مقادير

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 2971

مقادير

نسخة للطباعة
تمتد كفه إلى السماء كمن يجذب خيوط الشمس بين أصابعه ويحكم قبضته كأنما يصطاد الضياء .
يطول النفس العميق المصحوب بذرات الغبار ، فيشتم معها مشهد أول وقوع له على الأرض مدفوعاً بيد أكبر قليلاً من يده كانت أولى أمنياته في ذلك الحين أن يدفع من دفعه .. طوقت ذاكرته الخيالات وفتقت الحكمة شباك الجهالات.
تمر بذاكرته أشياء كثيرة جداً، وتافهة جداً، كانت تبدو ذات أولوية، وكأن الحياة من دونها بلا معنى ، كانت ذلك الجرم الصغير الذي قربه من عينه حتى لا يرى أجرام الفضاء  إلا من ورائه، أو من خلاله!
كان يسمي الحرمان منها موتاً أو فشلاً أو مصيبة وأنه بدون ذلك لا شيء .. ولم يكن له خيار إلا أن يتعلم كيف يسلو!
جبل على الانتماء العاطفي لخياراته التي يذهب إليها، تتعلق بها نفسه، ويهفو إليها قلبه، ويزينها عقله، ويرسخها خياله، حتى يرى المستقبل يمر عبر بوابة هذا الحلم الصغير.
المفقود عنده أثمن من الموجود، فإذا لم تواته هذه الساعة اليدوية يزين بها معصمه أو تلك الفرصة الدراسية، أو السيارة التي سيمتلكها لأول مرة ويضع مفاتيحها في جيبه بزهو، أو السفرة الاستثنائية مع الأصدقاء بعيداً عن الكدح المبكر .. فسوف تشهد حياته انتكاسة كبيرة !
الانتماء العميق يحمله على أن يستميت في بذل كل ما يمكن، إذ ليس هو من الكسالى النائمين الحالمين، بل هو ممن يجعل من أحلامه لافتات مترابطة على طريقه إلى هدفه، ويصنف نفسه من ذوي الحيوية والروح الإيجابية الفعالة.
صدمات الحياة اليومية الصغيرة تمنحه من الحصانة والدراية، وتدربه على التعامل الأمثل مع المحتمل، أكثر مما تلهب في قلبه من الأحزان، فلا تقيده اللحظة المؤلمة ولا الحالمة بل يقف فيها يقدر ما يجب ثم يمضي إلى الفضاء الأرحب حتى لا يكون كما قال الشاعر :

مضى شراعي بما لا تشتهي ريحي       
و فاتني الفجر إذ طالت تراويحي

لأنه يؤمن بالطبيعة البشرية .. فهو يقول لنفسه : ما معنى أن تحب شيئاً ثم لا تعمل من أجله؟
ما معنى أن تعمل من أجل شيء ثم لا تتألم على خسارته وفقده؟
ما معنى أن تمتلك الشيء ولا تستخدمه؟
"غيرْ جبلْ، ولا تغيرْ طبعْ"
هذا ما كان يسمعه بانتظام من الناس، وربما كان ما يسمعه تعليقاً على موقف شخصي يعنيه هو بالذات!
لم يدر أنه لم يكن بصدد تغيير طبع، بل إعادة صياغة مفرداته بصورة أفضل ..

