روجيـه جارودي .. نضال ضد عنصرية الغرب

كتب بواسطة: د. محمد مورو | في الملف . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 3387

روجيـه جارودي  ..  نضال ضد عنصرية الغرب

نسخة للطباعة
لعلنا لا نبالغ حين نقرِّر أنَّ روجيه جارودي كمفكر وصاحب موقف، ومناضل هو أحد أهم رجال القرن العشرين، فقد تمتع  جارودي طيلة حياته الخصبة والممتدة بضمير نزيه وشجاعة فارس وإقدام مبارز وأخلاق قدّيس، ومن الطريف أنَّ جارودي حين اختار رياضة يمارسها أختار رياضة الشيش "المبارزة بالسيف"، وقد تفوَّق فيها حتى أصبح بطل الجامعات الفرنسية في رياضة الشيش عام 1932، وكان هذا نوعًا من الانطباق بين الفكرة والرياضة أو التعبير عن تكوينه النفسي المبارز بطبعه والمقتحم لحقول الألغام والمخاطر.
 جارودي المولود في 17 يونيه سنة 1918 بمدينة مرسيليا والذي اعتنق المسيحية أولاً، ثم دخل الحركة الشيوعية الفرنسية دون أن يكون ملحدًا، ثم مارس الكثير من النقد على مفاهيم وسلوك الشيوعية في العالم، ثم اهتدَى بالبحث والتفكير إلى الإسلام، ودخل الإسلام عام 1986، وطوال حياته الفكرية والسياسية قبل دخول الإسلام وبعده كان جارودي مدافعًا دائمًا عن حقوق الإنسان، ومن المدهش حقًّا أنَّ الرجل الذي دخل الإسلام متأخرًا استطاع أن يصل إلى جوهر القيم الإسلامية وأن يقدِّمها بلغة عصرية ملائمة للثقافة الأوروبية، وهذه قيمته وأهميته، بل يكتشف عددًا من نقاط الضعف والخلل في الفكر الإسلامي المعاصر، وأن ينبّه عليها، ويجب ألا تأخذنا العزة بالإثم تجاه هذه المنطقة، فليس عيبًا أن يهدي رجلاً اهتدَى إلى الإسلام حديثًا عيوبَنا إلينا كمسلمين أو كمفكرين إسلاميين أو دعاة أو علماء، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، والحكمة جاءت هذه المرَّة مِن فَم رجل يمتلك خبرة وعقلاً ثريين، وكذلك فإنَّ المواقف والأفكار التي فجَّرها جارودي أفادت القضايا العربية والإسلامية أيما إفادة، وهو بمثابة رجل مثل أمة في هذا الصدد.
علاقة جارودي بالإسلام ليست حديثة، ولا تبدأ من يوم إعلانه دخول الإسلام فقط، بل تمتدّ في حياته مبكرًا؛ لأنه رجل رفض التعصُّب والانغلاق دائمًا، وأطلق لعقله العنان ليفكِّر بدون مُسَلَّمات سابقة، وهكذا فإنَّ الرجل اطلع على الإسلام، وكتب عن الإسلام وهو لا يزال شيوعيًّا أو مسيحيًّا.
ويحكي جارودي نفسه أنَّ الإسلام أنقذ حياته؛ فأثناء إقامته بالجزائر وقع غزو في المعسكر الفرنسي الذي كان موجودًا به في ذلك الوقت، وأصدر قائد المعسكر أمرًا بإطلاق النار على جارودي، وكان المنوط بتنفيذ هذا الأمر سرية من الجنود المسلمين، فرفضوا تنفيذ هذا الأمر، وعندما سأل قائد السرية الجزائري المسلم عن سبب هذا التصرف، أجابه بأنَّ الدين الإسلامي يمنع قتل الأسير الأعزل، وكان هذا بمثابة الشرارة التي فجرت التفكير في  الإسلام في عقل  جارودي.
