوان رمضان جاء فيها:
وإنْ هل بالنور شهر الصيامْ         يجود به الله في كل عامْ
وصمنا له طاعةً في النهارْ          وقمنا له خشّعًا في الظلامْ
وفي ديوانها مهاجرون بلا أنصار تحدثت في قصائده عن ارتكاب المعاصي في شهر الصوم، فمقطوعة عن تارك الصلاة، وأخرى عن المفطر المجاهر، ومقطوعة عن إيذاء الناس, ثم اختتمت هذه المقطوعات بمقطوعتين الأولى تلاوة القرآن، والثانية الصوم في رحاب الكعبة، وتتحدث فيها عن تجربة المعتمرين في رمضان حيث يقضون أكثر أوقاتهم في البيت الحرام.

رواية نادرة
وتعد رواية رمضان حبيبي..الله أكبر ولله الحمد ... لنجيب الكيلاني من الروايات القليلة بل والنادرة التي اتخذت من رمضان عنوانا لها، وهي رواية تحكي العبور الكبير لمصر واستعادة سيناء وتتحدث عن الأمجاد التي حققها العرب والمسلمون عندما اتحدوا أمام عدوهم مجاهدين، والانتصارات التي تحققت في رمضان ...
رمضان فى ذاكرة نجيب محفوظ
أما الأديب الكبير نجيب محفوظ فكان بحق ابن الحارة المصرية، وابن القاهرة القديمة بكل خصائصها ومميزاتها؛ فقد نشأ وترعرع في أحضان الجمالية والعباسية وحي الحسين القديم.
ولذلك حمل أديبنا الكبير الكثير من الذكريات الرمضانية، فعن رمضان كان يرى أن رمضان من أمتع شهور السنة بالنسبة له منذ أن كان صغيرًا؛ ولذا فإنه كان يوليه عناية خاصة ففيه كان ينقطع عن الكتابة، ليس من قبيل الكسل ولكن للتفرغ للعبادة، والتفكر فى عظمة هذا الشهر الكريم.
وكان يقول: شهر رمضان يحرك فى نفسي ذكريات كثيرة تجعلني أشعر بالبهجة كلما تذكرتها... أذكر أنني بدأت الصيام منذ كان عمري سبع سنوات، وكنت حريصًا جدًّا على أن أصعد فوق سطح بيت القاضي الموجود فى حي الأزهر حتى أرى مؤذن مسجد الحسين وهو يؤذن لصلاة المغرب.
وكان رمضان شهر الامتيازات بالنسبة لنجيب محفوظ؛ فقد كان والده يسمح له بالخروج مع أطفال الحي الذي يسكنونه فى إحدى حواري العباسية؛ ليلعب حتى ينطلق مدفع الإفطار، كما كان يزيد فى مصروفه حتى يشتري اللعب الرمضانية، فكان رمضان بمثابة شهر حرية له ينال فيه ما لم ينله في شهر آخر.
ويواصل الأديب الكبير الحديث عن ذكريات الطفولة والصبا فى رمضان فكان يقول: كنت حريصًا على أن أتوجه مع مجموعة من أصدقائي من ميدان العباسية إلى مقهى الفيشاوي الشهير فى ميدان مسجد الحسين وهناك نسهر ونتسامر حتى السحور وكنا نتحدث في كل شيء حديثًا نافعًا ممتعًا، يشمل التاريخ والأدب والفن إلى جانب الأحاديث الدينية.
وعن مدى تأثير رمضان فى حياته كأديب وقصاص وروائي، كان رمضان يفيده كثيرًا كأديب خاصة وقت الإفطار أثناء وجوده فى الاسكندرية منفردًا؛ فأسرته كانت تفضل البقاء فى القاهرة حين يحل رمضان صيفًا بينما كان هو يفضل قضاء رمضان صيفًا في الاسكندرية، فكان يتناول وجبة الإفطار فى المطاعم وهذه فرصة رائعة ليتأمل العاصمة الثانية لمصر.
وكان يحب متابعة البرامج الجادة والشيقة فى الوقت نفسه، وكان من المعجبين بالكاتب الإسلامى أحمد بهجت الذى يتميز بالحس الديني والحس الأدبي، من خلال متابعته لمسلسل أحسن القصص الذى كانت تقدمه الإذاعة المصرية، والذى يقوم بهجت بإعداده، وكان من البرامج المميزة والتي يحرص على سماعها معظم المصريين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في وقت لم يكن التلفاز قد بدأ يغزو البيوت.
كما تعلم نجيب محفوظ من الصوم ومن رحلته مع الحياة  نداء الضمير يجب أن يلبى أكثر من هاتف المكتب أو البيت أو السيارة، وتعلم أنه لكي تكثر من العبادة النافعة لك بجانب الفرائض الخمس لابد من مضاعفة جهد العمل والعطاء، وتعلم أن بداخل كل منا طفلًا ولكن ليست له براءة الطفولة