إعلام العرب الرسمي .. جاري البحث عن المشاهد

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2839

إعلام العرب الرسمي .. جاري البحث عن المشاهد

نسخة للطباعة
يعرف دائمًا بأنَّ الإعلام وسيلة تعكس الواقع، وأنَّه لمن يملكه؛ فإذا كان مملوكًا للدولة عبَّر عنها، وإذا كان مملوكًا للقطاع الخاص تبنى وجهة نظره، إلى غير ذلك من أشكال التبعية؛ الأمر الذي يجعل الإعلام مُعبِّرًا عن ملَّاكه مهما كانت أشكال توجهاتهم.
ولما كان القطاع الخاص يحرص على أنْ يدعم الإعلام ليعبِّر عن استثماراته ومصالحه مع مخالفيه- فإنَّه يحسن استخدامه لأجهزة ووسائل الإعلام على الطريقة التي يراها بالشكل الذي يدعم مصالحه، ويستخدم في ذلك أساليب قد تخالف قيم المتلقي ذاتها؛ ليأتي دور الإعلام الوطني الذي يفترض فيه أنْ يكون معبِّرًا عن الإطار الوطني الجامع بين جميع المتلقين على مختلف اتجاهاتهم.
غير أنَّه مع استمالة الحكومات الدائمة لأجهزة ووسائل الإعلام فإنَّ ذلك جعله بوقًا خاصًّا لها، على غرار ذلك البوق الذي تصير عليه أجهزة ووسائل الإعلام؛ ليكون المتلقي العربي هو الحائر التائه وسط ذلك السيل من الإعلام الذي يضاد متلقيه لحساب رؤًى وتوجهات خاصة تخدم ملَّاكه من رجال الأعمال، أو من خلال خدمة الأحزاب الحاكمة؛ ليصبح المتلقي هو الضحية لهذا التوجه الإعلامي، على الرغم من أنَّ الإعلام الحكومي ينبغي له أنْ يكون داعمًا لمتلقيه، إلَّا أنَّه في ظل استمالته من جانب حكوماته فقد أصبح تابعًا له، دون أنْ يكون منحازًا للحقيقة وقضاياه الوطنية الجامعة.
هذه هي الحالة التي صار عليها الإعلام العربي حاليًّا؛ إذ يجد المتلقي نفسَه أمام إعلام باحث عن مصالحه، وخاصةً إذا كان إعلامًا رأسماليًّا، أو إعلامًا حزبيًّا رسميًّا بمعناه الضيق الذي يدعم الحكومات دون أنْ يكون داعمًا للمفهوم الوطني المشترك، باستثناءاتٍ توصف بأنَّها يمكن أنْ تكون باهتة؛ كالتنويه مثلًا عن الفعاليات الوطنية التي تفتقر تغطياتها المهنية والفاعلية من جانب مقدميها، الأمر الذي جعل الإعلام الوطني طاردًا لمتلقيه بما يفوق الإعلام الخاص الذي يقع المتلقي في شَرَكِه، وما يقوده إليه من مضامين تدعم توجهات هذا الإعلام الخاص.
حتى القضايا التي يفترض في الإعلام الرسمي التعاطي معها بمهنية انطلاقًا من مصالح وقضايا وطنية- فإنَّه لا يتعامل معها بالشكل الذي ينبغي أنْ يكون عليه من حرفية في المتابعة والأداء، وتقديم المضمون بالشكل الذي يؤدي إلى توصيل رسالته وهدفه إلى المتلقين.
وهو ما يبدو في تغطيات عاجزة عن المهنية، بفعل كوادر ضعيفة تحاكي غيرها من الكوادر الإعلامية التي ساهمت في تطور إعلامها المحسوب على القطاع الخاص، وهو ما يمكن تفسيره بأنَّ الكوادر عندما تلاحظ ترهَّل إعلامها بإمكانيات ضعيفة وتحوله إلى بيئة خصبة لنشوء الفساد- فإنَّها لا تهتم كثيرًا بتطوير أدواتها، ومن ثَمَّ يضعف أداؤها ارتكانًا على دعم الدولة لهذا الإعلام، وأنَّ المتلقين لم يعودوا يقبلون عليه سواء كان إعلامًا مرئيًّا أو مسموعًا.
غير أنَّه في حال الفضائيات يكون الأمر أكثر، وفق ما تذهب إليه الاستطلاعات بأنَّها الوسيلة الأكثر مشاهدة، وتفوق الإذاعة والصحافة، وتكاد تنافسها المواقع الإلكترونية.
هذه الحالة جعلت الإعلام الرسمي أقرب إلى الأبواق التي تعبر عن الأنظمة والحكومات، دون أنْ تعبر عن المتلقي والمجتمع، ولذلك فإنَّ تغطياتها في المناسبات الوطنية أو الأخرى ذات التمثيل الخارجي تبدو تغطيات ضعيفة الأداء، بلا طعم أو لون، إلَّا من تعبيرات باهتة عن قضايا كبيرة وعظيمة في حياة الشعوب، دون أنْ تقترب التغطية من رسم الصورة الحقيقة للوطن، أو بشكل يقترب من الواقع على الأقل.
لذلك تصبح الأنظمة والحكومات هى المسئول الأول عن الحالة التي وصلت إليها أجهزة ووسائل الإعلام المحسوبة عليها، بل هى التي تسببت في أنْ تكون هذه الأجهزة والوسائل طاردة لمتلقيها بدلًا من أنْ تكون جاذبة لهم، وفق ما فعلته بهذه الأجهزة بأنْْ تكون تابعة للحكومة أو الحزب الحاكم أو النظام القائم، بدلًا من أنْ تكون ملكًا للشعب والدولة بمفهومها الواسع والمؤسسي.
الإعلام الخاص وملَّاكه يتحملون جزءًا من هذه المسئولية؛ إذ إنَّ هذا الإعلام- الذي يفترض فيه أنْ يكون مشاركًا لمتلقيه في أنْ يكون إعلامًا هادفًا، يقدم لهم ما يعِنُّ لهم، ومشاركًا لهم أيضًا في القضايا الوطنية- أخذ يبحث عن مصالحه ومكاسبه؛ ما جعله وسيلة للارتزاق، والبحث عن مصالحه مهما كانت حتى لو كان ذلك على حساب قيم المجتمع وثوابته؛ الأمر الذي جعله إعلامًا مثيرًا للفتن أكثر من أنْ يقدم إعلامًا جادًّا وهادفًا يخدم مصالح الأمة، ويرعى مصالحها الوطنية، ويبرز تمثيلها الدولي على مختلف مستوياته.
ضيوف البرامج أنفسُهم يتحملون قدرًا كبيرًا من المسئولية؛ إذ إنَّ أمانة الكلمة قد تضيع مع توجهات الوسيلة الإعلامية، ما يجعل ضيوف البرامج يبحثون عما يرضي المحطة الفضائية قبل أنْ يبحثوا عن مصالح الوطن ومشاهديه، خاصة وأنَّ هذا الأمر يتعاظم إذا كان ضيوف البرامج يتلقون مقابل جرَّاء ظهورهم بالبرامج، أو أنَّهم على علاقة وطيدة بمقدمي البرامج أو ملاك القنوات الفضائية.