واللقاء الثاني لروجيه جارودي بالإسلام كان بعد إطلاق سراحه من معتقلات النازية، كان هذا اللقاء بالثقافة الإسلامية، فألقى جارودي محاضرةً عن دور الثقافة الإسلامية في الثقافة العالمية، عام 1946 في مدينة الجزائر، قرَّر بعدها الجنرال ماس طرده من الجزائر، وكان السبب أنَّ جارودي استشهد في تلك المحاضرة بمقولة "أنا تول فرانس " التي يقول فيها: "إنَّ أسود عام في التاريخ الأوروبي هو العام الذي حدثت فيه معركة بواتييه التي اندحرت فيها الحضارة العربية أمام البربرية الفرنسية".
ثم قدمَّ  جارودي عددًا من الكتب عن الثقافة الإسلامية– قبل أن يكون مسلمًا منها "الإسلام يسكن مستقبلنا"، "وعود الإسـلام".
ويقرّر جارودي أنَّ لعلوم الحضارة الإسلامية فضلاً كبيرًا على النهضة الأوروبية خاصة في الطب والرياضيات والفلك والبصريات، وأنَّ الغزو العربي لم يكن غزوًا عسكريًا وإنما فتح للحضارة والثقافة، أو بتعبير أدق "ثورة ثقافية"، وينقل جارودي في هذا الصدد عن ملك أسبانيا "خوان كارلوس" قوله: "إنَّ فترة الخلافة الإسلامية في الأندلس هي فترة عظيمة في التاريخ الأسباني" ويعلّق جارودي على ذلك بقوله: " بل هي حقبة عظيمة في التاريخ الأوروبي كله".
يقول جارودي: " لقد تدرجت من الإعجاب بالثقافة الإسلامية إلى روحية الإسلام إلى أن أصبحت مسلمًا".
 ويرَى جارودي المفكر المسلم أنَّ الإسلام في خدمة الإنسان وليس لتدميره، وأنَّ الثقافة والعلم في الإسلام لخدمة الإنسان بينما تستخدم الحضارة الغربية العلم والثقافة لتدمير الإنسان، ويقول جارودي إنَّ من دواعِي إعجابه بالإسلام أنَّ النظام الاجتماعي في الإسلام ينحاز إلى الفقراء، وأنَّ الإسلام أيضًا دين للحوار والحرية والاعتراف بالآخر ويرَى جارودي أنه رغم عظمة قيم الإسلام قد تراجع؛ لأنَّ المسلمين تركوا الفضائل التي جاء بها الإسلام وخلطوا بين القوانين المقدسة "الشريعة" وبين التطبيقات التاريخية.
ويلفت جارودي نظرنا إلى أنَّ هناك حملة تشويه للإسلام وأنَّ ذلك يأتي في إطار محاولة أمريكا والغرب استمرار سيطرتهم العالمية ودوران آلة الحرب والسيطرة.

نضال ضد الصهيونية
يعدّ موقف جارودي ونضاله ضد الصهيونية أحد أهم معالم حياة الرجل، وقبل إسلام جارودي، كان الرجل أيضًا يناهض الصهيونية فألف كتاب "القضية الإسرائيلية"، ثم بعد اعتناق الإسلام ألف كتابين؛ "فلسطين أرض الرسالات"، و"الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، ويرى جارودي أنَّه لا حق لليهود في فلسطين، وأنَّ الصهيونية خروج عن الدين اليهودي ذاته، وأنَّ إسرائيل ليست إلا ذراع لأمريكا تولّت بدلاً منها إشعال خمسة حروب في الشرق الأوسط بغرض إدماج كل دول الشرق الأوسط في السياسة الأمريكية"، وأن إسرائيل هي جزء من مشروع الهيمنة الغربى، فهذه دولة خلقت في هذه المنطقة من العالم لتكون قلعة وحصنًا متقدمًا للحضارة الغربية ضد البربرية على حد اعتراف  هرتزل أبو الصهيونية العالمية الذي نشر كتابًا قدَّم فيه التبريرات لإقناع الغرب بإنشاء هذه الدولة اليهودية وأنَّ كل الأساطير التي قدَّمتها إسرائيل لتبرير وجودها مثل أسطورة الأرض الموعودة، وأسطورة الشعب المختار وأسطورة الأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وغيرها من الأساطير المؤسسة للسياسة الصهيونية ما هي إلا مغالطات وأكاذيب، وليس لها أساس ديني أو تاريخي أو سياسى.
