في «قصة موت معلن» للعنصرية أكثر من لون

كتب بواسطة: سمير خميس | في الملف . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 2725

في «قصة موت معلن»  للعنصرية أكثر من لون

نسخة للطباعة
وحده ماركيز من يستطيع أن يجعلك في مواجهة عارية مع ذاتك، بعد أن يجردك من كل ادعاءات المثالية التي يمكنك أن تتترس بها، ليظهر ذلك الإنسان الكامن الغارق في بدائيته، القبيح في عنصريته ووحشيته.
ماركيز ذاك الذي لفظه الساحل الكولومبي ليروي لنا بعضا من حكايات ريفه وقصصه المخفية والمعلنة، من "ماكوندو" تلك المدينة الوهمية التي انطلق منها العقيد "أوريليانو بوينديا" بجيوش التحرير، إلى "أركاتاكا" الحقيقية التي شهدت مقتل العربي "سانتياغو نصار" في قصة موت معلنة.
وكما لو كان يريد أن يستثير عاطفة العربي بكل أثقالها  وأوزارها، يعمد ماركيز في روايته "قصة موت معلن" التي حولت إلى عمل مسرحي، يعمد إلى رسم نهاية لعمله من الصفحة الأولى عندما يستيقظ نصار في اليوم الذي سيقتلونه فيه، الأمر الذي يجعل أي عربي يرتكب إثم قراءة هذا العمل أن ينحاز إلى دمه العربي المنتشر كافة بقاع العالم.
"في اليوم الذي سيقتلون فيه، استيقظ سانتياغو نصار في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، لينتظر وصول المركب الذي سيأتي فيه المطران..
كان قد حلم بأنه يجتاز غابة من أشجار التين حيث كان يهطل رذاذ مطر ناعم، وأحس في أحلامه بالسعادة للحظة، لكنه ما أن استيقظ حتى أحس كما لو أنه ملوث بكامله بزرق العصافير".
وهكذا ينجح ماركيز في خلق التحيز اللازم الذي يجعل من القارئ العربي يقع في فخ "العنصرية" التي كانت إحدى مظاهر الريف الكولومبي، والتي نقلها الكاتب بكل هدوء، من خلال عدة أحداث في الرواية، عانى فيها "سانتياغو نصار" مطولاً حتى كانت سبباً في مقتله، حيث درجت مخدومته "فيكتوريا غوثمان" على مناداته بالأبيض، في تعبير يحمل دلالات عنصرية واضحة، وإلى أن الألوان ما هي إلا لعبة تجيد العنصرية التخفي في دلالاتها وفي عدم تحذيرها له بأنه قد يقتل رغم علمها بذلك؛ لأنها كانت ترغب في ذلك من أعماق قلبها كما تقول بذلك ابنتها "ديفينا فلور".

موروثات مشتركة
وهكذا يمضي ماركيز في قصة معروفة التفاصيل والنهايات، وبكل التشويق الذي تحتاجه للولع بمجرد رواية جرت أحداثها منذ أكثر من ستين عاماً، نجح فيها في رسم صورة الريف الكولومبي، بكل موروثاته التي شكلت وعيه الديني والاجتماعي والعائلي، وثارات الشرف التي لا تحتمل الانتظار،  موروثات لا تحتاج معها إلى الكثير من التفكير كي تدرك أن العالم كما يقال "قرية صغيرة" تنتقل فيه عنصرية الأرياف إلى تلك الأماكن الأكبر منها، التي يطلق عليها البعض زوراً وبهتاناً مسمى: المدن.
وكما هم الكبار دائماً، لم ينسق ماركيز مع نظرة مجتمعه المتحيزة ضد العرب، فتجده في مرة يصف "نصار بالمرح والمسالم وبذي القلب البسيط" ومرة يصف العرب بقوله "كان العرب يؤلفون جالية من المهاجرين المسالمين، الذين استقروا منذ بدايات هذا القرن في قرى منطقة الكاريبي، ووصلوا إلى تلك القرى وأفقرها، وهناك عاشوا وهم يبيعون الأقمشة الملونة والحلي الرخيصة في الأسواق الشعبية، كانوا متحدين، نشيطين، ومتصوفين. يتزاوجون فيما بينهم، ويستوردون قمحهم، ويربون الخراف في باحات بيوتهم، يزرعون الحبق والباذنجان، وولعهم العاصف الوحيد هو ألعاب الورق".
الأدب في خدمة القضية
ولم تقتصر علاقته مع العرب على مجرد مغازلتهم بحكايات روائية، بل امتد ليؤيد النضال الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، في إشارة أكثر من عابرة للتأكيد على أن الأدب هو أكثر من مجرد قصيدة تلقى على مسرح، أو حكاية تكتب في رواية.
أسلوبه الذي زاوج فيه في الرواية بين السرد الروائي والتحقيق الصحفي، مع الحصيلة اللغوية الشعرية الهائلة التي يتمتع بها، والمسحة الصوفية الإيمانية الروحية جعلت من "قصة موت معلن" شهادة حية على بدائية إنسان هذا القرن ووحشيته، التي تتستر خلف تصنيفات عديدة، ولعل العنصرية ما هي إلا تشخيص لمرض واحد من أمراضه المخيفة