السياسات الإعلامية
والناظر لإدارة السياسات الإعلامية يجدها تمثل تحديًّا جديدًا أمام دول العالم؛ فدول المستقبل لن يكون لها وجود حقيقي دون أنْ تكون لها سياسات إعلامية، ولذلك تمثل هذه الإدارة فنًّا من فنون الدبلوماسية شديدة التعقيد والتركيب؛ إذ هي تجمع بين توازنات داخل المؤسسة قد تتطلب- في وقت ما- كبح جماح التوجه نحو الإعلام بسرعة غير مطلوبة من بعض إدارات المؤسسة، وفي وقت آخر حث وإقناع بعض الإدارات على التوجه نحو الإعلام وتلبية متطلباته.
كما أنَّ هذه الدبلوماسية قد تمارس داخل الدولة وخارجها؛ فالمطلوب تكثيف المادة الإعلامية التي قد يجري بثها للوسائط الإعلامية المختلفة، أو التقليل من حجم هذه المادة، لكنْ متى يتم هذا؟ ومتى يتم ذاك؟.
لا شك أنَّ ذلك يتطلب قراءة جيدة يومية من شخص ما للحياة السياسية والثقافية والأحداث الجارية؛ حتى يتم يتسنى لهذا الشخص اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
هنا يبرز الإقناع، ولغة الحديث، ولغة الخطاب كوسيلة من وسائل الإعلام في عصر السماوات المفتوحة والإنترنت؛ قد يبدو مستغربًا أنَّ العديد من المؤسسات- بل حتى الحكومات- تلجأ إلى الاتصال المباشر بالجماهير؛ لأنَّ العلاقة المباشرة تحمل حميمية التواصل الإنساني، حتى الولايات المتحدة الأمريكية واليابان تلجآن إلى مثل هذا النوع من الدعاية.
فالولايات المتحدة لديها برنامج الزائر، حيث تستضيف من خلاله أحد الأشخاص المرشحين في بلدٍ ما للصعود السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي لزيارة الولايات المتحدة لمدة شهر، ليُبهر ببلد العَمِّ سام، تَمَّ من خلال هذا البرنامج استضافة شخصيات تبوأت مناصب عليا فيما بعد في بلادها، سواء من أوروبا، أو إفريقيا، أو آسيا، أو أمريكا اللاتينية.
إنَّ تفهم طبيعة الجمهور المخاطَب وسيلة أساسية من وسائل النجاح الإعلامي، بل نجد كثيرًا من الساسة لجؤوا إلى حيلٍ عديدة لكسب الجمهور؛ فها هو "نابليون" عند غزوه لمصر يشهر إسلامه ويتبنى منشورات تدعو المسلمين في مصر لمساندته ضد الظلمة المماليك، ويحضر الموالد الإسلامية.
بل نرى الرئيس الراحل المصري "أنور السادات" يبرع في هذا حين يرتدي أحدث الأزياء في القاهرة عند سفره خارج مصر، ويلبس "الجلباب" والعباءة في ميت أبو الكوم؛ فالأولى لديه طبقة وجمهور معين يتناسب معه "البذلة" ورابطة العنق المتناسقة معها وطريقة "الإيليت" في التعامل، والثانية كان لدى السادات فيها جمهور آخر يخاطبه هو جمهور الفلاحين والعمال وأهل المدن الصغيرة، الذي كان يهدف إلى إقناعهم بأنَّه واحد منهم يأكل البطَّ والإوز في المولد النبوي على "الطبلية"، بل نشأ مثلهم، وأنَّ لديه قيمَ الريف الأصيلة.