وقد تعرَّض جارودي بسبب موقفه من الصهيونية للكثير من الاضطهاد، ففي عام 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان والذي تسبّب في قتل 20 ألف لبنانى، نشر جارودي في صحيفة لوموند الفرنسية بيانًا وقّعه مع كل من الأب ميشال لولونج والقس ماتيو أدانوا فيه السياسة الإسرائيلية فقامت الجمعيات الصهيونية في فرنسا برفع دعوى على الثلاثة إلا أنَّ المحكمة بَرَّأتهم، وعندما ألف جارودي كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" قامت الجمعيات اليهودية أيضًا برفع دعوى عليه أمام المحاكم الفرنسية مستندة على قانون جديد هو قانون فابيوس جيسو الذي صدر عام 1990 م والذي جعل من محكمة نورمبرج المرجع النهائي للحقيقة التاريخية بخصوص مذابح هتلر لليهود في أفران الغاز، واعتبر هذا القانون أنَّ أي تشكيك في رقم 6 مليون يهودي الذين تزعّم الدعاية الصهيونية مصرعهم في غرف الغاز النازية بمثابة جريمة تستحق المحاكمة.
كما تعرّض جارودي لتهديدات بالقتل، وكذلك تعرّض للحصار الإعلامي في فرنسا وأوروبا وأمريكا، ولم يسمح له بالدفاع عن نفسه في الصحف أو التليفزيون الفرنسي، كما تعرض ناشرو هذا الكتاب وأي ناشر آخر أو موزّع يوزع كتب جارودي للحرب سواء بالاعتداء عليهم أو على مكاتبهم أو بإفلاسهم، والحقيقة أنَّ محاكمة جارودى، وكذلك دفاعه، وفضحه لقانون جيسو قد كشف عددًا من الحقائق، ربما تزيد على أهمية فضحه لإسرائيل وأكاذيبها في كتابه، فقانون جيسو الذي يجعل أي مؤرخ أو مفكر أو باحث أو حتى كاتب مقال يتعرض للمحاكمة إذا ما شكّك في واقفة تاريخية معينة أو ما أحاط بها من شبهات أو حقيقة الأرقام والوقائع يؤكّد على أنَّ الديمقراطية الغربية المزعومة ما هي إلا أكذوبة كبرى، فيمكنك مثلاً أن تشكك في وجود الله في فرنسا ولا تشكك في رقم الستة ملايين ضحايا النازية من اليهود! وقانون جيسو وكذا محاكمة جارودي أثبتت أنَّ الحضارة الغربية برُمَّتها مزدوجة المعايير، وتضطهد العرب والمسلمين وكل ما هو غير أوروبي!، وفي فرنسا بلد الثورة الفرنسية والحرية والثوار! تتم محاكمة مفكر على كتاب يصدره، إن قانون جيسو أسس للتمييز العنصري لصالح ضحايا هتلر من اليهود فقط مستثنيًا ضحايا البربريات الأخرى الاستعمارية والاستعبادية والأنظمة الشمولية ضاربًا عرض الحائط شرعية حقوق الإنسان، بل وبالدستور الفرنسي المزعـوم.

ديمقراطية مزعومة
وفي الواقع فإنَّ محاكمة جارودي وكذا صدور قانون جيسو يؤكّدان على حقيقة قال بها جارودي من قبل ألا وهي أنَّه لا يوجد هناك شيء اسمه ديمقراطية في الغرب، إنَّ الديمقراطية الأثينية كانت ديمقراطية الـ 20 ألف سيد في مواجهة 100 ألف من العبيد الذين لم يكن لهم أي حقوق، والولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت ميثاقًا لحقوق الإنسان والمواطن عند الاستقلال وأن كل البشر متساوون، ولكنها أبقت مائة عام على نظام العبيد للزنوج، فالديمقراطية كانت إذن للبيض وليست للسود وميثاق حقوق الإنسان الفرنسي يقول: كل البشر متساوون أمام القانون بينما الدستور يقول إنَّ شروط الترشيح أن يكون مالكًا لثروة معينة، أي أنها ديمقراطية للأغنياء وليست للفقراء، لذلك ليس عجيبًا أن يكتب فليسوف كبير من فلاسفة الثورة الفرنسية "هو ديدرو" إنَّ المواطن هو فقط من يملك.