وملاعبَ الأنسِ الرضيعِ هَجرْتُهَا          
وهجرتُ فيهَا مَضجعِي ووِسَادي

لم يدر أن تلك الانفعالات العاطفية هي ثمرة يمكن أن تتغير مع تغير الظرف والمناخ، ويمكن أن "تطعّم" بثمرة أخرى فتصبح أحلى وأطيب!
وقد يأتي الجميل من ضده كما تأتي الفراشة من الشرنقة.
أدرك كم تملي الأمثال السائدة بصدقيتها الصارمة، وبالفهم المحدود لها .. من الإيحاءات السلبية المؤثرة في السلوك!
تعلم بالطريقة السهلة،  وتعلم بالطريقة الصعبة،  تعلم بالعشوائية ..
وتعلّم بصورة منتظمة أنه ليس كل ما يتمناه المرء يحصل عليه، فعلينا إذاً أن نتروض على قبول الحرمان من غايات طالما حلمنا بها وسعينا إليها ..
تدريب يومي شاق وغير مرئي ولكنه يحفر في الصخر يهيئ الساعي إلى هدفه أن يكون متزناً في مقدار الحب والرغبة والشغف الذي يمنحه لهذا الهدف ..
وأن يبذل فيه جهده كما لو كان متحقق الوقوع لا محالة!
كيف له أن يداري ويداوي ألم الحرمان والإخفاق؟
حتى الدعاء العريض الذي يلهج به رسخ في أعماقه الرغبة في رؤية الأمر الذي يحب ماثلاً للعيان!
وحين أفلت من يده شعر بأن دعاءه لم يصادف باباً مفتوحاً، ولا زالت اللهفة تضغط على أعماقه، وصدى دعواته يتردد في ذاكرته !
السلوان كان بذرة تبرعم تدريجياً مع الفقد، ثم النسيان .. فتجف اللوعة وتتفتت ذراتها.
التعلق بأمل جديد يحدث بصورة اعتيادية ومن ثم تبدأ الدورة ذاتها لكن بحماس أقل، أو لعله أكثر اعتدالاً .. لقد أنضجته الواقعية .. حين وضع هامشاً للاحتمال الآخر حتى لا يفاجأ به! فلأن تحمل الشيء ولا تحتاجه خير من أن تحتاجه ولا تجده.
صار يفقه أكثر معنى ( وعسى أن تحبوا – وعسى أن تكرهوا ) ..
الإيمان بالله إذاً ليس قناعة نحقق بها ما نعجز عن تحقيقه بمفردنا .. ولا عنواناً يوهم أننا حين نكون مؤمنين تخرق لنا النواميس، ويحدث لنا الاستثناء ..
الإيمان يكمل النقص في خياراتنا، ولله الذي نؤمن به من كمال العلم، وتمام الحكمة، وشمول القدرة، وسابغ الرحمة ما يضمن تحقيق الأحلام الصحيحة، وتبديل تلك التي اعتراها اختلال أو اعتلال .. تلك التي لم تكن اختياراً موفقاً .. أو كانت تتعارض مع أحلام أخرى لنا أو لغيرنا.
الإيمان يعوض بنفحات الرضى الندية  التي تمنح التكيف والتقبل ..
مهما يكن الواقع المحيط محبطاً أو داعياً إلى اليأس .. فلنستمتع بالموجود إذاً ما دام أن لا سبيل إلى تغييره، ولنعد إلى أشيائنا القديمة والصغيرة نتعاطى معها بعفوية وصفاء .. فلا تذهب النفس حسرات على ما يفوت ! فقد يأتي زمان تبكي على الزمان الذي ضيعته في النحيب على ما فات.
أكثر من هذا أن يمتلئ القلب ثقة بأن ثم أمراً قادماً لا محالة هو خير وأفضل، تحصل به على ورودك الجميلة دون أن يؤذيك شوكها..
إن كان هذا الأمل الآن في عالم الغيب، فغداً هو في عالم الشهادة، وبقدر اكتمال ثقتك بحصوله يكون تحقيقه آكد وأضمن ..
عليك فقط ألا تحدّد له شكلاً معيناً، ولا أن  ترسمه في خيالك بملامح خاصة، طلاقة المشيئة الربانية تصنع ما لم يجر في خيال، ولم يخطر على بال.
حين يلتفت إلى الوراء، ويمر سريعاً على أرشيف طويل يقرأ عناوينه، ويستذكر مفرداته، يتأكد أنه في كل مرة لو علم الإنسان صورة ما حدث قبل حدوثه لتغير موقفه بقدرٍ أو بآخر ولا بدّ!
فليعتبر من هذا لمستقبله ..
سيظل يملك رأياً ، ويحبه ويؤمن به، ويعمل من أجله بإخلاص، واضعاً في اعتباره أن ثم مناطق مظلمة لا يعلمها إلا اللطيف الخبير..
كبرت القصة أو صغرت، فالخير فيما يختاره الله، على أن المرء مجبول على المضي إلى ما تمليه عليه إنسانيته ودوافعه التي يراها صحيحة ..
يدأب في حياته، وهو يردد مع (إبراهيم حقي)!
الحق تعالى يجعل الشرور خيرات
لا تظن أنه يفعل لك غير ذلك
ما يفعله هو الأجمل !
فوض الأمر إليه وأرح نفسك
لتر مولاك ماذا يفعل؟
ما يفعله هو الأجمل !