إشكالية التصنيف

كتب بواسطة: البراء العوهلي | في الملف . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 2968

إشكالية التصنيف

نسخة للطباعة
أحد أهم الإشكالات التي يلحظها المتابع للشأن الفكري في العالم العربي وفي السعودية تحديداً هي إشكالية الولع بتصنيف الآخرين واستعجال توزيع هذه التصنيفات عليهم، فما إن يطرح الكاتب أو المثقف رأياً له علاقة بالحريات أو الدولة المدنية أو الديمقراطية إلا ويتم تصنيفه بأنه ليبرالي يريد التحرر من الشريعة ، وفي المقابل ما إن يتحدث منتقداً للظلم الذي يوجه إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يتم وصفه بأنه إسلامي أو ظلامي منغلق!
هذه الإشكالية هي في كثير من الأحيان نتيجة العقلية السطحية التي تلجأ لتصنيف الناس وتوزيعهم بناءً على قوالب محددة كي يسهل التعامل معهم واتخاذ موقف تجاههم، وهذا خلل في طريقة التفكير لأن الإنسان كائن معقد بتكوينه الفكري والثقافي ولذا فإن اختزاله بقالب محدد والتعامل معه بناءً على ذلك قد يلغي جزءاً كبيراً من شخصيته وتكوينه الفكري الذي هو في الغالب نتيجة تراكم معرفي بني على مدى سنوات طويلة وأثرت في تكوينه عوامل عديدة.
ليست مشكلتنا في التصنيف بحد ذاته فالتصنيف هو ظاهرة طبيعية بل ضرورة حياتية في كل جوانب الحياة، فعقلية الإنسان تتميز بقدرتها على التصنيف والتجريد وهذا مما ساعد على تطوير العلوم، ولكن الإشكال الحقيقي هو في الإقصاء وإلغاء الآخر بناءً على هذه التصنيفات الفكرية!
التصنيف يكون أمراً مقبولاً إذا كنا ننظر للاختلافات والتصنيفات هذه على أنها أمر طبيعي، بل وننظر لها على أنها فرصة للإثراء والتطوير والمراجعة المستمرة، فلولا وجود هذه التنوعات لما تقدمت البشرية شبراً واحداً إلى الأمام، ولكن الإشكال هو أن الواقع في الغالب عكس ذلك، حيث صارت التصنيفات والقولبة تخلق عوازل بين أبناء المجتمع الواحد وتحرمهم من الإفادة والإثراء المتبادل وتجعل العلاقة في كثير من الأحيان متوترة فيما بين التيارات المختلفة، وهذا التوتر هو من أسوأ مخاطر التصنيف لأنه يحرمنا من الإفادة المتبادلة ويمنعنا من تقبل النقد من الطرف الآخر والنظر إليه بشكل منصف.
متى ما تغيرت نظرتنا لتنوع التصنيفات واختلاف الأفكار فإننا سنتلافى التأثيرات السلبية الناتجة عن التصنيف وسنصبح مجتمعاً صحياً بشكل أكبر ونتعاطى مع بعضنا بشكل أكثر أريحية ، بل سنتعاون فيما نتوافق عليه من أجل الصالح الوطني والإنساني ونتفهم ونتسامح فيما اختلفنا فيه.
أما لو بقيت نظرتنا للتصنيف كما هي فإننا لن نتجاوز إشكالاته السلبية الكثيرة والتي لا تقتصر على التخندق والتوتر والاتهام المتبادل والتشاحن بين أطياف المجتمع، بل إن الموضوعية نفسها تنحر في كثير من الأحيان على عتبات التصنيف نتيجة لطريقة التفكير الضيقة التي تحاكم الأفكار بناءً على تصنيف وانتماء قائلها، فقد يقرأ أحدهم أو يسمع فكرةَ ما فيستنكرها لأن صاحبها من تيار مخالف له، ثم يستمع لنفس الفكرة مرة أخرى ولكن من شخص ينتمي لتياره فيعجب بها ويطبل لها! الفكرة لم تتغير ولكن الموضوعية هنا غابت على حساب المنظار التصنيفي المشوه.
نحن بحاجة ماسّة لجهود توعوية كبيرة تساهم في تغيير نظرتنا لتنوع التصنيفات وتغيير طريقة تعاطينا معها، من أجل أن نتجاوز التأثيرات السلبية التي نلمسها في مجتمعنا، ومن أجل أن نرتقي بأمتنا ونساهم جميعاً في تطويرها وتقدمها وفي دفع عجلة النهضة إلى الأمام