في الجزائر مثلاً نادَى كل الديمقراطيين في الغرب بانتخابات حرة في الجزائر، فلما حدثت انتخابات حرة وجاءت على غير هواهم أوقفوا العملية الانتخابية، ثم قبل كل هؤلاء الديمقراطيين الغربيين بالديكتاتورية العسكرية.
ويتوقع روجيه جارودي انهيار الحضارة الغربية؛ لأنها سبّبت للبشرية مآسي ضخمة على مستوَى النهب والظلم والقمع، ولا يمكن لنظام مثل هذا أن يستمر؛ فهناك مثلاً أقلية لا تتعدَّى خُمْس سكان العالم تسيطر وتستهلك 800/0 من الموارد الطبيعية للعالم، والنموذج الغربي للتنمية يكلّف العالم الثالث حياة 45 مليون شخص سنويًا من منهم 15 مليون طفل دون السنوات الخمس، أي ما يعادل عدد قتلى هيروشيما مرة كل يومين، ووحدانية السوق التي سميت الحداثة تأخذ شكل انهيار للعلاقة الاجتماعية لصالح منظور داروني اجتماعي وتتلخص في الحرية المحتومة للأقوَى لالتهام الأضعف.
وفي رأي جارودي أنَّ أمريكا هي الأسوأ في التاريخ، فزعماء أمريكا هم أكبر إرهابيي العالم وليسوا حماة حقوق الإنسان، وهي تسعي للهيمنة على العالم بقوة المدفع، وهي تدعم إسرائيل لهذا الغرض، وهي تعطي إسرائيل كل شيء البندقية والطعام، ولذلك فإنَّ المواجهة مع إسرائيل هي مع أمريكا أولاً، ولذلك يدعو جارودي أن يقاطع العرب والمسلمين أمريكا وإسرائيل مقاطعة شاملة، وهذه لمقاطعة بدءًا من السجائر والبيبسي كولا وانتهاءً بالسيارة والآلة والكمبيوتر سوف تؤثّر على أمريكا تأثيرًا شديد؛ لأنَّ الاقتصاد الأمريكي- على عكس ما يشاع- يحتاج المزيد من الكسب والهيمنة، وهي لا تستطيع أن تعيش بدون حروب ويمكن أن تقود هي وإسرائيل العالم إلى حرب عالمية ثالثة، والعدوان الأمريكي على العراق مثلاً هو رسالة أمريكية إلى كل من يريد أو يفكّر في الخروج من بيت الطاعة الأمريكي.
ولم يقتصر جارودي على القتال الفكري والسياسي ضد الصهيونية وضد الهيمنة الأمريكية، بل إنَّه قدَّم اقتراحات عملية لمواجهة الاستكبار الأمريكي والغربي والصهيوني وإنقاذ دول العالم الثالث والعرب والمسلمين، فيقترح جارودي عددًا من المقترحات  لهذا الغرض منها:
- رفض تسديد الديون المزعومة للبنك الدولي، وتكوين صندوق تضامن يعوّض بنسبة كبيرة المساعدة المزعومة التي كان مستغلينا يقدمونهـا.
- رفض قرارات الحظر التي تتخذها الأمم المتحدة على بعض الدول وخرقها.
- إنشاء سوق مشتركة لشعوبنا، وأن يكون نظام التبادل بالمقايضة حتى لا نضطر إلى المرور من طريق العملات الأجنبية لدول الشمال وبصفة خاصة الدولار، والحرص على القضاء على المضاربة.
- القضاء على الهيمنة الثقافية الغربية والهيمنة الاقتصادية أيضًا.
- الانسحاب الجماعي من كل المؤسـسات التي تدعي العالمية، والتي أصبحت أدوات لسيطرة دولة واحدة، وتغطية عمليات العدوان العسكرية والاقتصادية والثقافية، أي الانسحاب من كلٍّ من الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولى، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية .
- أن نواجه جميعًا ومتحدين أيّ تهديد أو عدوان ضد واحد منا