سنوات الهيمنة
ولسنوات طويلة ظل المجتمع العربي تسيطر عليه فكرة الهيمنة الأمريكية على وسائل الإعلام وصناعته، وغاب عنه التحولات والتقلبات في الإعلام الأمريكي، لكن هناك هيمنة الدولة الأمريكية على العالم من خلال الاقتصاد، والقوة المسلحة، والأدوات الإعلامية التي تسيطر على عقول البشر، بحيث يصبح البشر أسرى هذه الأدوات؛ ومنها: الأفلام السينمائية التي تبث السطوة الأمريكية بطريقة ناعمة لدى المشاهد، ومثلها المسلسلات الأمريكية، وهي قضية مثارة حتى في أوروبا، وبصورة خاصة في فرنسا التي لديها تخوفات حادة من الهيمنة الأمريكية، حتى في مجال محركات البحث على شبكة الإنترنت إذ إنَّ سيطرة Google على محركات البحث تجعل دائمًا المواقع الإلكترونية الأمريكية في المقدمة أمام الباحث عن أية معلومة على الشبكة الدولية للمعلومات.
إنَّ خطر ما يكمن في السيطرة على الرأي العام في أي دولة أو مجتمع هو ثَمَّة تضخم خطابي في تقييم سلطة الرأي العام والإعلان عن علو سلطة، خاصة في الأحداث السياسية والوقائع الفضائية؛ حيث يكون الاحتكام للرأي العام اقتراعًا أو استطلاعًا للبث في ولاية تشريعية أو رئاسية، أو للإفتاء في نازلة تعد استثناء في قاعدة العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، والحال أنَّ الرأي العام غير متجانس، غير جاهز وغير مطلق، فهو متبعثر، مكتسب ونسبي.
إذن المشهد الإعلامي المسيطر على الرأي العام له أداة ينفذ من خلالها، هي "المجتمع الاتصالي" الذي يشمل كل الوسائط الإعلامية، بدءًا من الخطابة أولى هذه الوسائط، وصولًا للإنترنت أحدثها، أمَّا من يقومون بصناعة إستراتيجية لهذا المشهد فَهُمْ مَن يديرون السياسات الإعلامية، ويضعون خططها المحكمة بصورة مستمرة.
هنا نستطيع القول بالوقوف أمام خطورة صناعة السياسات الإعلامية التي تشكل المشهد الإعلامي؛ سواء الإعلام الوطني الذي يفترض فيه أنْ يكون كذلك أو الإعلام الخاص الذي يسعى إلى إثارة الفتن والاضطراب بين متلقيه